الأحد 7 يونيو 2026
في مكالمة فيديو من بروكلين، وبين محطة وأخرى من جولتها الترويجية للكتاب، كانت إفراح أحمد تحتسي شاي الزنجبيل الطازج. أعادتها رائحته إلى مطبخ طفولتها، حيث كانت والدتها تخبز غالبًا كعكة الهيل العطرية. قالت أحمد: "هذه من الذكريات الجوهرية في طفولتي". بالنسبة إليها، لا يقتصر الطعام على كونه وسيلة للعيش. إنه ذاكرة وميراث، وربما قبل كل شيء سجلّ حي؛ أو كما تصفه هي: "تاريخ صومالي على طبق".
تقع هذه الفكرة في قلب كتابها الأول "الصومال: الطعام والذاكرة والهجرة"، الذي صدر في مارس/آذار من هذا العام. فالكتاب ليس مجرد مجموعة وصفات، بل يجمع بين الوصفات والتاريخ والملامح الشخصية، ويصدر بوصفه واحدًا من الكتب القليلة جدًا التي تناولت المطبخ الصومالي. كما يبني على نجاح فعاليات أحمد المؤقتة Milk and Myrrh، التي كانت تذاكرها تنفد غالبًا، وعلى وصفاتها المنشورة في نيويورك تايمز كوكينغ، إلى جانب أعمال أخرى.
تتتبع أحمد من خلال 75 وصفة مسار المطبخ الصومالي عبر التجارة، والاستعمار، والحرب، والهجرة. فقد كانت الصومال القديمة محطة مهمة على طريق الحرير التجاري، كما أكسبها إنتاج التوابل لقب أرض القرفة. ومنحت التقاليد الرعوية والبدوية في البلاد مكانة خاصة لحليب الإبل، الذي يُشار إليه أحيانا باسم الذهب الأبيض، وكذلك للحوم. أما الاستعمار الإيطالي، الممتد من أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، فقد أدخل المعكرونة إلى المائدة الصومالية. وتحت الحكم الأوروبي، صُبّت أرباح صادرات الموز في شبكات التجارة الاستعمارية بدل أن تعود إلى المجتمعات المحلية. وعلى الرغم من التأثيرات العالمية التي يحملها المطبخ الصومالي، وحضوره المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه لا يزال أقل شهرة من مطبخ إثيوبيا المجاورة، مع أن البلدين يتقاسمان بعض الأطعمة.
"علّمني ذلك أن تكون علاقتي بالطبخ مريحة وبديهية؛ أن أعرف متى أتوقف عن قياس المكونات، وأن أملّح، وأنكّه من القلب"
وقد أسهمت حركة المكونات عبر العالم في ظهور أطباق مثل بَريس إسكوكاريس، وهو طبق يُحضَّر في قدر واحد من الأرز المتبّل مع اللحم المشوي والخضار والموز. لكن أحمد توضّح قائلة: "هناك ميل إلى المبالغة في ردّ المطبخ الصومالي إلى التأثير الاستعماري. صحيح أن هذا التأثير موجود، لكن ما فعلناه نحن به غالبًا ما يُتجاهل. معكرونتنا ليست هي المعكرونة الإيطالية. إنها شيء صومالي خالص". وغالبًا ما تُنكَّه هذه الأطباق بـ"الحواش"، وهو مزيج من التوابل يضم الكمون والكزبرة والهيل والقرفة والقرنفل والكركم.
يمثّل الكتاب لوحة واسعة لمطبخ وشعب في حركة دائمة. تقول أحمد، التي وُلدت في مقديشو، وانتقلت مع أسرتها إلى سياتل في الولايات المتحدة عام 1996 عقب اندلاع الحرب الأهلية، إن فكرة الكتاب خطرت لها للمرة الأولى قبل نحو عقد. ففي أثناء دراستها القانون في نيويورك، لاحظت ندرة الأعمال المكتوبة عن المطبخ الصومالي. وتقول: "أدركت أن هناك نقصًا في المصادر المتاحة لمن يملكون هذا الفضول، مثلي ومثل أبناء جيلنا".
يعكس هذا الغياب الطريقة التي انتقلت بها الوصفات الصومالية عبر الحكاية والذاكرة والممارسة اليومية، لا عبر التدوين. فقد بدّدت عقود الحرب والنزوح المعرفة المطبخية في أنحاء الشتات، وجعلت التراث الصومالي أكثر عرضة للفقدان، خصوصًا مع استمرار النزاعات والجفاف اللذين تسببا، وفقًا للأمم المتحدة، في نزوح ما يصل إلى أربعة ملايين صومالي. وفي ظل هذه الظروف، لم تتح إلا فرص محدودة لجمع هذه المعرفة وتثبيتها في كتاب مطبوع.
تعلمت أحمد الطبخ من والدتها، التي علّمتها أن تثق بحدسها أكثر من اعتمادها على التعليمات الصارمة. تقول أحمد: "علّمني ذلك أن تكون علاقتي بالطبخ مريحة وبديهية؛ أن أعرف متى أتوقف عن قياس المكونات، وأن أملّح، وأنكّه من القلب".
أجرت أحمد لإنجاز البحث الخاص بالكتاب، مقابلات مع كبار السن، وتحدثت إلى طهاة العائلة، ونقّبت في الأرشيفات الرقمية، وشاهدت مقاطع قديمة على يوتيوب، واستمعت إلى تسجيلات صوتية لنساء صوماليات يتحدثن عن الوصفات. وتقول: "إذا لم أكن أعرف طريقة إعداد وصفة ما، كنت أطلب من أمي أن تتصل بأحدهم، أو أبحث عن شخص في المجتمع يستطيع أن يشاركني تلك المعلومة".
"أردت أن أتحدث عن تنوع الطعام الصومالي، وأن أقدّم وصفات تمثّل كل المناطق التي يوجد فيها الصوماليون"
إلى جانب المزارعين والصيادين وشخصيات أخرى تسهم في تشكيل المشهد المطبخي الصومالي، تسلّط أحمد الضوء على بارلين علي، مؤلفة كتاب "Somali Cuisine"، الصادر عام 2007، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه آخر كتاب طبخ صومالي بارز قبل كتابها. كما يضم الكتاب الشيف جمال حاشي من مينيابوليس، وحمدة عيسى-سالوي، المقيمة في لندن وصاحبة علامة تتبيلات الشاي Ayeeyo’s Blends، وليبان إبراهيم، صاحب مطعم Sabiib في لندن، الذي يوصف بأنه "أفضل مطعم شرق أفريقي" في المدينة. تقول أحمد: "اسمي هو الموجود على الغلاف، لكن العمل كان جهدًا جماعيًا بامتياز. أردت حقًا أن أروي قصص الآخرين من خلال الطعام".
إذا كان الكتاب أرشيفًا لذاكرة المطبخ الصومالي، فهو في الوقت نفسه محاولة لمقاومة التبسيط. تقول أحمد إن أحد أهدافها الأساسية كان تفكيك فكرة وجود مطبخ صومالي واحد ومتجانس. ففي الشتات، على وجه الخصوص، أصبحت أطباق قليلة، مثل طبق بَريس إسكوكاريس الشهير، تختزل ثقافة غذائية كاملة تمتد عبر مناطق وحدود متعددة. وتقول: "أردت أن أتحدث عن تنوع الطعام الصومالي، وأن أقدّم وصفات تمثّل كل المناطق التي يوجد فيها الصوماليون".
يواصل الصوماليون إعادة ابتكار أطباقهم عبر تقنيات جديدة، وطرق تقديم مختلفة، ومكونات بديلة، من دون التفريط في جوهرها. ويمكن أخذ السمبوسة مثالًا على ذلك، وهي فطيرة محشوة تشبه السمبوسة الهندية. فقد أشارت حليمة حسين، الكاتبة المقيمة في لندن، في نشرة Vittles المتخصصة في الطعام، إلى أن سمبوسة التونة "موضع خلاف بين الصوماليين؛ يرفضها بعضهم، ويتبناها آخرون بحماس كامل". وفي شمال غرب المحيط الهادئ، مثلًا، ظهرت سمبوسة السلمون بوصفها تخصصًا محليًا، نظرًا إلى وفرة الأسماك في المنطقة. وفي أماكن أخرى، تُستخدم خبزات التورتيلا بدلًا من رقائق العجين التقليدية. وتعلق أحمد: "هذا مثال آخر على الطريقة التي تؤثر بها الهجرة في تقاليد الطعام: تستخدم المكونات المتاحة لك كي تصنع طعامك التقليدي".
تواصل الهجرة التأثير في العادات الغذائية الصومالية بطرق أعمق وأكثر بنيوية. فلحوم الإبل وحليبها، وهما عنصران مركزيان في الحياة الرعوية الصومالية قديمًا وحديثًا، يصعب الحصول عليهما في أوروبا وأمريكا الشمالية، الأمر الذي يدفع مجتمعات الشتات إلى التكيّف وابتكار بدائل جديدة. وتشير أحمد إلى مزرعة Juba Farms في كانساس سيتي بولاية ميزوري، التي تربي الإبل وتعبّئ حليبها في زجاجات، بوصفها دليلًا على أن التقليد المطبخي الصومالي يواصل التطور في بيئات جديدة. تقول أحمد: "الثقافة في تغير دائم. لكنني أريد أيضًا أن يكون لدينا إحساس بالتاريخ، وإحساس بالتقاليد، ومعرفة بالطريقة التي كنا نأكل بها، والطريقة التي نأكل بها اليوم".
"لقد منحني الطعام إحساسًا بالذات، حين عرفت ما يعنيه هذا المطبخ بالنسبة إلى هويتنا ومن أين أتينا"
بالنسبة إلى أحمد، لا ينفصل توثيق هذه التحولات عن توثيق الصمود الصومالي. فالكتاب يصدر في لحظة أصبحت فيها الهجرة، والهجرة الصومالية تحديدًا، مسألة مسيّسة بشدة في الولايات المتحدة. فقد هاجم دونالد ترامب الأمريكيين الصوماليين، الذين استهدفتهم سلطات الهجرة في مينيابوليس وأماكن أخرى. وفي هذا السياق، تحولت أطعمة صومالية يومية إلى أدوات مقاومة غير متوقعة. وقد أشار تقرير حديث في الغارديان إلى أن محتجين في تظاهرات مينيابوليس كانوا يوزعون السمبوسة إلى جانب منشورات تشرح حقوقهم.
حين تصورت أحمد هذا المشروع للمرة الأولى، لم تكن تعلم أنه سيبدو ملحًا إلى هذا الحد في اللحظة الراهنة. تقول: "أنا مدركة تمامًا لمدى راهنية هذا الكتاب، ومدركة أيضًا للتصورات الخاطئة الموجودة حول الصوماليين". ومع ذلك، تحرص أحمد على ألا تقدّم الكتاب بوصفه فعل شرح موجّهًا إلى الغرباء. تقول: "صُنع هذا الكتاب بنية أن يكون للصوماليين. وإذا أراد الآخرون قراءته ومعرفة المزيد عنا، فهم مرحب بهم تمامًا. لا أشعر حقًا بضغط الحاجة إلى إثبات أي شيء لأي أحد".
أما ما تأمله، فهو أن يمنح الكتاب الصوماليين الأصغر سنًا إحساسًا أعمق بالارتكاز الثقافي، شبيهًا بما منحها الطعام إياه في طفولتها. تقول: "لقد منحني الطعام إحساسًا بالذات، حين عرفت ما يعنيه هذا المطبخ بالنسبة إلى هويتنا ومن أين أتينا". وعلى الرغم من ثقله التاريخي والسياسي، يظل الكتاب، في جوهره، كتابًا عن المتعة: أرز عطِر، وسمك مقلي، وشاي متبّل، وكعكة هيل. فمهمته لا تقتصر على تعريف الغرباء بالطعام الصومالي، بل تمتد إلى حفظه لأولئك الذين ينتمي إليهم أصلًا.