تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

حين تصبح الحكاية سؤالاً؛ التراث الشفوي في قلب الرواية الأفريقية الحديثة

8 فبراير, 2026
الصورة
حين تصبح الحكاية سؤالاً؛ التراث الشفوي في قلب الرواية الأفريقية الحديثة
Share

قبل أن تُطبع الحكايات في الكتب، وقبل أن تُعرض على الشاشة، كانت تُروى بين الناس بصوت الراوي على ضوء النار أو تحت ظلّ الشجر؛ كل همسة وكل صدى كانا يحملان معهما حكمة ودرساً، وإيقاعاً لا يُفهم إلا إذا استمعت إليه بعينيك وسمعك معاً. في القرن الأفريقي، كما في مناطق كثيرة من أفريقيا، لم يكن السرد مجرّد تسلية، بل كان طريقة لرؤية العالم وفهمه، وتعليم الأطفال والشباب كيف يعيشون، وكيف يفكرون، وكيف يميّزون بين ما هو صواب وما هو خطأ.

اليوم، وقد انتقلت تلك الحكايات من الفم إلى الورق ثم إلى الشاشة، لم تفقد روحها، وإنما تغيّرت وظيفتها؛ فلم تعد مجرّد روايات أو أساطير، بل أصبحت أدوات للتساؤل، وإشارات نقدية، ومساحات للحوار بين الماضي والحاضر، وبين التقليد والحداثة. إنّ الانتقال من الصوت إلى النص المكتوب، ومن القصة الشعبية إلى الرواية المعاصرة، يفتح نافذة على سؤال أكبر: كيف نفهم هويتنا من خلال القصص التي ورثناها؟ وكيف يمكن للتراث أن يكون حافزاً على التفكير بدل أن يكون مجرّد ذكرى؟

إنّ القصة في أفريقيا لم تولد بين دفّتي كتاب، بل في الهواء بين فم الراوي وأذن السامع. وقبل أن تتجسّد الحكاية في حروف مطبوعة، كانت تُنقل عبر الصوت والإيقاع والإيماءة والذاكرة الحيّة. في مجتمعات القرن الأفريقي وسواها، لم يكن التراث الشفوي مجرّد شكل بدائي من أشكال السرد، بل كان نظاماً كاملاً لفهم العالم؛ طريقة لتفسير الخوف، وتنظيم القيم، وبناء صورة الإنسان عن نفسه داخل الجماعة.

نلاحظ حين نستمع إلى الحكايات الشعبية في هذه المنطقة أنها لا تسرد الوقائع كما هي، بل كما ينبغي أن تُفهم؛ فالحيوان المتكلم ليس حيواناً، بل صورة مكثّفة للإنسان في دهائه أو ضعفه، والرحلة ليست انتقالاً جغرافياً فقط، بل امتحاناً أخلاقياً. بهذا المعنى كانت الحكاية أداة تفكير جماعي بقدر ما كانت وسيلة للتسلية؛ وكان الطفل الذي يصغي إليها لا يتلقى قصة فحسب، بل يتلقى تصوراً عن الخير والشر، وعن النجاة، ومعنى الانتماء.

في مجتمعات القرن الأفريقي وسواها، لم يكن التراث الشفوي مجرّد شكل بدائي من أشكال السرد، بل كان نظاماً كاملاً لفهم العالم؛ طريقة لتفسير الخوف، وتنظيم القيم، وبناء صورة الإنسان عن نفسه داخل الجماعة

يحتلّ الشعر الشفوي مكانة مركزية في القرن الأفريقي، خاصة في الصومال وإثيوبيا، حيث لم يُنظر إليه بوصفه فناً نخبوياً، بل بوصفه لغة عامة للجماعة. لم يكن الشاعر منعزلاً عن الحياة اليومية، بل جزءاً من ديناميكيتها؛ يعلّق على النزاعات، ويؤرّخ للأحداث، ويعبّر عن المواقف السياسية والاجتماعية. الإيقاع هنا ليس زينة شكلية، بل تقنية للذاكرة تحفظ الخبرة، وتسمح بانتقالها من جيل إلى جيل دون أن تضيع.

عندما بدأت الرواية الحديثة في الظهور في أفريقيا، لم تنشأ في فراغ ثقافي، بل وُلدت داخل هذا العالم المشبع بالشفوي. لذلك لم يكن الانتقال من الحكاية المنطوقة إلى النص المكتوب قطيعة، بل ترجمة. فالرواية لم تستعر موضوعاتها من التراث الشفوي فحسب، بل استبطنت منطقه السردي: التكرار، ومركزية الحدث الأخلاقي، وحضور الراوي العليم، والخطاب الموجّه إلى الجماعة لا إلى الفرد المعزول.

حين يتحوّل الصوت إلى نص

يتّضح هذا التأثير في أعمال مبكرة من القرن الأفريقي، حيث يحتفظ السرد بنبرة الحكّاء الشعبي حتى وهو مكتوب. من ذلك رواية "Araya" للكاتب الإثيوبي Girmachew Tekle Hawaryat، المكتوبة في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وتُعد من أوائل الروايات الحديثة في إثيوبيا. تحكي الرواية قصة شاب يسافر إلى أوروبا بحثاً عن التعليم، ثم يعود ليصطدم بعالمه التقليدي. لا يُعرض هذا الصراع بين الحداثة والتقاليد بوصفه ثنائية جاهزة، بل عبر سرد يتكئ على الحكمة الشعبية، وعلى تصور أخلاقي للعالم ما يزال مشبعاً بروح الشفوي.

يمكن القول إن الرواية الأفريقية، ولا سيما في منطقة القرن الأفريقي، هي ابنة الحكاية الشفوية، لكنها ابنة متمرّدة؛ تحمل ملامح أمها، لكنها لا ترث يقينها. تستعير صوتها، لكنها تملؤه بالشك

وفي السياق الصومالي، يبرز اسم نور الدين فارح، أحد أهم روائيي القرن الأفريقي المعاصرين. في روايته الشهيرة "From a Crooked Rib" (1970)، يعيد فارح توظيف بنية الحكاية الشفوية لمعالجة موضوعات مثل الجندر والسلطة والاختيار الفردي. تستعير الرواية من التراث الشفوي طريقة بناء الشخصيات بوصفها نماذج أخلاقية، لكنها تحمّل هذه النماذج أسئلة جديدة مرتبطة بالدولة الحديثة والتحولات الاجتماعية. هنا لا يكون التراث الشفوي مادة للحنين، بل مادة للتفكير؛ فالرواية لا تعيد إنتاج الحكاية القديمة، بل تدخل معها في حوار. والصوت الذي كان يقول للناس كيف يعيشون، يبدأ في النص الحديث بسؤالهم: لماذا تعيشون على هذا النحو؟

حين تعبر الحكاية بين الرواية والسينما

من أوضح الأمثلة على عبور التراث الشفوي بين الأجناس الفنية ملحمة سوندياتا كيتا، مؤسس إمبراطورية مالي، وهي من أشهر الملاحم الشفوية في أفريقيا الغربية. تناقلها الرواة (Griots) شفهياً عبر قرون قبل أن تُدوَّن في كتاب بعنوان "Sundiata: An Epic of Old Mali" للباحث الغيني جبريل تمسير نيان عام 1960. يحتفظ النص بروح الملحمة: البطل الضعيف الذي يُتنبأ بعظمته، والرحلة الطويلة، والانتصار بوصفه عودة للنظام الأخلاقي. غير أن التدوين يحوّل القصة من أداء شفهي مرتبط باللحظة إلى نص ثابت موجّه لقارئ حديث يعيش في عالم الدولة لا في عالم القبيلة.

يعيد فارح توظيف بنية الحكاية الشفوية لمعالجة موضوعات مثل الجندر والسلطة والاختيار الفردي. تستعير الرواية من التراث الشفوي طريقة بناء الشخصيات بوصفها نماذج أخلاقية، لكنها تحمّل هذه النماذج أسئلة جديدة مرتبطة بالدولة الحديثة والتحولات الاجتماعية

وبعد ثلاثة عقود، قدّم المخرج البوركيني داني كوياتي فيلمه "Keita! L’Héritage du Griot" (1995)، المستلهم من الملحمة نفسها. لا يكتفي الفيلم بسرد قصة سوندياتا، بل يبني إطاراً معاصراً: حكّاء عجوز يذهب إلى المدينة ليحكي القصة لحفيده الذي يتلقى تعليمه في مدرسة حديثة. هنا تتحول الحكاية نفسها إلى موضوع للفيلم؛ إذ لم يعد الصراع صراع البطل الأسطوري فقط، بل صراع الذاكرة مع النسيان، والشفوي مع النظام التعليمي الحديث. في الرواية يكون سوندياتا محور العالم السردي، بينما في الفيلم يصبح الطفل المعاصر جزءاً من القصة. فهل ستبقى الحكاية حيّة في زمن المناهج والشاشات؟ وهل يمكن للتراث الشفوي أن يجد مكانه في عالم لم يعد يصغي كما كان؟

التراث الشفوي من يقين الجماعة إلى قلق الهوية

الفرق بين الحكاية الشعبية والرواية الحديثة ليس فرقاً في الشكل فقط، بل في الوظيفة. الحكاية كانت تنظّم العالم وتمنحه معنى مستقراً، أما الرواية فتضع هذا المعنى موضع مساءلة. لذلك لا يعود التراث الشفوي في الأدب المعاصر حقيقة مكتملة، بل مادة للتأويل والنقد. حتى اللغة نفسها تحمل أثر هذا الأصل الشفوي: التكرار المقصود، والإيقاع الداخلي للجملة، والمخاطبة المباشرة للقارئ. كأن الكاتب، وهو يكتب، لا يزال يسمع صدى الحكّاء في أذنه، ويحاول أن يرضي العين دون أن يخون الأذن.

غير أن هذا الاستدعاء لا يخلو من مفارقة؛ ففي بعض الأحيان يتحول التراث إلى قناع فولكلوري يُستخدم لإضفاء نكهة محلية على نص موجّه للسوق العالمية، فيفقد وظيفته النقدية ويصبح زخرفة. لذلك لا تُقاس قيمته بعدد الأساطير أو الأمثال المستحضرة، بل بطريقة إدماجه في بنية تفكير معاصرة.

يمكن القول إن الرواية الأفريقية، ولا سيما في منطقة القرن الأفريقي، هي ابنة الحكاية الشفوية، لكنها ابنة متمرّدة؛ تحمل ملامح أمها، لكنها لا ترث يقينها. تستعير صوتها، لكنها تملؤه بالشك. فالتحول من القصص الشعبية إلى الرواية المعاصرة ليس انتقالاً من البساطة إلى التعقيد، بل من تثبيت المعنى إلى مساءلته.

وهكذا لم يعد التراث الشفوي مجرد ماضٍ جميل أو مخزن للحنين، بل رصيداً حيّاً يواصل إنتاج المعنى في الحاضر. كانت الحكايات في أصلها أدوات تنظيم الحياة الجماعية وتوضيح الخير والشر والانتماء، لكنها اليوم تعيد طرح هذه الأسئلة وتختبر صلاحيتها أمام التحديات المعاصرة. فحين تنتقل الحكاية من الفم إلى الرواية ثم إلى الشاشة، تتحول من خطاب يثبّت القيم إلى خطاب يراجعها، ومن وسيلة لتلقين معنى الحياة إلى مساحة للتساؤل النقدي. وهكذا يصبح التراث الشفوي ليس نهاية للتاريخ، بل بدايته المستمرة، ومساحة مفتوحة للتأويل والإبداع الثقافي.