الأحد 7 يونيو 2026
في عام 2015، سافرت الصحفية آمنة محي الدين إلى كاليه لتغطية أزمة اللاجئين من خطوطها الأمامية. وعندما عادت إلى لندن وناقشت مع والديها ما رأته هناك، فاجأها ردّهما: ألم تكن تتذكر أنها كانت لاجئة هي نفسها؟ وهكذا بدأت رحلتها لفهم عائلتها والبلد الذي كانا يوماً يدعوانه وطناً.
كنت جالسة مع عائلتي في مطعم تركي حين عرفت، للمرة الأولى، أنني فُصلت عن أمي قسراً عاماً كاملاً. كنا في إلفورد، شرق لندن، في يوم مشمس من أغسطس/آب 2020، بعدما حالت أشهر الإغلاق المرتبط بفيروس كورونا بيننا وبين اللقاء. كان المطعم معتماً من الداخل، راودني شيء من الضيق لأننا لم نستطع الجلوس في الخارج والاستمتاع بالشمس، وهي متعة نادرة في لندن. لا أذكر الآن سبب اجتماعنا على وجه الدقة؛ ربما لأنني كنت قد أخبرت والديّ أنني أريد كتابة كتاب عن حياتهما. كان إخوتي الأربعة الأصغر مني يجلسون معنا، غارقين في هواتفهم، وكانت أمي إلى جواري تتصفح قائمة الطعام. أريتها صورة وسألتها: "هل تتذكرين هذا المكان؟". فهتفت بحماس: "نعم، بيتنا في ويسترن رود!". التفت إلينا بعض رواد المطعم، لكنني تجاهلتهم. كان وجهها قد أشرق تماما.
في صباح ذلك اليوم، كنت قد ذهبت إلى أول شقة عشنا فيها في المملكة المتحدة. كانت شقة علوية من غرفتي نوم، وكنا حينها عائلة من أربعة أفراد: أمي، وأبي، وأخي عامر، وأنا. لم تكن الشقة تبعد أكثر من ثلاثة أميال عن المكان الذي أعيش فيه الآن، لكن الوصول إليها أشعرني كأنني أسافر عقوداً إلى الوراء. لم أزرها منذ طفولتي. لا أعرف لماذا، لكن شيئاً ما ظل يدفعني نحوها في الأسابيع الأخيرة. كنت قد قررت في ذلك الصيف أن أكتب كتاباً، غير أنني لم أستطع تدوين كلمة واحدة.
كانت الأسئلة تتصاعد إلى حلقي ثم تختنق هناك، بينما كان الجميع يطلبون ما يريدون أكله
كنت بحاجة إلى أن أرى ذلك البيت قبل أن أكتب. كان عليّ أن أعود إلى المكان الذي بدأت فيه، بطريقة ما، ملامح نفسي الأولى في التشكّل. مشيت في ذلك الصباح نحو ويسترن رود وفي داخلي رهبة لا أعرف مصدرها. في البداية، لم أتعرف إلى بيوت الشارع، فخفت أن يعني ذلك أنني لن أتعرف أيضاً إلى أماكن أخرى من ماضيّ. هل سأشعر بالغربة والانفصال نفسيهما إذا عدت إلى كينيا والصومال؟ لكنني حين رأيته، تنفست بارتياح. كان الباب هناك، تماماً كما حفظته ذاكرتي.
في لحظة خاطفة، عدت طفلة من جديد أمشي إلى المدرسة، الأشجار عن يساري والشجيرات عن يميني. ابتسمت وأنا أعبر الطريق نفسه الذي سلكته قبل أكثر من عشرين عاماً، ثم لمحت لافتة مدرسة ساوثرن الابتدائية. كانت تلك مدرستي الابتدائية الثانية، المدرسة التي انتقلت إليها بعد أن عدت للعيش مع أمي. تعرفت إلى شعارها، إلى اتجاهات البوصلة فيه، وتذكرت كم كنت فخورة حين كنت أرتديه بارزاً على كنزتي الصوفية.
أتذكر مطلع الألفية الجديدة، وكم كنت أخاف حين تصلني أصوات الألعاب النارية إلى غرفتي. أتذكر الإنترنت عبر الاتصال الهاتفي، وبطاقات بوكيمون، ووالديّ وهما يتضاحكان في ذلك المطبخ؛ لم يكونا يعرفان كيف يتصرفان معاً بعد كل ذلك الفراق. أتذكر أنني كنت أنظر إلى مهد أخي فلا أشعر بالوحدة. أتذكر أنني كنت أشعر أنني في بيتي.
هل سيكون الأمر كذلك لو عدت إلى الصومال وكينيا؟ هل ستنهض الذكريات من جديد؟ هل ستكتسب نبرة أخرى أو لوناً مختلفاً؟ وهل سيكون ذلك خيراً أم شراً؟ رغبت في أن أطرق الباب، لكن الخوف غلبني. كان فيروس كورونا لا يزال متفشياً، ولم أرد أن أعرّض شخصاً ضعيفاً في الداخل لأي خطر من دون أن أدري. لذلك اكتفيت بالتقاط صور للبيت من الخارج. وقفت هناك برهة. كانت امرأة على الجانب الآخر من الطريق تراقبني بفضول، فضحكت وقلت لها: "أعرف أنني أبدو على الأرجح غريبة الأطوار". فضحكت هي أيضاً.
بقيت أحدق في البيت، ولم أفق من شرودي إلا حين وصلتني رسالة من أمي تقول إنهم يستعدون للخروج إلى المطعم. أسرعت إلى هناك كي أصل قبلهم. قلت لأمي: "نعم، ذهبت إلى الشقة اليوم. أردت أن أراها، أن أعود إلى مكان من ماضيّ". عرضت الصورة على أبي، فقلت لهما معاً: "أشعر أن هذا هو المكان الذي بدأت فيه حياتنا حقاً".
هزت أمي رأسها موافقة. بدت بعيدة جداً، وهي تنظر إلى الصورة. قالت ماما: "لقد عانينا كثيراً قبل أن نصل إلى هناك".
قلت: "نعم، في الصومال وكينيا".
هزت ماما رأسها، ثم أعادت إليّ هاتفي وقالت: "لا، ليس هناك فقط. عانينا في جدة أيضاً. حين جاءت الشرطة إلى بيتنا، أخذوني".
أريد أن أقول إن هذا لا يشبهني، لكنني أدركت أنه يشبهني أكثر مما ظننت؛ فقد أمضيت حياتي أهرب من هذه اللحظة منذ كنت طفلة
ضحكت وأنا أتحرك في مقعدي، بينما كان الخبز والمقبلات توضع على الطاولة، وقلت: "آه، أكان ذلك حين سألتني الشرطة إن كنتِ أمي فقلت لا؟". قالت ماما بهدوء، وهي تقطع قطعة من الخبز التركي وتغمسها في الصلصة الحارة: "نعم، ثم بقيت في السجن أسابيع عدة، وبعدها أرسلوني إلى جيبوتي".
نظرت إليها مشوشة وقلت: "انتظري، هل رُحِّلتِ فعلاً؟ متى حدث ذلك؟ وكم استمر؟ كنت أظن أن الشرطة أطلقت سراحكم بعد احتجاز قصير»". ضحكت ضحكة عميقة من القلب، حتى لمعت عيناها، وقالت: "لا، رُحِّلت، ولم أركِ عاماً كاملاً يا كوكو! قلت لك إنني عانيت حقاً. وذلك السجن، لا إله إلا الله، لقد عانيت فيه كثيراً، كثيراً".
قال بابا: "إذا كنتِ قد انتهيتِ من المعاناة، فالرجل هنا ليأخذ طلباتنا"، ثم ضحك على نكتته. أدارت عينيها، لكنني رأيت أنها كانت توشك أن تضحك أيضاً. كانت الأسئلة تتصاعد إلى حلقي ثم تختنق هناك، بينما كان الجميع يطلبون ما يريدون أكله. ولم أستطع أن أحمل نفسي على السؤال إلا بعد أن وصل الطعام.
سألتها: "إلى أين أخذوكِ؟".
قالت: "اعتُقلت مع أختي".
قلت: "سعيدية؟". فأومأت برأسها.
توقفت ماما قليلاً، كأنها تفتش في ذاكرتها، ثم قالت: "بقينا في السجن مدة... ربما أسبوعين؟ ثم أرسلوني إلى جيبوتي، وأرسلوا سعيدية إلى إثيوبيا". كانت تضحك وهي تحكي، ورغم ذهولي وجدتني أبادلها الابتسام.
ما حدث بعد ذلك فاجأني، بصفتي صحفية. فبحلول ذلك الوقت، كانت لدي رغبة شرهة في معرفة كل ما جرى لوالديّ. كنت ألحّ عليهما طلباً للتفاصيل، وأحب أن أجلس وأستمع إليهما وهما يرويان لي قصصهما. لكنني في تلك اللحظة لم أشعر بأي فضول. أصابني خدر غريب أمام ما كانت أمي تقوله، ولم أرد إلا أن ننتقل إلى موضوع آخر. لم أكن أريد أن أستجوب. كنت أريد أن أختبئ.
كنت بحاجة إلى أن أرى ذلك البيت قبل أن أكتب. كان عليّ أن أعود إلى المكان الذي بدأت فيه، بطريقة ما، ملامح نفسي الأولى في التشكّل
وأنا جالسة في المطعم، طفت إلى السطح ذكرى من طفولتي، حين كنت في التاسعة تقريباً. استيقظت عند الفجر، فوجدت المكان الذي كانت تنام فيه ابنة خالتي لولا، التي جاءت للمبيت عندي، خالياً. انتابني ذعر شديد. أمضيت الساعات التالية أبحث عنها في شقتنا الصغيرة بينما كان والداي نائمين. فتشت الأماكن نفسها مرة بعد مرة: تحت الأريكة، وتحت السرير، وفي خزائن المطبخ، وعلى بسطة الدرج، متشبثة بأمل يائس في أن تظهر فجأة كما لو أن سحراً سيعيدها. وحين استيقظ والداي أخيراً، أخبراني أن خالتي أخذتها إلى البيت بينما كنت نائمة. شعرت يومها بأن شيئاً في داخلي انهار، كأن صدري ينطبق على نفسه. شعرت بوحدة مؤلمة، وحدة كنت أعيها تماماً.
وفي المطعم، عادت إليّ تلك الوحدة، وهذا ما فاجأني. حتى تلك اللحظة، كانت كل معلومة جديدة أعرفها عن والديّ تقرّبني منهما أكثر. وخلال الأشهر القليلة الماضية، كنت أشعر أنني أقف بثبات أكبر داخل هويتي. لكن سماعي عن ترحيل أمي جعلني أشعر بأنني مكشوفة وهشة. لن أطرح أي سؤال آخر عن ذلك الترحيل طوال عامين كاملين. أريد أن أقول إن هذا لا يشبهني، لكنني أدركت أنه يشبهني أكثر مما ظننت؛ فقد أمضيت حياتي أهرب من هذه اللحظة منذ كنت طفلة.
في ذلك الأسبوع، عاد إليّ كابوس لم أره منذ سنوات. أكون فيه دائماً طفلة. أجد نفسي في غرفة يخبرني فيها أحدهم أن أمي اختطفها الشيطان. أبحث عنها في أنحاء لندن، ويزداد يأسي مع كل خطوة.
وحين أجدها، مهما اختلفت الطرق التي أسلكها في كل مرة يعود فيها الكابوس، يكون الأوان قد فات. تكون مقيدة بالسلاسل، وقد انطفأت الحياة في عينيها، وإلى جوارها شيطان بهيئة وحشية وقرنين، يبتسم ابتسامة ساخرة. أحياناً أجدها في هيئة صادمة لا أحتمل النظر إليها. أستيقظ ما إن ألمسها، ويكون جسدها دافئاً دائماً. يتكرر الكابوس بالسيناريو نفسه، لكن الشخص المختطف يتغير أحياناً؛ وغالباً ما يكون أحد إخوتي. في أحلامي، أتمكن من العثور على بعضهم، ثم أستيقظ مذعورة وغارقة في العرق، لأنني أصل متأخرة عن إنقاذ الآخرين.