تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 6 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

هيلا غيريما وتاريخ من صياغة إثيوبيا بصريًا.. "عودة الابن الضال"

26 فبراير, 2026
الصورة
هيلا غيريما وتاريخ من صياغة إثيوبيا بصريًا.. "عودة الابن الضال"
Share

"لطالما فضلت شخصية جون واين الذي يقتل أعدادًا كبيرة من الهنود. لقد تماثلت مع العالم الأبيض؛ واستلبتني الثقافة الأوروبية والأمريكية"(هيلا غيريما)

حضر المخرج الإثيوبي المخضرم هيلا غيريما بقوة في فعاليات مهرجان برلين السينمائي (16-22 فبراير/شباط الجاري)، إذ تم عرض فيلمه الأخير "أسود سوداء- ذئاب رومانية" في أيام المهرجان، ونال غيريما جائزة كاميرا برلين "Berlinale Camera"، وجاء في حيثيات منحه الجائزة أن فيلمه (الذي يمتد لتسعة ساعات كاملة) يشهد، كما بقية أعماله، على "تواريخ اتصفت بالقمع والمقاومة والقضاء غير المكتمل على الاستعمار- وهي القصص التي تتحدث بالقوة اللازمة للعالم اليوم".

كلل الاحتفاء الكبير في برلين بغيريما مسيرة أهم مخرج سينمائي إثيوبي، ومن أغزرهم إنتاجًا، منذ تخرجه في مدرسة المسرح والفيلم والتليفزيون بجامعة كاليفورنيا ولوس أنجلوس (UCLA-TFT) نهاية ستينيات القرن الماضي، وصاحب قائمة من الأفلام الهامة منها الحصاد: ثلاثة آلاف عام (1974)، وسانكوفا "Sankofa" (1993) الذي تناول قضية تجارة العبيد الأفارقة بقدر ملموس من التاريخانية والأصالة، وحظي عند عرضه في الولايات المتحدة بإقبال جماهيري ملفت، وكذا بتقدير نقدي كبير في الولايات المتحدة وأوروبا (الجائزة الكبرى من مهرجان السينما الأفريقية بإيطاليا)، وفي أفريقيا (جائزة أفضل تصوير سينمائي في مهرجان الفيلم الأفريقي ببوركينا فاسو).

المتمرد الواعي: غيريما يصنع عالمه

في حوار شهير مع غيريما (1993)، وفي ذروة نجاح فيلمه سانكوفا، لفت رده على سؤال محاورته باميلا ولفورد عن رأيه في مسلسل الجذور "Roots" (1977) إلى رؤية عميقة للغاية، لطالما اكتنفت عقل غيريما في واقع الأمر. وقد رأى غيريما، الذي أخرج فيلمه سانكوفا متناولًا نفس القضية بعمق أكبر وأدق وبرؤية "أفريقية" متفهمة للقضية، أن العمل "شريطٌ سياسي، لا أعتقد أنه شريطٌ فني. إنه يتعلق بخلق تناغم بين السود والبيض (في الولايات المتحدة). لكن بالنسبة لي فإن التناغم (الحقيقي) يأتي من الحقائق، وليس من الأوهام. وهكذا فيما يصور (شريط) الجذور جوانب محددة من الرق، فإنه هناك (في ثناياه) تلك الوحدة الإنسانية الزائفة بين ملاك المزارع البيض و(العبيد) السود. وبالنسبة لي فإن هذا أمر لا يقر به التاريخ. لطالما رأيت أن السياسة هي فن الكذب. وعندما يصبح الفن سياسة فإنه يخدع. أرى أن الشفاء لا يتأتي إلا من الحقيقة والواقع، فأقوى الناس يواجهون حقائق معينة؛ ومن ثم يبيتون شعوبًا أقوى".

مثل الفيلم الناضج الذي أنجزه غيريما في عمر 28 عامًا جواز مرور له لصبح واحدًا من أهم صناع الأفلام بين الأمريكيين السود في الولايات المتحدة

يبدو غيريما هنا واعيًا بشكل كامل، وصاحب رؤية نقدية مهمة ومتجاوزة للتنميط الاستهلاكي للميديا الأمريكية ومنتجاتها، ومن ضمنها الأفلام السينمائية، وتتسق مع خبرته شابًا صغيرًا في موطنه، وتوجهه بعد إتمام الشهادة الثانوية إلى أديس أبابا لدراسة الدراما، ثم رحلته الصاخبة إلى شيكاغو بالولايات المتحدة (1967)، والتحاقه بمدرسة جودمان للدراما Goodman School of Drama لدراسة التمثيل، وانتقاله المهم، بعد فترة من الشعور بالاغتراب والضيق من المناخ الذي اكتسى بقدر من العنصرية، لدراسة السينما في كاليفورنيا عام 1969 واستقراره بها حتى اليوم.

لقد نظر غيريما الطفل، الذي ترعرع رفقة أبيه المعلم الكنسي ومؤلف المسرحيات باللغة الأمهرية، لعالمه نظرة دهشة دائمة لمتناقضاته؛ فوالده كان واعظًا، وانضم للمقاومة الإثيوبية للغزو الإيطالي لبلاده محاربًا، ثم عمل بعد الحرب مدرسًا، وتفرغ شيئًا فشيئًا لكتابة المسرحيات البسيطة لعرضها في الكنيسة.

وقد أثرت تلك النشاة على غيريما، وتبدت بصريًا، حسب نصه الهام حول تفكيك استعمار العقل السينمائي (2010)، في فيلميه تيزا "Teza" (2008)، والذي صوره بأكمله في قرية أعمامه القريبة من مدينة قندر التاريخية، والحصاد (1974) الذي ضمنه أغانٍ عدة كتبها والده. كما تعمق وعي الشاب، الذي كان في تنقل دائب بين المدينة (قُندر) والريف، بضرورة التغيير الاجتماعي الجاد والقطيعة مع استبداد إمبراطوري دام.

انتقد غيريما نظام هيلاسيلاسي وسمته الاستبدادي في فيلمه الحصاد بحكمة تاريخية واضحة، لكنه عاد في فيلم تيزا (الحائز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان فينيسيا ضمن جوائز هامة أخرى) لتوجيه نقد جاد لنظام منجستو هيلاميريام، عبر سرد قصة أنبيربر "Anberber" العائد إلى إثيوبيا ليجد بلده خربًا، ويواجه اختيار الاستسلام أو البدء في إعادة البناء.

كانت صناعة الأفلام، دائمًا، وسيلة غيريما لإحكام قبضته على ما يحكيه أو يرغب في قوله، أو على حد تعبيره "وسيلة فعالة لإقحام الحرية الفردية في عملية حكي القصة"، كما عبرت سينماه عن إدراك كامل بقدرة السينما على فرض نفسها على الناس "كنوع من الحقيقة الكاملة"، بل وأن تحل محل معرفة الفرد الأصلية والبديهية. لينتقل من هذه الفكرة إلى سبر جوهر الطبيعة "الكولونيالية" للسينما، وبالتالي ضرورة تحررها على مستوى آخر، كما تجسد في طرحه لمعركة عدوة سينمائيًا (1999)، ثم في فيلمه الأخير "أسود سوداء، ثعالب رومانية" حول الغزو الفاشي لبلاده ومقاومة الشعب الإثيوبي له.

ضرب غيريما مثالًا شهيرًا، وساخرًا بمرارة، حول هذا الاستعمار بحبه المولع (منذ مقتبل حياته) بشخصية جون واين، وهو ممثل الأمريكي كانت له رؤى عنصرية واضحة ضد الهنود الحمر، وتجلت في عدد من أفلامه، كما في الحياة السياسية الحقيقية، ولفت النظر بغضبه الواضح من رفض ساشين ليتلفيزر نيل تمثال الأوسكار الممنوح لمارلون براندو كأفضل ممثل عام 1973، وما دل عليه ذلك من استيعابه داخل الثقافة الأمريكية- الغربية، وهو المثال الذي يعود بغيريما، أو بنا بالضرورة هنا، إلى ذكريات طفولته عندما كان بائعًا لتذاكر الأفلام في إحدة قاعات السينما المحلية بمدينة قندر، والتي كانت تعرض باستمرار أفلامًا أمريكية من بينها أفلام واين وطرازن والغرب الأمريكي وغيرها.

غيريما والسينما والذات المستقلة

لم تخل مسيرة غيريما السينمائية من نزوع راديكالي لنقد السلطة في كافة مستوياتها؛ من حكم إمبراطوري مستبد هيمن على بلاده إلى تمرد على السلطة الأبوية والأسرية أملًا في تحقيق "سرد" جديد ينتمي لغيريما نفسه وجيله.

يسرد روي آرمس في كتابه المرجعي عن صنع الأفلام في العالم الثالث وصلته بالغرب (1987)، كيف عاد غيريما من الولايات المتحدة عام 1974 مصحوبًا بطاقم من مدرسة المسرح والفيلم والتليفزيون بجامعة كاليفورنيا ولوس أنجيلوس، عقب سقوط هيلا سيلاسي مباشرة، لتصوير فيلمه "حصاد ثلاثة آلاف عام" الذي تعمق بقوة في الثقافة الإثيوبية وخلفية غيريما الشخصية معًا؛ إذ دارت كاميرا غيريما قرب مدينة قندر، وحفل الفيلم بأغانٍ وأشعار كان قد كتبه والده باللغة الأمهرية.

طرح الفيلم رؤية نقدية صارمة لاستبداد هيلاسيلاسي وأسرته، أو ما وصفه الفيلم بثلاثة آلاف عام من القمع. وبدا في الفيلم توظيفٌ فني دقيق للأدب الشفاهي الأفريقي مع تصوير نادر لحياة الفلاح الإثيوبي. وقد استغل المجلس العسكري "درج" الحاكم بعد هيلاسيلاسي، كما يسرد ميشيل توماس في كتابه "السينما الإثيوبية الشعبية" (2023)، الفيلم دون موافقة غيريما للترويج للنظام الجديد، ودعم حملته ضد نظام هيلا سيلاسي. ومثل الفيلم الناضج الذي أنجزه غيريما في عمر 28 عامًا جواز مرور له لصبح واحدًا من أهم صناع الأفلام بين الأمريكيين السود في الولايات المتحدة.

في الكتاب المهم لنواتشوكوو فرانك أوكادايك (Nwachukwu Frank Ukadike) حول السينما الأفريقية وصناعها (2002) قدم الفصل الخاص بغيريما تفصيلات نقدية حول نزعته الراديكالية في إنتاج أفلام مهمة تعيد تقديم تاريخ إثيوبيا (وأفريقيا في بعض جوانبه) برؤية بصرية أفريقية روحًا ودلالة.

لم تخل مسيرة غيريما السينمائية من نزوع راديكالي لنقد السلطة في كافة مستوياتها؛ من حكم إمبراطوري مستبد هيمن على بلاده إلى تمرد على السلطة الأبوية والأسرية

سعى غيريما إلى سرد حكايات أهله وبلده بغرض التحرر، وتبني وجهة نظر ذاتية الطابع. وخلال وجوده في كاليفورنيا، ثم عمله لاحقًا أستاذًا بجامعة هوارد، اطلع غيريما بشكل مكثف على مؤلفات شخصيات، مثل: فرانز فانون ووليام دوبويس وأميلكار كابرال وتشي غيفارا وغيرهم. كما اطلع بنهم واضح على سينما العالم الثالث من أفريقيا وأميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، وقدم غيريما أول أفلامه "Hour Glass" (1971) مصبوغًا بلمسة ثورية ماركسية، قبل أن يطلق على فيلمه الثاني اسم طفل المقاومة "Child of Resistance" (1972)، ليكشف عن طبيعة توجهات غيريما الثورية منذ مرحلته المبكرة مع السينما.

كان غيريما مخلصًا لحرفته، وتمكن من تدبير تمويلات مهمة لأفلامه، كما في فيلمه الوثائقي في أثر الشتاء: ستيرلينج براون (1985) عن الشاعر الأفروأمريكي البارز براون (ت. 1989)، والذي مولت إنتاجه جامعة هوارد، التي التحق بها غيريما ليعمل أستاذًا للسينما، وتمكن في خطوات لاحقة من إنتاج أفلامه والقيام بالإشراف على كافة مراحل صنعها بنفسه.

غيريما في برلين: عودة الابن الضال؟

استقطب حضور غيريما في برلين اهتمامًا إعلاميًا ونقديًا فائقًا، ربما لم ينافسه فيها سوى السجالات السياسية التي ثارت في فعاليات المهرجان حول فلسطين وحرب الإبادة الإسرائيلية بها، وعاد الاهتمام إلى كونه واحدًا من أكبر مخرجي العالم إسهامًا (بمؤشر النوع وأهمية الأفلام) وعمرًا، وأن أفلامه تعبر عن قضايا أفريقية معقدة للغاية، وعلى نحو يمثل الامتداد الحي لأهم المخرجين الأفارقة وأكثرهم أصالة مثل عثمان سيمبين.

كانت صناعة الأفلام، دائمًا، وسيلة غيريما لإحكام قبضته على ما يحكيه أو يرغب في قوله، أو على حد تعبيره "وسيلة فعالة لإقحام الحرية الفردية في عملية حكي القصة"

ظهرت روح غيريما الشابة، وذاكرته الحاضرة بشكل ملفت وهو على مشارف دخول عقده التاسع، في مقابلة أجرتها معه الصحفية لورا ديلا كورتي (19 فبراير/شباط الجاري) استدعى فيها طفولته ونشأته، وارتباط ذلك بفيلمه الأخير "أسود سوداء"؛ واستدعى غيريما نشأته لأب يكتب المسرحيات ويعادي الاستعمار الإيطالي، وأم نشأت في ميتم تابع لكنيسة كاثوليكية إيطالية، وظلت مدينة طوال حياتها للعمل الإرسالي "الاستعماري"، وفي مدينة إثيوبية غنية للغاية بالتاريخ والفولكلور، ولفت إلى أنه التقى في هذا العمل أخيرًا مع والده (وكان قد صرح في حوار سابق قبل قرابة عقدين إلى خطط غير مكتملة للعمل على مشروع فيلم مشترك مع والده تأليفًا، ويبدو أن "أسود سوداء" جاء تحقيقًا لهذا العمل المؤجل)، وكيف أن فيلمه الأخير اعتمد على سرد مقاومة الإثيوبيين للاستعمار الإيطالي الفاشي (في شريط طويل يقترب من تسعة ساعات) عبر الروايات الشفهية، والأغاني الشعبية، والأرشيفات، وتوظيف لقطات سينمائية حقيقية معاصرة لعهد هذا الاستعمار، وكيف أنه يرى في فيلمه رسالة وعي للشعب الإثيوبي، الذي قد يقتل بعض أبنائه بعضهم البعض وكأنهم لم يتعلموا شيئًا من تاريخهم.

جاءت عودة غيريما لمنتدى برلين ثالثة بعد دعوته للفاعلية الهامة للمرة الأولى بفيلمه "الحصاد" (1976)، ثم الثانية بفيلمه "Ashes and Embers" (1983)، وبفيلم عمل عليه طوال ثلاثة عقود، لتعبر عن عودة قوية تحكي قصته كاملة. ويستكمل ما بدأ سرده في فيلمه معركة عدوة (1999)، وضمن سردية بصرية لتاريخ بلاده، ويتوج ريادته لحركة "تمرد لوس أنجلوس" L.A. Rebellion للسينمائيين الأفروأمريكيين، وأن يعبر عن صعوبة رحلته، وعمق خطواته في واقع الأمر بالنظر لخلفيته كأحد أبناء ثقافة راسخة ومعقدة وبها قدر مهم من التنوع، مكنته في نهاية المطاف من التعبير عن مجتمعه وعن ثقافته.

جاءت إشادات النقاد بإسهام غيريما الأخير، وفي وقت تتعاظم فيه مشكلات أفريقيا ورؤية "الغرب" الهامشية لتاريخها وثقافتها واستحقاقاتها، لتؤكد أن ابن إثيوبيا الضال، الذي غادر بلاده غاضبًا وثائرًا على رتابة الأوضاع بها وضيق أفق المستقبل أمامه فيها، قد عاد، في نهاية الرحلة ربما، بإرث ثمين، وأنه طور في رحلته ما حمله في عقله وقلبه من ثقافة أمهرية وإثيوبية عتيقة في شكل سردية بصرية متقدمة، وذكية، ونافعة من وجهة نظره في رأب الصدع بين بني وطنه.