الجمعة 17 أبريل 2026
شهدت العقود الأخيرة صعودا لافتا للأدباء الأفارقة في المشهد الثقافي الغربي، حيث نجح العديد منهم في فرض وجودهم كأصوات أدبية متميزة تحظى بالتقدير والنقد العالمي، وهذا حصاد جهود تراكمية منذ عهد الرواد الأوائل، مثل: أتشيبي وسوينكا ووا ثيونغو وصالح ومحفوظ وبنجلون وقرنح وفارح، مرورا بالأصوات المعاصرة أديتشي وسيلاسي وأجباو وغيرهم، وقد ساعدت على بروزها عوامل عديدة منها ما هو متعلق بجودة الأعمال ومنها ما هو متعلق بالظروف.
ساهم نجاح هؤلاء في نمو الرغبة في بلوغ الكتّاب الشباب للعالمية، خاصة بعد ظهور الأنترنت وسهولة الوصول إلى دور النشر الغربية، كلما رأيت احتفاءً بكاتب منا استطاع الوصول إلى القارئ الغربي، ينتابني شعور غامض، يدفعني إلى السؤال: ما هي العالمية؟ ولماذا نحن مهوسون بها إلى هذه الدرجة؟ وماذا سنخسر إذا تفاقم هذا الهوس؟ ولما نعتبر الترجمة إلى لغات الغرب أو الكتابة بلغتهم والنشر في عواصمهم معيارا لجودة أعمالنا؟ وإذا صار العالم قرية واحدة كما تدَّعي العولمة، فلماذا لا يعرفوننا، ففي القرية الجميع يعرف الجميع، والجميع يتشارك كل شيء حتى الأسرار مع الجميع؟ ولماذا يظل الكاتب الإفريقي- أو المنتمي إلى ما يسمى بالعالم الثالث- مثل قارب على الشاطئ يحلم بالضفة الأخرى البعيدة، يتطلع للوصول إلى العالمية.
لقد تخلى الكثيرون في سبيل ذلك عن لغتهم الأصلية تماما ليكتبوا باللغة التي تقربهم من الحلم العظيم، فقد ذكر تقرير لليونسكو أن 2٪ فقط من الأدب الأفريقي يُترجم من اللغات الأصلية (السواحيلية والأمهرية...) بينما يُكْتب 98٪ منه باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وإن كانت هذه النسبة ليست مسلمة من البعض إلا أن إحصائيات أخرى تقترب من هذه النسبة، كما ذكرت مجلة Publishing Research Quarterly فإن 5٪ فقط من الكتب الأفريقية المترجمة إلى لغات أجنبية مكتوبة أصلا بلغات محلية.
حماسة القراء لترجمة كُتّاب بلدانهم مفهومة، ربما يريدون أن يعرف الآخرون كُتّابهم مثلما يعرفون هم كُتّابا من بلاد أخرى، ولكن ما هي دوافع الكاتب المنجذب للعالمية؟ هل البحث عن أرض أخرى تعيش فيها كائناته الورقية مثلما عبر أناس من لحم ودم البحرَ لإنقاذ أحلامهم في الضفة الأخرى بعدما يئسوا تماما من بلدانهم؟ أم أنهم يريدون إيصالَ صوت بلدانهم إلى العالم؟ وهل يريدون إيصال صوت بلدانهم للعالم أم الغرب بالتحديد؟ أم الأمر لا يتجاوز البحث عن مجد شخصي؟
ليس سيئا أن نكتب للآخر، ولكن ليس لدرجة تدفعنا إلى تجاهل مواطنينا تماما، وتجاهل أمم عريقة بأعداد كبيرة، وكأنهم لا يستحقون شرف الكتابة
ليس عيبا أن يبحث الكاتب عن مجده الشخصي إذا لم يقدم تنازلات فادحة في سبيل ذلك، ولكن للأمور تبعات، فإذا كان يكتب بدافع شخصي فستكون العالمية بالنسبة له سوقا لا أكثر، وإذا كان الأمر سوقا فإنه سيرتبط بقوانينه، وأهمها العرض والطلب وقاعدة "الزبون دائما على حق"، والزبون هنا قد يكون دار النشر ذات التوجهات المعينة.
في مقابلة له مع مجلة the Paris review يقول وول سوينكا: "الناشرون الأوروبيون يريدون منا أن نكتب عن أفريقيا البرية، لا أفريقيا الحقيقية"، وفي هذه الحالة سيفقد الكاتب أهم أدواته وهي الحرية، لن يكون حرا إذا كان متلهفاً لجمهوره الغربي الافتراضي، وسيكون كالتاجر يرى أن استمرار تجارته محكوم برضا العملاء. وقد حذر وول سوينكا أيضا في كتابه "الأسطورة والأدب والعالم الأفريقي" من تحويل الأدب الأفريقي إلى منتج للاستهلاك العالمي، مما يفقده خصوصيته الثقافية.
وقع في هذا الفخ عدد من الكتّاب بعضهم تبنى مواقف الغرب في قضايا ظالمة، وبعضهم كتب عن بلاده بالطريقة التي يحبذها المتطرفون الغربيون؛ أو صنعوا عوالم تجسد النقيض المتطرف للقيم النيولبرالية، وبعضهم كسبوا الجمهور الغربي بينما تلاحقهم لعنات شعوبهم أو على الأقل قُبلوا بنقد عنيف، مثل الروايات التي انتقدت لاستخدامها صورًا نمطية عن "المرأة الأفريقية المضطهدة" لجذب التعاطف الغربي المهتم بقضايا المرأة، أو الصور القاتمة لأفريقيا الحروب الأهلية والمجاعات أو أفريقيا التي لا تستطيع العيش دون تدخل غربي، أي باختصار ما تسميه الكاتبة النيجيرية AdaobiTricia Nwaubani - في مقالها المنشور بنيويورك تايمز – بالكتب الأفريقية من أجل عيون الغرب. تلك العيون التي من أجلها شوّه كتابٌ صورة بلادهم لتوافق الصورة المريضة التي رسمها لها العنصريون الذين لا يؤمنون بشيء سوى بتفوق الإنسان الغربي.
قد يضعف الهوس بالعالمية ارتباط الكاتب بأمته في سبيل سعيه إلى كسب جمهور افتراضي، ويضعف ارتباطه بالقارة في سبيل العالم الذي قد لا يأبه، فلماذا لا نسعى إلى القارية قبل العالمية؟
في دراسة نشرت عام 2018 بعنوان "كيف يشكل النشر الغربي أدب أفريقيا" للباحث Simon Gikandi وجد الباحث "أن 70٪ من الناشرين الأوروبيين يرفضون روايات أفريقية لا تتوافق مع الصورة النمطية عن التخلف والحروب الأهلية"، فالراضخون لهذه الضغوط قد يجدون من يدعمهم ويفسح لهم الطريق، ولن يجدوا صعوبة في المشي على السجادة الحمراء، ولكن في سبيل ذلك، سيخسرون شعبهم وفئة ليست بالقليلة من الغربيين الذين يحبون التعرف على الشعوب الأخرى - من خلال آدابها الأصيلة النابعة من خصوصيتها - ولا يخضعون بالكامل لدوائر صناعة الوعي وتوجيه الشعوب لغايات مؤسساتية منحازة للسرديات ذات البعد الواحد، وقد حذرت الكاتبة النيجيرية تشيماندا في حديث لها على منصة TED من "خطورة القصة الواحدة، فتعدد القصص ضروري لتشكيل الوعي العالمي".
إذا كان الكاتب ينظر إلى الكتابة كنافذة للتواصل مع الذات ومع الآخرين، فإنه سينظر إلى نفسه باعتباره ناطقا باسم أمته، فيعبر عن ثقافتها وأحلامها وهمومها وفلسفة إنسانها وقضاياه التي تجعله نموذجا إنسانيا عالميا، وقتها لن يكون الكاتب مهتما بمجده الشخصي بقدر ما هو مهتم بمجد أمته، ويظل في ظمأ إلى اليوم الذي نتشارك فيه معرفتنا وآدابنا وما نؤمن به مع الآخرين، مثلما نتشارك الوجود على هذا الكوكب، وسيناضل من أجل أن يدوِّي صوتُنا في الآفاق البعيدة، وسيرفض بعزة أن تكون علاقتنا بالآخر كعلاقة الجبل بالسفح عند هطول المطر، هذا الاتجاه الواحد لسريان المنتجات الثقافية ليس مبررا في عصر العولمة، فنحن نعرف عن الآخرين آدابهم وميثولوجياهم وتاريخهم وزعماءهم وسياساتهم ومشاهيرهم وكل شيء تقريبا، كذلك نريد أن نحظى نحن ببعض الاهتمام، إذا كان علينا أن نعيش سويا، فعلينا أن نعرف بعضنا، ويجب ألا يخضع هذا التعارف لأي أحكام مسبقة أو نزعة هيمنة أو الإحساس بالدونية أو التفوق أو الوهم الاستعماري القديم، يجب أن ننظر إليه كتواصل إنساني وحسب، أو ضريبة للبقاء متسامحين على هذا الكوكب، الذي أثقلته الحروب والصراعات وظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وما لم نعرف بعضنا بعضا بصدق؛ لن ننعم بالتسامح ولن نتعايش أبدا.
كتب كثيرون عن تأثير العولمة على الأدب الأفريقي، منهم سيمون جيكاندي في دراسته Globalization and African Literature: The Question of Cultural Imperialism" التي ناقش فيها كيف أن النشر العالمي قد يفرض معايير غربية على الأدب الأفريقي، فالعولمة قد زادت من فرص إمكانية الوصول للعالمية، وقد زاد هذا من الهوس بالعالمية، والذي قد يدفعنا لتجاهل الذات والآخرين وتكريس التفوق الغربي، فالعالمية لم تعد تعني المشترك الإنساني، بل تعني التغريب إن أردنا الدقة، فالغرب هو الذي يفرض علينا معاييره ونظرته وتفضيلاته وأحكامه وافتراضاته، وتكلفة ذلك هو الكثير من التنازل ومحو صورة الذات الحقيقية واضطراب حاد في ترتيب الأولويات.
من الخطورة أن تؤدي قلة الكتابة باللغة الأم إلى زهد القراء أيضا عن القراءة بلغتهم، وكأنها لغة من الدرجة الثانية، ففي نيجيريا وهي أكبر البلاد سكانًا في أفريقيا، وحسب تقرير ACALAN تُكتب 1٪ فقط من الروايات بلغة اليوروبا أو الإغبو رغم أن 80٪ من السكان يتحدث هاتين اللغتين، ومما يؤكد زهد القراء في ما يُكتب بلغتهم أن دار النشر "بريتيش بابليشينغ" في نيجيريا ترفض نشر أي رواية غير مكتوبة بالإنجليزية بحجة "عدم وجود جمهور".
هذا ما دفع وا ثينغو نغوغي لهجر الكتابة بالإنجليزية والاتجاه للكتابة بلغته الأم، فما يهم هو شعبك في المقام الأول، أما الآخر فإذا رأى أن ما تكتبه مهم فعليه أن يسعى لترجمته
قد يضعف الهوس بالعالمية ارتباط الكاتب بأمته في سبيل سعيه إلى كسب جمهور افتراضي، ويضعف ارتباطه بالقارة في سبيل العالم الذي قد لا يأبه، فلماذا لا نسعى إلى القارية قبل العالمية؟ إننا كشعوب أفريقية لسنا على معرفة جيدة ببعضنا، ورغم القرب الجغرافي والثقافي إلا أننا نعيش في جزر معزولة، كم عدد الذين يهتمون بآداب البلاد التي تجاورهم؟، ولماذا يطمح البعض لترجمة أعمالهم للإنجليزية أو الفرنسية ولا يهمهم أن يقرئهم الناس بالسواحيلية أو العربية أو الولوف أو الهوسا أو الزولو؟ لماذا لا يحلم الكاتب الأفريقي بأن يكون كاتبا قارياً، أي يكون مقروءا في القارة كلها شرقها وغربها وشمالها وجنوبها ووسطها؟ بل إن البعض يحلم بالعالمية قبل أن تنتشر أعماله في بلده بمعدلات قراءة مرضية. إن ما تحققه القارية أكثر نفعا لشعوبنا مما تحققه العالمية التي نسعى إليها بقوة، متجاهلين فرصا عظيمة من ناحية الإحساس المشترك بقضايا بعضنا والتعاون المثمر وتبادل المنافع.
من أكثر فخاخ العالمية خطورة هو تهميش العالم ما سوى الغرب، كأن الغرب هو العالم، وقد يشعر البعض بالوصول للعالمية لمجرد أن روايته نشرت في لندن أو نيويورك أو باريس، لا يهم إن تُرجم إلى الصينية أو الروسية أو الفارسية أو البنغالية، كأن الدنيا كلها هامش للمركزية الغربية، وكأننا نكتب فقط ليقرأنا الغرب، ولعل هذا ما دفع وا ثينغو نغوغي لهجر الكتابة بالإنجليزية والاتجاه للكتابة بلغته الأم، فما يهم هو شعبك في المقام الأول، أما الآخر فإذا رأى أن ما تكتبه مهم فعليه أن يسعى لترجمته.
إن العالمية تبدأ من الذات فشكسبير عندما كتب أعماله الخالدة لم يفكر في غير جمهوره البريطاني، لكنه وصل إلى كل بلاد في الدنيا، وقد تخلى الكثير من كتابنا عن أصالتهم فقط ليكونوا نماذج غربية نبتت في غير أرضها. ليس سيئا أن نكتب للآخر، ولكن ليس لدرجة تدفعنا إلى تجاهل مواطنينا تماما، وتجاهل أمم عريقة بأعداد كبيرة، وكأنهم لا يستحقون شرف الكتابة.
قبل أن نتساءل عن وصول أدبنا للآخرين، علينا أن نسأل: كيف نجعله مقروءا في بلادنا؟ بعد ذلك علينا أن نتحمل نحن عبء إيصاله للآخرين، فحين نأتي للحديث عن وصول آدابنا للآخرين فإننا غالبا من نتحدث من موقع الضحية، نرى الغرب متدثرا بتعاليه الثقافي الذي يُشعره بأنه ليس في حاجة إلى معرفة آداب الآخرين، خاصة دول العالم الثالث، ولكن هل نحن عرفنا بعضنا أولاً؟ إذا كان القارئ السوداني لا يبحث عن أدب جارته إثيوبيا، وإذا كان الإثيوبي لا يهمه ما يُكتب في الصومال، وإذا كان الصومالي لا يهمه ما يُكتب في المغرب، فلماذا يهتم بنا القارئ الأوروبي؟
كل ما يفعله الغرب خلفه مؤسسات تفعله بمنهجية وبخطة، وكل مجهوداتنا الثقافية فردية، هل نحن لدينا استراتيجيات للترويج لمنتجاتنا الثقافية بحيث تخترق الفضاء العالمي؟ ماذا عن معارض الكتاب الأفريقي؟ ماذا عن البرامج الثقافية في الفضائيات؟ ماذا عن صحافتنا الثقافية؟ لقد صار العالم مفتوحاً وليس من الصعب الترويج للمنتجات أو الأفكار، ورغم السهولة النظرية للوصول للعالمية في زمن العولمة، وانتشار وسائل التواصل والنشر إلا أنها عملية شاقة إذا لم تتبناها مؤسسات حكومية أو خاصة تنظر للعالم كله بعيون مفتوحة لا تعرف الاختزال.
إن الدعم مهم كما ذكرت Adaobi Tricia Nwaubani في مقالها "حتى يتمكن الكتاب الأفارقة من رواية لأنفسهم أولًا، وليس لإرضاء الغرب"، أما الكاتب بمفرده فقد يقع في فخاخ الاستغلال أو اليأس، وقد يحالفه الحظ فينجح نشره الذاتي، وقد يعثر على كتابته شخص ويتحمس لها ويسلط الضوء عليها، ولكن خلق قاعدة جماهيرية عريضة من جمهور غربي يظل صعب المنال، فما زالت النظرة التي تغذيها وسائل الإعلام تسيطر على الكثيرين، فالقارئ تقوده توقعاته، ولن يتوقع الكثير من كاتب يظن أنه يسعى بجد لتقليد كتابه المفضلين، ومن خلفية اجتماعية ما زالت في عهدها البدائي رغم جهود العم سام الذي جعل من مهامه المقدسة: إيصال الآخرين إلى الحضارة، ولذلك من الأفضل أن نفكر في بقية العالم أيضا.