الاثنين 9 مارس 2026
نيتونون نويل نجيكيري (Nétonon Noël N’Djékéry)، صوتٌ فرانكفوني مميز؛ خرج من حنجرة تشاد؛ ليُسمع في سويسرا والعالم. وُلد في 25 ديسمبر/كانون الأول 1956 في مدينة موندو بتشاد، ونظراً لكون والده جندياً في الجيش الفرنسي، فقد نشأ في ثكنة عسكرية؛ ما أتاح له في وقت مبكر جداً فرصة الانفتاح على الثقافتين الأفريقية والغربية في آن واحد، تخصص في المعلوماتية، وعمل بعد ذلك خبيرا معلوماتيا في عدة شركات سويسرية.
مطلع أبريل/نيسان 2021 اختار التقاعد المبكر ليتفرغ أخيراً وبشكل كامل للكتابة، يمتاز أسلوبه بالجمع بين الكتابة الحديثة وأساليب الحكَّائين الأفارقة، الذين يطلق عليهم اسم غوستار "gosstars" في جنوب تشاد، والذين سحروه بعوالم رواياتهم الشفهية الموروثة عن الأجداد، وفي الوقت ذاته، اكتشف مع معلميه في المدرسة الغربية عالم الكتب الذي أقبل عليه بشغف كبير، الأمر الذي جعل منه صوتا فريدا.
حقق نجاحا أدبيا عظيما في سويسرا، وحازت روايته "لا قوس قزح في الجنة" على عدد من الجوائز، منها الجائزة الكبرى لأدب أفريقيا جنوب الصحراء عام 2022، وترجمها حديثا إلى العربية الروائي والمترجم السوداني عاطف الحاج سعيد، وصدرت عن دار الريس للنشر في أواخر العام الماضي، التقينا نيتونون بهذه المناسبة، وكان هذا الحوار:
نيتونون: الكتابة، بالنسبة لي، هي انغلاق على الذات بُغية الانفتاح الأوسع على العالم، أي على الآخرين، وهي تفترض بالضرورة أن يكون الكاتب قد جمع المادة التي سيخطّها على الورق أو على الشاشة قبل أن ينزوي في خلوته. هذه المادة يستقيها كل كاتب من ذلك المنبع الواحد والمتعدد الأبعاد في آن، الذي ندعوه «الشرط الإنساني»؛ وهو شرط مُحَاك من كل ما عاشه الكاتب بنفسه، أو عاشها الآخرون نيابة عنه، أو استقاها من مخيلته الخاصة، ومن هذه الزاوية، أوافق أوكتافيو باث تمامًا، واستئناسا بمقولته، أود صياغتها قائلا: "إن كل كتابة هي تجسيد لتجربة معيشة أو متخيلة".
لقد ترسخت لديّ هذه الحقيقة منذ زمن، وأشعر بها مع انطلاق كل مشروع أدبي جديد. قبل الكتابة، أُكثِر من البحث والتوثيق حول الموضوع المستهدف، وأستدعي في الوقت نفسه كل ما في تجربتي الشخصية مما يتقاطع معه، ومن وجهة نظري، يكمن القلب النابض للفن في اختيار الكلمات القادرة على نقل هذه التجربة إلى الآخرين، كلمات تكون في متناول أكبر عدد ممكن من القرّاء.
نيتونون: يبدو لي القارئ الأفريقي مشتتًا ومجزأً تبعًا للجغرافيا الاستعمارية. فبحسب تبعيته لهذه القوة الاستعمارية السابقة أو تلك، تتحدد إمكانية وصوله إلى أدب مكتوب بإحدى لغاته الأصلية. ولتوضيح ذلك، سأقتصر على أكبر قوتين أوروبيتين أخضعتا قارتنا، فالبريطانيون، من خلال نظامهم في "الحكم غير المباشر"، كانوا يُعلّمون رعاياهم المستعمَرين القراءة والكتابة أولًا بلغاتهم الأم، قبل إدخال اللغة الإنجليزية، وقد ألزمهم هذا التوجه بتطوير شكل مكتوب لتلك اللغات. أما الفرنسيون، فالأمر كان مختلفًا تمامًا. فباسم سياستهم "المقدسة" في الاستيعاب، فرضوا لغة موليير منذ البداية على جميع الأراضي التي استولوا عليها، بل إن اللغات المحلية كانت ممنوعة حتى في ساحات المدارس، وحُكم عليها عمليًا بالاندثار، ولم تصمد إلا بفضل الكنائس البروتستانتية التي منحتها قبلة الحياة، حين استخدمتها لأغراض التبشير ونقل النصوص الإنجيلية، مما أتاح لها حق أن تُكتب، وللأسف، لم تتخلَّ الدول ما بعد الاستعمار عن السياسات اللغوية التي ورثتها من الحقبة الاستعمارية. وكانت النتيجة واضحة: ففي البلدان الأفريقية الناطقة بالإنجليزية، تزدهر الآداب المكتوبة باللغات المحلية، بينما لا يكاد يكون لذلك وجود في نظيراتها الفرنكوفونية، ومنها تشاد.
نيتونون: ينبغي على الاتحاد الأفريقي أن يضع مسألة اللغات في صميم أولوياته؛ إذ من دون أدوات تواصل نابعة من الداخل، سيظل الاندماج الثقافي والسياسي والاقتصادي لقارتنا مجرد "ترقيع" بمفاهيم ومصطلحات أجنبية، قد تكون غريبة عن واقعنا أو مناقضة له. وأنا، بطبيعة الحال، أتمنى أن تُترجم أعمالي إلى أكبر عدد ممكن من اللغات المتداولة في أفريقيا، فرغم أنني اليوم أكثر قراءة في العالم الغربي، فإن القارئ الذي تستهدفه كتبي في المقام الأول يظل قارئًا أفريقيًا.
نيتونون: إن نغوغي وا ثيونغو يعبّر هنا عن حقيقة لا تقبل الجدل، وأنا معجب إلى حد بعيد بخياره الثوري في العودة إلى لغته الأم، ولا يَكُفُ مثاله عن إثارة تساؤلاتي، غير أنني، في كل مرة، أضطر إلى كبح طموحي في هذا الاتجاه، نظرًا إلى القيد اللغوي الذي خلّفته لي الحقبة الاستعمارية. لغتي الأم هي "نغامباي"، إحدى لهجات لغة السارا، ولم تُدرّس هذه اللغة قط في المدارس التشادية، ولا يكتبها ولا يقرأها إلا عدد ضئيل من المتحدثين الذين تلقوا تعليمهم في دروس التعليم الديني لدى الكنائس البروتستانتية، ولم أحظَ أنا بهذا الامتياز، ولذلك أعجز عن الكتابة بلغتي الأم.
من هنا ينبع المأزق الذي أعيشه: إما أن أكرّس ما تبقى من حياتي للكتابة بالفرنسية، أو أن أبدأ بتعلّم الكتابة بالنغامباي لأحاول الاقتداء بنغوغي وا ثيونغو، ولو افترضنا أنني اخترت هذا المسار الأخير، فسأصطدم بسؤال يشبه لغز "الدجاجة والبيضة": هل الأدب المكتوب بلغة ما هو الذي يخلق قرّاءه، أم أن وجود القرّاء هو الذي يخلق ذلك الأدب؟ وأمام هذا الشك، فضّلت دائمًا أن أراهن على المستقبل، وأن أواصل الكتابة بلغة شارل ديغول، على أمل أن تُترجم نصوصي يومًا ما إلى النغامباي أو إلى إحدى اللغات التشادية أو الأفريقية الأخرى، حين تتوافر الشروط لذلك.
نيتونون: إن التاريخ المصدري الأكاديمي- ذي الدعوى العلمية- كما يُدرَّس في المدارس والجامعات، غالبًا ما يكون سردًا مثقَلًا بالأرقام (تواريخ، إحصاءات، وما شابه)، ويهمل جفافه التفاصيل الإنسانية لصالح كتل بشرية غير مميزة و"شخصيات عظيمة" (من رؤساء دول وقادة حروب ورجال دين، وغيرهم)، دون أن يُعنى فعلًا بمشاعرهم أو يتوقف طويلًا عندها. لكن التاريخ يكتسب لحمًا ودمًا، ويُشحَن بالعاطفة، ويصبح أكثر قدرة على تحريك الوجدان وترك أثر دائم في المتلقي، حين يُجسَّد في مصائر فردية عبر الفن، ولا سيما في الرواية أو التشكيل أو السينما.
أستحضر هنا، على سبيل المثال، لوحة "غيرنيكا" لبيكاسو، التي خلفت في نفسي أثرا أعظم بكثير من كل ما قرأته عن الحرب الأهلية الإسبانية، وهذا يعني أن التاريخ، حين يغذي الفنون والآداب، يشع بالعاطفة، ويسمو بها في الوقت نفسه، فيتغلغل في الذاكرة الجمعية عبر جرعة من الذاتية المعلَنة، ومن خلال شخصيات يستطيع كل فرد أن يرى نفسه فيها أو يتماهى معها.
في زمن المواطنة العالمية، يصبح من الضروري التذكير، فنيًا وأدبيًا، بأن العبودية واحدة من أكثر "القيم المضادة" انتشارًا وممارسة في العالم، وأن العبد كان أول "سلعة" عُولِمت في التاريخ، فخريطة الاتجار بالبشر، سواء عبر الأطلسي أو الصحراء، تُظهر بوضوح كيف كان الشخص المستعبد من عمق أفريقيا يمكن أن يجد نفسه، عبر سلسلة من عمليات البيع، في أقاصي أوروبا أو آسيا أو الأميركيتين، فعلى سبيل المثال، سجّلت بلاطات الصين الإمبراطورية منذ القرن الثامن في أرشيفها وجود عبيد سود وصلوا إليها عبر القوافل. أما الجدّ الأكبر للشاعر الروسي الشهير ألكسندر بوشكين، فقد اختُطف من محيط لوغون بيرني في حوض تشاد، ثم نُقل إلى القسطنطينية، عاصمة الدولة العثمانية، حيث اشتُري سرًا لحساب القيصر بطرس الأكبر.
نيتونون: هذا صحيح، فعدد من الروايات التشادية الصادرة حديثًا يعيد مساءلة التاريخ المضطرب لبلدنا، وتشاد فسيفساء من الشعوب والديانات والمناخات والأقاليم، وهي، بوصفها كيانًا جغرافيًا وسياسيًا موحدًا، لا يتجاوز عمرها قرنًا واحدًا تقريبًا، إنها، إذن، أمة في طور التشكل، تبحث عن ذاتها، وللأسف غالبًا ما تفعل ذلك عبر الألم، ومن هنا تنبع هذه الرغبة الشائعة لدى التشاديين عمومًا، ولدى الكتّاب خصوصًا، في استدعاء الماضي لفهم الحاضر ومحاولة تطهيره من أشباحه. ولا شك أن هذا الانشغال يسهم أيضًا في بلورة هوية وطنية - أو ما يشبهها - انطلاقًا من ذاكرة جماعية متشظية.
نيتونون: حتى اليوم، لم أتلقَّ أي عرض لتحويل "لا قوس قزح في الجنة" إلى عمل سينمائي، وعلى حد علمي، نادرًا ما تحظى الروايات المنشورة في سويسرا بشرف الاقتباس السينمائي، ومع ذلك، سأكون بالغ الامتنان والفخر لو أن هذا الامتياز توِّج به هذا العمل يومًا ما، ولا يزال الحلم مشروعًا، مدعومًا ببعض الإطراء الذي يصلني؛ إذ أخبرني أكثر من شخص أن أسلوبي شديد البصرية، وأن نصوصي قابلة لأن تحتضنها الشاشة الكبيرة، لعل صدور الرواية قريبًا باللغة الإنجليزية يلفت انتباه روح طيبة في نوليوود، أو بوليوود، أو - ولمَ لا - هوليوود… ومن جهة أخرى، فإن الحوار بين القلم والكاميرا يتيح للأدب والسينما أن يرتقيا معًا، وتجد الرواية، على وجه الخصوص، نفساً جديداً حين تظفر بجمهور آخر.
نيتونون: روايتي الجديدة "مصنع العجائب" صادرة عن منشورات Hélice Hélas، وهي رواية ذات طموح حلمي–فلسفي، وهي متاحة في المكتبات ابتداءً من النصف الثاني من شهر يناير/ كانون الثاني 2026، أما مشروعي اللاحق، فهو قيد الإنجاز بالفعل، ويتقدّم على نحو جيّد. غير أنني، بحكم ميلي إلى التشاؤم الخرافي، سأحدّثكم عنه بكل سرور في الوقت المناسب.