تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

حوار مع البروفيسور حمدي عبد الرحمن حسن : القوى الوسطى والمعركة من أجل إفريقيا

1 فبراير, 2025
الصورة
geeska cover
Share

تأتي إسهامات البروفيسور حمدي عبد الرحمن حسن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي القاهرة وزايد، في الشأن الأفريقي ذات أهمية خاصة؛ كونها امتدادًا حقيقيًا للإسهامات الرصينة التي تركها كبار علماء هذا الشأن، وأنها إضافة تراكمية في مشروعه نحو صورة أكثر اكتمالًا لمنجز علمي يمثل في مجمله -حتى الآن- مشروعًا واضحًا، يضاف -بحفاوة مستحقة- إلى إسهامات أساتذته من رواد المدرسة المصرية (والعربية) في الدراسات الأفريقية. 

صدر في مطلع عام 2025 كتابه المعنون "التكالب الجديد: القوى الوسطى والمعركة من أجل أفريقيا" ليتناول مسألة ملحة، ومن زاوية أفريقية، تتعلق بتكالب كل من إيران وتركيا وروسيا على القارة الأفريقية؛ الأمر الذي يفيد بشكل جذري في فهم ديناميات موقع أفريقيا في السياسة الدولية راهنًا، وفي المستقبل القريب.

جاء كتاب "التكالب الجديد"، الصادر عن دار المرايا للثقافة والفنون بالقاهرة، في ثلاثة أقسام تضم مجتمعة 16 فصلًا، إضافة إلى مقدمة وخاتمة مطولة نوعًا ما حول التكالب الثلاثي (الإيراني- التركي- الروسي) وتداعيات الحرب الأوكرانية. 

ينطلق الكتاب من كلمته الأولى من اشتباك فكري مع عمل والتر رودني الرائد "كيف أسهمت أوروبا في تخلف أفريقيا" (لندن 1972) الذي قدم تحليلًا نقديًا للعمليات التاريخية التي أعاقت التنمية في أفريقيا، ويبدي حسن إعجابًا بتحدي رودني للروايات السائدة (في زمنه وحتى اللحظة الراهنة بشكل أو بآخر) التي روجت لها اقترابات المركزية الأوروبية؛ لتتبين لنا فلسفة العمل الحالي القائمة على تبني اقتراب أفريقي حتى النخاع لتفسير عمليات التكالب المستمرة على القارة الأفريقية، ومنها ما يدرسه هنا بخصوص الدول المتوسطة التي تروج لسياساتها في القارة بشعارات أيديولوجية وتعاون وشراكة، فيما تتضمن في جوهرها نفس آليات التكالب الاستعماري الذي عانت منه القارة منذ قرون. 

يكشف مدخل العمل، وما أشار له حسن من رؤية المفكر المصري جمال حمدان للقارة، بأنها "الجائزة الكبرى بالنسبة للقوى الدولية التي تسعى إلى النهوض والمكانة في النظام الدولي"، عن تبني البروفيسور حمدي عبد الرحمن تأصيلًا فكريًا أفريقيًا لرؤية التكالب وتداعياته، وإن تجاوزه إلى رؤية واقعية، وأكثر راهنية -وربما أكثر أصالة تاريخيًا- للنظر في تكالب القوى المتوسطة على القارة على أنه ضمن سيرورة تاريخية تربط هذه الدول (لاسيما إيران وتركيا) بالقارة الأفريقية قبل قرون ممتدة بالفعل، كما أنه عمد إلى عدم إغفال الاستجابات الأفريقية كطرف أصيل في هذا "التكالب". 

يتناول القسم الأول من الكتاب، الذي يأتي في ستة فصول كاملة، مسألة إيران وأفريقيا من زاوية "صراع الأيديولوجيا والمصالح"؛ قدم الفصلان الأول والثاني مسحًا تاريخيًا لجذور العلاقات الإيرانية الأفريقية ما قبل الثورة الإسلامية، ثم مراحل تطور سياسات إيران الأفريقية "بعد إعلان الجمهورية". ثم تناولت الفصول الثالث والرابع والخامس معًا محددات هذه السياسة، ووسائلها وأدواتها، ثم توظيف "القوة الناعمة". ويختتم القسم بمسألة "التشيع وحرب السرديات الكبرى" (وقد علق البروفيسور حمدي عبد الرحمن في حوارنا معه على تطورات هذه المسألة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة 19 يناير/ كانون الثاني الجاري)، ويختبر الفصل سؤالًا هامًا عنوانه "هل التشيع طابور خامس؟" ضاربًا مثالًا بحالة المغرب وما وصفه "بحرب الروايات والادعاء أن جوهر الإسلام هو شيعي بغض النظر عن الشكلانية السنية"، وبروز ما عرف "تيار الخط الرسالي" في المغرب بعد تعديلات دستورية شهدها الأخير في عام 2011 أتاحت بمزيد من مظاهر التنوع الديني- المذهبي في البلاد. دون أن تفوت ملاحظة وجود اتهامات مغربية رسمية لإيران بدعم جبهة البوليساريو عبر سفارتها في الجزائر منذ مارس/ آذار 2017. ومن المغرب إلى السنغال يتتبع الفصل التمدد الشيعي من منطلق مساعي إيران الاستفادة من مكانة داكار في الدوائر الفرنكفونية والأفريقية بشكل عام، وكون السنغال الجائزة الكبرى لطهران في غرب أفريقيا في عهد الرئيس الإيران الأسبق أحمدي نجاد. 

أما القسم الثاني من الكتاب فقد جاء تحت عنوان "تركيا وأفريقيا: أحلام العثمانية الجديدة"؛ وربما يختزل العنوان رؤية بروفيسور حمدي عبد الرحمن للتكالب التركي على أفريقيا بأنه مسع جاد لاستعادة الإمبراطورية العثمانية نفوذها في أفريقيا، بأدوات جديدة نوعًا ما. وقد جاء هذا القسم في خمسة فصول اُستهلت بفصل عن المنهج، ثم مراحل تطور العلاقات التركية أفريقية. وجاء الفصل التاسع بعنوان دال للغاية عن "تركيا بين العثمانية الجديدة والأفرو-أورو آسيوية"، ليضع وصف العثمانية الجديدة في أفريقيا ضمن مجمل هموم سياسات أنقرة الخارجية، وإشكالات توجهاتها الخارجية بين آسيا وأوروبا. 

وقد استهل حسن الفصل بالعودة إلى استقراء كتاب ميشيل برونو Michel Bruneau عن "أوراسيا: قارة، إمبراطورية، أيديولوجيا، أو مشروع"، كمدخل لفهم المشاريع الاقتصادية والسياسية الطموحة لكل من روسيا وتركيا، وسعي الأخيرة لربط أفريقيا بمجمل تصوراتها عن "الرابطة الأفرو- أورو آسيوية" بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. بعد تتبع للعلاقات الاقتصادية والتنموية لتركيا في أفريقيا، يجنح الفصل إلى تناول العلاقات الثقافية والدينية كمسألة كاشفة لفهم "التغلغل التركي في أفريقيا" على نحو أفضل، وهو جانب تتفوق فيه تركيا مقارنة بدول أخرى، مثل: الهند والصين، ويتناول بنوع من التفصيل "مؤسسة المعارف التركية" ودورها في أفريقيا، باعتبارها ذراع أردوغان الناعمة. 

يختتم القسم بالفصل الحادي عشر عن دراسة حالة العلاقات التركية الصومالية، في ضوء أهمية هذه الحالة في فهم أدق لسياقات التغلغل التركي في أفريقيا، كما أنها حالة كاشفة لحقيقة ودوافع العثمانية الجديدة في أفريقيا، من جهة إبراز أهمية الحضور في بلد غير مستقر، يعاني من مشكلات كثيرة؛ وطرح حسن تصورًا بأن تركيا تفادت -على سبيل المثال- توسيع وجودها ونفوذها "في صوماليلاند، وهي منطقة مستقرة بحكم الأمر الواقع ومعلن عنها ذاتيًا في الصومال والتي شهدت استقرارًا داخليًا معظم العقدين الماضيين".

 يطرح رؤية مجادلة بعض الكتاب بأن "هذا النوع من الاستقرار السياسي والاقتصادي بالتحديد هو الذي دفع تركيا إلى تجنب التعامل مع بلد مثل صوماليلاند" لصالح تصور أن "جاذبية القوة الناعمة لتركيا وقدرتها على البدء من الصفر أسهل في مكان مثل الصومال، على وجه التحديد، بسبب عدم الاستقرار والعنف، وتاريخ الارتباطات المحبطة من قبل الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية"؛ الأمر الذي يمكن في ضوئه -حسب تحليل بروفيسور حمدي عبد الرحمن هنا- فهم دوافع تحركات العثمانية الجديدة في الصومال. ويمضي الفصل في مناقشة جوانب بالغة الحساسية في موقف دول الخليج العربي ومصر من التمدد التركي في الصومال، وما يرتبط به من تداعيات في مجمل منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ويأتي القسم الثالث في عنوان حاسم تمامًا: "عودة روسيا إلى أفريقيا"، ويمكن إيجاز رؤية عملية التكالب الروسي على أفريقيا بأنها محكومة بالسياسة الخارجية لروسيا تجاه إفريقيا، المدفوعة في المقام الأول بالمصالح الاستراتيجية للموارد الطبيعية (النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم، من بين أمور أخرى) التي تمتلكها الدول الأفريقية، وتنفيذ موسكو أطماعها عبر استراتيجية أوسع لاستخدام نفوذها وعلاقاتها التاريخية مع الدول الأفريقية كوسيلة لإعادة تأكيد وضعها على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وأجاب القسم عن عدد من التساؤلات الهامة من بينها ما الذي يريده الأفارقة من روسيا؟ وما هي أبرز قضايا العلاقات الروسية الأفريقية، ولاسيما في فترة ما بعد الحرب الباردة؟ ثم ماهي قيود السياسة الروسية في أفريقيا وأبرز الدروس المستفادة؟

يختتم القسم بالفصل السادس عشر الذي يتناول تداعيات الحرب الأوكرانية على العلاقات الروسية الإفريقية، اختتمه بخلاصة هامة وهي أنه: من المرجح أن تستمر العقوبات الشاملة المفروضة على روسيا إلى ما بعد الصراع في أوكرانيا؛ وهذا يعني أن ما يمكن اعتباره "تدابير مؤقتة" لملء الفراغ المؤقت قد ينتهي به الأمر إلى أن يكون حلاً طويل الأمد لرغبة إفريقيا في إنتاج معداتها العسكرية لاستخدامها الخاص، وكذلك لتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.

ولمزيد من الاستفسار حول مضمون الكتاب وربطه بالتطورات الأخيرة التي شهدتها أدوار قوى التكالب الجديد، منذ نهاية العام الفائت 2024، كان لنا هذا الحوار مع البروفيسور حمدي عبد الرحمن حسن أوضح فيه جوانبًا جديدة من كتابه:    

محمد عبد الكريم أحمد: قمت بإهداء الكتاب للراحل حلمي شعراوي بوصفه أبرز رواد الدراسات الأفريقية، ما هو تقييمكم لحالة هذه الدراسات الراهنة وسبل تجديدها؟ وهل هناك حاجة لإعادة إنتاج معرفة أفريقية مستدامة؟

حمدي عبد الرحمن حسن: بداية أعلن اعتزازي بانتمائي للمدرسة المصرية في الدراسات الأفريقية، والتي كان من أبرز أعمدتها جيل الشوامخ، مثل عبد الملك عوده وبطرس غالي وحلمي شعراوي. ورغم ذلك شهدت الدراسات الأفريقية حالة من الجمود في أعقاب غياب الدور المصري عن أفريقيا، بعد أن ولت قيادة السادات ومبارك وجهها صوب الغرب. ومع بروز إشكاليات وقضايا وجودية نابعة من جنوب الدولة المصرية ترتبط بنهر النيل، بدأت المعرفة بأفريقيا تعود لتحتل مكانتها الطبيعية، وهو ما تعكسه خبرة مراكز الدراسات والرأي داخل وخارج الجامعات المصرية.

ثمة حاجة للنهوض بالدراسات الأفريقية مرة أخرى، من خلال الدراسة المقارنة بين الدول الأفريقية ضمن دراسات المناطق، وتوسيع نطاق البحث ليشمل قضايا معاصرة، مثل التفاعل مع الأحداث العالمية والإقليمية. ولتحسين تقاليد الدراسات الأفريقية في مصر، يمكن اتخاذ عدة خطوات رئيسية. أولاً، من شأن زيادة التمويل والدعم لمراكز الأبحاث والبرامج الأكاديمية التي تركز على الدراسات الأفريقية، أن يساعد في ترسيخ تقاليد دراسية وبحثية معمقة. ثانيًا، من شأن تعزيز التعاون بين الجامعات المصرية ونظيراتها الأفريقية أن يساعد على تبادل المعرفة وفرص البحث. ثالثًا، من شأن دمج الدراسات الأفريقية بشكل أكثر شمولاً في المناهج الدراسية الحالية عبر مختلف التخصصات أن يوسع فهم الطلاب لتاريخ القارة وسياساتها وثقافاتها. أخيرًا، من شأن تشجيع المزيد من العلماء والكتاب المصريين على المشاركة في الشبكات والمؤتمرات الأكاديمية الأفريقية، أن يساعد في تعزيز دور مصر في تشكيل خطاب الدراسات الأفريقية في جميع أنحاء القارة.

محمد عبد الكريم أحمد: تناول الكتاب مسألة دور إيران واختتمه بالتماس مع "حرب السرديات الكبرى"؛ ما هو مستقبل هذه السرديات بعد التحولات الأخيرة في الشرق الأوسط، وانتهاء الحرب في غزة منتصف يناير/كانون الثاني بنتائج تقلص النفوذ الإيراني بشكل عام؟

حمدي عبد الرحمن حسن: لقد أثرت التحولات الأخيرة في الشرق الأوسط والتوقيع على هدنة وقف إطلاق النار في غزة في 19 يناير/كانون الثاني 2025، بشكل كبير على نفوذ إيران في أفريقيا، مما أدى إلى تحول في "حرب السرديات الكبرى". وعلى سبيل المثال واجهت استراتيجية إيران في أفريقيا العديد من التحديات والنكسات.

لعل التراجع العام في النفوذ الإيراني في أفريقيا واضح في أعقاب الأحداث الأخيرة. لقد أدى الدور المزدوج لإيران كشريك إقليمي طموح باعتبارها قوة وسطى تحظى بعضوية مجموعة البريكس من جهة، واعتبارها قوة لنشر الفوضى من جهة أخرى إلى تقييد عمق شراكاتها في أفريقيا. 

على الرغم من جهود إيران لزيادة التجارة مع الدول الأفريقية، لتصل إلى 12 مليار دولار، إلا أن التطورات الأخيرة من المرجح أن تعيق هذه الطموحات. إن نهاية حرب غزة والتحولات الإقليمية قد قللت من نفوذ إيران في تأجيج المشاعر المعادية للغرب، والتي شكلت ركنا ركينا في استراتيجية قوتها الناعمة في أفريقيا. ومن المعروف أن دعم إيران لأذرعها من الجماعات الشيعية المتطرفة في جميع أنحاء القارة، أدى إلى تقويض طموحاتها، كما حدث في حالات، مثل: المغرب والسنغال ونيجيريا. 

إن المشهد الجيوسياسي المتغير قد يزيد من تعقيد قدرة إيران على الحفاظ على شبكات وكلائها في أفريقيا وتوسيعها. ومن المرجح أن تتطور "حرب الروايات الكبرى" مع احتمال اكتساب قوى إقليمية أخرى، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا المزيد من النفوذ في أفريقيا على حساب إيران. وقد يؤدي هذا التحول إلى إعادة معايرة تحالفات وشراكات الدول الأفريقية.

وأخيرا، مع احتمال زيادة الضغوط والعقوبات الغربية في أعقاب حرب غزة، قد تواجه إيران صعوبات أكبر في استخدام أفريقيا كوسيلة لتجاوز العقوبات الدولية.

محمد عبد الكريم أحمد: هل يمكن وصف تصاعد الدور التركي في أفريقيا، وخاصة في القرن الأفريقي واحتواء الأزمة الإثيوبية- الصومالية مثالًا باللحظة التاريخية التركية في القارة؟

حمدي عبد الرحمن حسن: نعم إن صعود دور تركيا في أفريقيا، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي، يمكن وصفه بالفعل بأنه لحظة تركية مهمة في القارة، وإن كان من السابق لأوانه أن نطلق عليه "لحظة تاريخية" حاسمة. لقد عملت تركيا على توسيع نفوذها استراتيجيًا في جميع أنحاء أفريقيا، مع تحقيق نجاح ملحوظ في السنوات الأخيرة:

 وعلى سبيل المثال زادت تركيا من حضورها الدبلوماسي من 12 سفارة في أفريقيا في عام 2002 إلى 44 في عام 2022، مما يدل على التزامها بالشراكة الاستراتيجية مع الدول الأفريقية. كما وقعت تركيا اتفاقيات عسكرية مع العديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك نيجيريا ورواندا وإثيوبيا والصومال، مما وضعها كلاعب أمني رئيسي. تستخدم تركيا بصمتها الخاصة في القوة الناعمة، بما في ذلك البرامج الثقافية ومجالس الأعمال وشبكة رحلات جوية واسعة النطاق، حيث تخدم الخطوط الجوية التركية الآن أكثر من 60 وجهة أفريقية.

محمد عبد الكريم أحمد: ما تقييمكم لآفاق التكالب الروسي في أفريقيا بعد سقوط نظام بشار الأسد؟ وهل نتوقع انكماشًا روسيًا في القارة بعد بدء ترامب ولايته الثانية؟

حمدي عبد الرحمن حسن: لا أعتقد أن يؤثر سقوط نظام بشار الأسد في سوريا على التوسع الروسي المتسارع في أفريقيا، بل على العكس من ذلك، يبدو أن موسكو تكثف جهودها لتأسيس نفوذ في القارة، وخاصة في الدول الهشة والمستعمرات الفرنسية السابقة. وتستغل روسيا الدعم العسكري والدعاية والشراكات الاقتصادية لملء الفراغ الذي خلفته القوات الغربية بعد رحيلها، مع التركيز بشكل ملحوظ على منطقة الساحل الغنية بالمعادن. وتواصل مجموعة فاغنر، التي أعيدت تسميتها الآن باسم فيلق أفريقيا، العمل في دول مثل جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تلعب دورًا حاسمًا في دعم حكومة الرئيس تواديرا. وعلى الرغم من عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لا توجد مؤشرات واضحة على انكماش روسي متوقع في أفريقيا. والواقع أن الأفروبوتينية تسعى لتقليل النفوذ الغربي في القارة، وهو ما يعني أن من المرجح أن تحافظ موسكو على وجودها في أفريقيا أو حتى توسعه، بغض النظر عمن يحكم في واشنطن.

محمد عبد الكريم أحمد: بعد مرور أكثر من ستين عامًا على "استقلال أفريقيا" وتحولاته؛ هل يمكن تلخيص أزمة القارة واستدامة كونها ساحة للصراعات الدولية المختلفة؟

حمدي عبد الرحمن حسن: بعد أكثر من ستين عامًا من الاستقلال، تظل أزمات أفريقيا معقدة ومتعددة الأوجه. إنها معضلة البدايات الخاطئة دوما، كما عبر عنها الاشتراكي الفرنسي رينيه ديمون عام 1962. لا تزال القارة تواجه تحديات أمنية مستمرة، وصراعات اقتصادية وتأثيرات تغير المناخ وقضايا الحوكمة. وتتفاقم هذه المشاكل بسبب المنافسة المستمرة بين القوى العالمية على النفوذ والموارد في أفريقيا. وتضمن الأهمية الاستراتيجية للقارة استمرار دورها كساحة للصراعات الدولية، حيث يتنافس العديد من الجهات الفاعلة على النفوذ الاقتصادي والسياسي. وعلى الرغم من المبادرات الرامية إلى التكامل الإقليمي والنمو الاقتصادي، لا تزال العديد من الدول الأفريقية تواجه عقبات كبيرة في تحقيق التنمية المستدامة والاستقرار. ويشير التفاعل بين التحديات الداخلية والتدخلات الخارجية إلى أن مسيرة أفريقيا نحو الاستقلال والازدهار الحقيقيين لا تزال مستمرة، حيث يتشابك مستقبل القارة بشكل كبير مع التحولات الجيوسياسية العالمية.