تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

حتى أنت يا روتو: تقاطع المصالح يؤلب كينيا على السودان

9 يونيو, 2025
الصورة
حتي أنت يا روتو: تقاطع المصالح يؤلب كينيا على السودان
Share

بلغ التوتر في العلاقات السودانية-الكينية مؤخراً مبلغاً، ينذر بدخول البلدين في جولة عدائية جديدة، غيرُ مرغوبٍ في مآلاتها المستقبلية، وبخاصة في ظل السياقات الداخلية والخارجية، التي يمر بها البلدان، فالحرب في السودان تكاد تأتي على ما تبقي من أركان الدولة، والأوضاع الاقتصادية المتردية في كينيا، والتفاعلات السياسية الحادة بين المعارضة والنظام، وعوامل أخرى، تكاد تعصف باستقرار  جبهتها الداخلية.

يُعزى توتر العلاقات حالياً إلى استضافة نيروبي، لاجتماعات مجموعات المعارضة السودانية، المتحالفة مع قوات الدعم السريع، لإعلان ما يسمى بـ "الحكومة الموازية"، وتوقيع ما سُمِّي بـ "ميثاق السودان التأسيسي"، ولهذا السبب اندلعت موجة حادة من الاتهامات المتبادلة بين خارجية البلدين.

تدعو هذه الحالة المتأزمة إلى وقفة تحليلية، لطبيعة علاقات البلدين في الماضي، ونظرة فاحصة للسياقات التي يمر بها البلدان في الوقت الراهن، من أجل استشراف مآلات هذه الأزمة مستقبلا.

كينيا والسودان . . عداءات متراكمة وعلاقات مضطربة

إرتبط البلدان بعلاقات طبيعية بعد استقلالهما بحكم الجوار، وأبدت كينيا تعاوناً وثيقاً مع الحكومة السودانية، وبخاصة في أوائل حكم جعفر النميري، لدرجة أن كينيا اعتقلت بعض ناشطي حركة أنانيا، الفارين إلى أراضيها وأعادتهم إلى السودان، ومهد ذلك التعاون ضمن عوامل أخرى، إلى توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي أنهت التمرد آنذاك في جنوب السودان.

في الثمانينيات نشبت أزمة سياسية، بين الحكومة السودانية والحكومة الكينية؛ حيث اتهمت الخرطوم نيروبي، بدعم الحركات الانفصالية في جنوب السودان، على خلفية دعم تلك الحركات لموقف كينيا، في نزاعها مع الحكومة السودانية حول مثلث إيلمي الغني بالمعادن، وزاد من حدة التوتر بين البلدين، نشر كينيا خريطة جديدة، تضم مثلث إيلمي إلى أراضيها، مع مضاعفة مساحته على حساب الأراضي السودانية.

في التسعينيات إبان حكم الرئيس الكيني دانيال أراب موي، تحسنت العلاقات السودانية-الكينية كثيراً، ودخل البلدان مرحلة تعاون واسعة النطاق، في كل المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، وكثيراً ما توسطت كينيا بين الحكومة السودانية، والحركة الشعبية لتحرير السودان المتمردة في الجنوب آنذاك.

ربطت عدة تقارير بين وصول روتو للسلطة في كينيا، وبين الدعم المالي الذي تلقاه من قائد مليشيا الدعم السريع، حيث موَّلَ حميدتي الحملة الانتخابية لروتو في أغسطس عام 2022، بمبالغ كبيرة وصلت إلى ملايين الدولارات، وينتظر حميدتي رد روتو لهذا الجميل

ومطلع الألفية الثالثة عادت العلاقات السودانية-الكينية، إلى التوتر مرة أخرى، على خلفية الموقف الكيني المتحيز، في مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية، والحركة الشعبية لتحرير السودان، التي رعتها واستضافتها كينيا في مدنها: مشاكوس وناكورو ونيفاشا، حيث بدا جلياً من مسار المفاوضات، انحياز كينيا إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، تَطلُعاً إلى تحقيق مصالح كثيرة محتملة لدى انفصال الجنوب، ووصول الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى سدة الحكم في الدولة الوليدة.

في إطار المصالح الاقتصادية الضخمة، المرجوة من انفصال جنوب السودان، ظلت كينيا تراود الرئيس الجنوب سوداني سلفا كير عن نِفْطَه، وقدمت له عدة طروحات تستهدف تحول جنوب السودان، إلى تصدير النفط عبر الموانئ الكينية عوضا عن الموانئ السودانية، ومن هذه الطروحات إنشاء خط سكة حديد، يربط جوبا العاصمة بميناء مومباسا الكيني، غير أن هذا الطرح لم يرى النور، لأسباب تتعلق بتكلفته المرتفعة. بعد ذلك، وعلى خلفية توتر العلاقات السودانية-الجنوب سودانية، بسبب خلافات مع حكومة الإنقاذ، حول تصدير النفط الجنوبي عبر الأراضي السودانية، أعادت كينيا طرح فكرة تحويل تصدير نفط جنوب السودان إليها، ضمن مشروع إقليمي أوسع سُمِّي بمشروع لابسيت، يربط جنوب السودان وإثيوبيا بميناء لامو الكيني، غير أن هذا المشروع لحق بسابقه لنفس الأسباب.

مصالح روتو السلطوية في وصول حميدتي للسلطة في السودان

بعد سقوط نظام الإنقاذ في السودان، واندلاع الحرب الأهلية بين الجيش السوداني، وميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيا، لم تتأثر كثيراً العلاقات السودانية-الكينية، في عهد الرئيس الكيني أوهورو كينياتا، غير أن وصول الرئيس وليم روتو إلى سدة الحكم في كينيا، غَيَّرَ كثيراً في مواقف كينيا من الحرب الأهلية السودانية، حيث بدا جلياً - على الرغم من النفي الكيني المتكرر - دعم الرئيس روتو، لقائد ميليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، وبخاصة بعد التسهيلات الدبلوماسية واللوجستية الكبيرة، التي قدمها روتو له ولمفاوضيه برعاية وتمويل إماراتِيَّيْن، وقد تحدثت تقارير عدة، عن هذا التحالف الإماراتي الكيني مع ميليشيا الدعم السريع، وأفاضت في بيان شبكة المصالح واسعة النطاق، التى نسجها هؤلاء الشركاء فيما بينهم.

ربطت عدة تقارير بين وصول روتو للسلطة في كينيا، وبين الدعم المالي الذي تلقاه من قائد مليشيا الدعم السريع، حيث موَّلَ حميدتي الحملة الانتخابية لروتو في أغسطس عام 2022، بمبالغ كبيرة وصلت إلى ملايين الدولارات، وينتظر حميدتي رد روتو لهذا الجميل، وهو ما يفسر الانحياز الكيني إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، على حساب العلاقات الرسمية الكينية-السودانية، ويفسر أيضاً إصرار روتو، على منح ميليشيا الدعم السريع الشرعيةً السياسيةً، عبر منح قائدها صفة الفاعل السياسي المعترف به، والمؤثر في المشهد السوداني، لدى تداول القضية السودانية في المحافل الدولية.

يتضح مدى تورطه في قضية الحرب الأهلية السودانية، لأسباب شخصية تخص الرئيس روتو، وأسباب سلطوية تتعلق ببقاء واستمرار الرئيس في الحكم، وهي أسباب يصعب - إن لم يستحيل - عليه الفكاك منها، وبخاصة في ظل الخطة الانتهازية الإماراتية المُحْكَمة

من جهة أخرى أشارت عدة تقارير، إلى أن روتو يتشارك مع حميدتي في تجارة الذهب غير المشروعة، والمستخرج من مناطق الصراع في السودان، وهو ما أكده ريغاتي غاتشاجوا، نائب الرئيس الكيني المعزول من منصبه، حيث صرح بأنه وأثناء تواجده في المنصب، رَفَضَ توجيه دعوة رسمية من جانبه لحميدتي لزيارة كينا، بعدما اكتشف أن حميدتي يستخدم كينيا، لغسل الذهب المهرب من مناطق النزاع في السودان، ويستخدم عائدات هذا الذهب، لتعزيز واستمرار الحرب في السودان، فيم تحدثت بعضُ هذه التقارير، عن أن روتو وبتسهيلات من حميدتي، يمتلك شركة لتعدين الذهب، تعمل بصفة غير مشروعة في بعض المناطق السودانية.

بات استمرار روتو في السلطة مهدداً، بعد أن شهدت عهدته الأولى تفاقم الأزمة الاقتصاد في كينيا، وبخاصة بعد أن بلغ الدين الخارجي حوالى 10,1 تريليون شلن كيني، بما قيمته حوالى 68 مليار دولار، وهو ما يعادل 67٪ من الناتج المحلي الإجمالي في كينيا، وما استتبعه ذلك من زيادة كُلفة خدمة الديون، وبخاصة للصين المقرض الرئيسي، وقد أدت تلك الديون إلى موجات متتالية من التضخم، وصلت معها قيمة العملة الكينية إلى أدنى مستوياتها، حيث بلغ الدولار نحو 158 شلن كيني في فبراير/شباط عام 2024، ومن أجل ذلك يبذل الرئيس روتو قصارى جهده، في سبيل وصول حميدتي للسلطة في السودان، متطلعا إلى ما يمكن أن يجنيه من وراء ذلك، من دعم كبير ومتنوع للاقتصاد الكيني، وهو ما بدأت بوادره في الظهور، حيث نقل آل دقلو جزءاً كبيراً من أموالهم الطائلة، المتراكمة في بنوك الإمارات، من تجارة الذهب غير المشروعة، إلى البنوك الكينية، وحولوا جانباً كبيراً من هذه الأموال إلى عقارات وشركات واستثمارات، في خطة موسعة منهم لإنعاش للاقتصاد الكيني.

اقتصاد روتو المنهار ينتعش في أبو ظبي  

تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية الحادة، سعى روتو نحو التقرب من الإمارات، عساها أن تمنح اقتصاده المتردي قبلة الحياه، وقد بدأ ذلك بزيادة التجارة البينية غير النفطية، حيث وصلت قيمتها إلى حوالى 3,1 مليار دولار، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، بزيادة قياسية بلغت 29,1٪، مقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2023، وقد حدا ذلك السخاء الإماراتي بروتو إلى طلب المزيد، فقام بزيارة أبو ظبي مطلع العام الحالي 2025، مقدما كل فروض الولاء والتبعية، فأغدق عليه حكامها عطاياهم، ووقعوا معه اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، تهدف إلى توطيد العلاقات الاقتصادية بين البلدين، عبر تعزيز التجارة والاستثمار ودعم الابتكار والنمو المستدام، في القطاعات الرئيسية مثل: الزراعة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا، والسياحة وغيرها.

روتو يتشارك مع حميدتي في تجارة الذهب غير المشروعة، والمستخرج من مناطق الصراع في السودان، وهو ما أكده ريغاتي غاتشاجوا، نائب الرئيس الكيني المعزول من منصبه

استتبع توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وكينيا، وعوداً إماراتيةً بمناقشة تمويل الإمارات، لخط سكك حديدية يربط كينيا بإثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، بعد وقف الصين تمويلها لذلك المشروع، كجزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية، كما منحت الإمارات كينيا قرضاً بمبلغ 1,5 مليار دولار، وتابعت الإمارات عطاياها لكينيا، فوقعت معها أوائل مايو/آيار المنصرم، سبع مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك التعاون العسكري، ومطلع يونيه/ حزيران الجاري اتفق البلدان، على إرساء إطار يدعم استخدام العملات المحلية في المعاملات الثنائية، وربط أنظمة الدفع والمراسلات المالية لدى البلدين.

من خلال رصد وتحليل السياقات الداخلية والخارجية، التي يعالجها نظام روتو الحاكم في كينيا، يتضح مدى تورطه في قضية الحرب الأهلية السودانية، لأسباب شخصية تخص الرئيس روتو، وأسباب سلطوية تتعلق ببقاء واستمرار الرئيس في الحكم، وهي أسباب يصعب - إن لم يستحيل - عليه الفكاك منها، وبخاصة في ظل الخطة الانتهازية الإماراتية المُحْكَمة، التي بناها حكام أبو ظبي في المقام الأول، على استغلال احتياجات ومواطن ضعف الرئيس روتو وحكوماته، ومن هنا يمكن تصور مآلات العلاقات السودانية-الكينية مستقبلاً، بين القطيعة الدبلوماسية أو استمرار التوتر  وعدم التعاون، على الأقل في المدى المنظور، ما دامت الحرب الأهلية السودانية مشتعلة.