الاثنين 12 يناير 2026
تتجه الصومال لبدء أول عملية حفر نفطي بحري في تاريخها الحديث أواخر يناير/كانون الثاني أو مطلع فبراير/شباط 2026، وفق ما أعلنته وزارة النفط والمعادن، في خطوة تُقدَّم رسمياً باعتبارها اختراقاً اقتصادياً طال انتظاره، لكنها تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية مع تصاعد الخلافات حول ترتيبات انتخابات 2026، ما يدفع منتقدين إلى اعتبار الملف النفطي جزءاً من معركة تثبيت الشرعية والبقاء في الحكم أكثر من كونه مشروعاً وطنياً محصّناً بالحوكمة والشفافية.
وزير النفط والمعادن في الحكومة الفدرالية، طاهر شِرِه محمد، قال في مقابلة مع “بي بي سي” إن أعمال الحفر ستنطلق هذا العام، وإن سفينة حفر حديثة ستصل قريباً لبدء العمليات. الوزير أشار إلى أن أنقرة اشترت سفناً من الجيل السابع وأن إحدى هذه السفن – “جاغري بيه” – يجري تجهيزها للإبحار نحو السواحل الصومالية، على أن يبدأ الحفر فور وصولها.
ويأتي ذلك متسقاً مع ما نقلته وكالة رويترز عن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار بأن تركيا ستطلق أول عملية حفر عميق لها خارج أراضيها في الصومال خلال فبراير/شباط، باستخدام السفينة “Cagri Bey”، من دون كشف تفاصيل عن حجم الاستثمارات أو التقديرات المستهدفة للاحتياطات.
بحسب الوزير الصومالي، شملت أعمال المسح ثلاث حزم في المحيط الهندي داخل المياه الصومالية، وأن الحفر سيتركز – في مرحلته الأولى – قبالة سواحل ولاية غلمدغ، ضمن نطاق يمتد من مدينة مَريغ حتى شرق هوبيو. وقال إن البئر التي وقع الاختيار عليها يصل عمقها إلى نحو 7,500 متر، مع إقرار رسمي بأن البيانات الحالية لا تسمح بالجزم ما إذا كان المكتشف نفطاً أو غازاً، وإن كانت المؤشرات – وفق تعبيره – تتجه إلى شواهد تجارية يمكن استثمارها.
على خط موازٍ، تحاول الحكومة احتواء موجة تشكك شعبي وسياسي حول شروط الاتفاقات وتقاسم العوائد. فقد راجت خلال العامين الماضيين تقديرات غير رسمية تزعم أن الصومال قد لا تحصل إلا على 10% من العائدات، مقابل حصة أكبر للشريك التركي. إلا أن الوزير نفى ذلك، موضحاً أن ما يُتداول عن “90%” يتعلق – وفق روايته – بآلية استرداد التكاليف التي تتحصل عليها الشركة في المراحل الأولى لتعويض نفقات الاستكشاف والحفر، وليس “تقاسماً دائماً للأرباح”.
غير أن هذه التوضيحات لا تُنهي الإشكال الأكبر المتمثل بغياب النشر العلني لتفاصيل التعاقدات، وحدود الرقابة البرلمانية، وكيفية ضبط مسار “استرداد الكلفة” حتى لا يتحول عملياً إلى بابٍ مفتوح لتآكل حصة الدولة عبر بنود محاسبية معقدة، وهي نقطة تُثار عادة في عقود النفط عالية المخاطر في الدول الهشة.
وُقّع الاتفاق النفطي بين مقديشو وأنقرة في 2024، وأثار جدلاً واسعاً حول الشفافية وتوازن المصالح، وسط مطالبات من سياسيين وفاعلين مدنيين بإتاحة الوثائق للرأي العام وتوضيح نطاق الكتل البحرية وشروط الضرائب والإتاوات وآليات التحكيم.
وتعززت الشراكة سياسياً في ديسمبر/كانون الأول 2025، حين أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – خلال مؤتمر صحفي حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في إسطنبول – أن بلاده تخطط لبدء الحفر قبالة السواحل الصومالية في 2026.
يتزامن إعلان بدء الحفر مع احتدام الجدل حول ترتيبات انتخابات 2026 ومسار الاقتراع المباشر. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 شهدت مقديشو أول انتخابات محلية مباشرة منذ عقود، وسط مقاطعة قوى معارضة اعتبرت العملية منحازة وتخدم تثبيت السلطة.
كما حذرت “مجموعة الأزمات الدولية” من تصاعد التوترات السياسية مع اقتراب انتخابات 2026 والخلاف على قواعدها وشكلها.
في هذا السياق، يرى منتقدون أن ملف النفط يُسوَّق داخلياً كعنوان لاستعادة الدولة ووعدٍ اقتصادي كبير قد يرفع رصيد الرئيس وحلفائه انتخابياً، حتى قبل أن تظهر نتائج فنية مؤكدة أو إطار حوكمة مكتمل. وبالمقابل، تُراهن الحكومة على أن أي تقدم في الاستكشاف سيوفر روافع مالية ومعنوية لدولة منهكة بالحرب على حركة الشباب وبشُح الموارد، وأن إدارة الملف عبر شريك قوي مثل تركيا قد تختصر سنوات من التعثر.
لا توجد حتى الآن تقديرات رسمية نهائية لحجم الموارد القابلة للاستخراج. وتشير تقديرات تداولتها جهات بحثية إلى أن حوض الصومال قد يحتوي موارد غير مؤكدة تُقدَّر بنحو 30 مليار برميل، لكنها تظل تقديرات أولية مرتبطة بمسوحات زلزالية وليست احتياطيات مثبتة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس فقط “متى يبدأ الحفر؟”، بل هل تملك الدولة – وسط موسم انتخابي شديد الاستقطاب – القدرة المؤسسية على إدارة ملف سيادي بحجم النفط من دون توظيف سياسي، ومن دون تعتيم على العقود، ومن دون تحويل الثروة المحتملة إلى عامل صراع جديد بين المركز والولايات؟ الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت الحكومة ستختار طريق الإفصاح والحوكمة والرقابة المستقلة… أو الاكتفاء بإعلان بداية الحفر كعنوان انتخابي جذاب قبل أن يتضح ما تحت البحر.