الثلاثاء 19 مايو 2026
الدكتور حسن مكي مفكر وأكاديمي سوداني، أستاذ في الدراسات الأفريقية، له حضور بارز في تحليلات الشأن السوداني والإقليمي. حائز على درجة الأستاذية في الدراسات الأفريقية منذ عام 2000، له مؤلفات وبحوث في أبعاد الحركة الإسلامية في السودان وأوضاع المسلمين الإرتريين والسياسات الثقافية للصومال، إضافة لتحليلاته المستمرة لتفاعلات القوى السياسية في السودان ومنطقة القرن الأفريقي.
يرتكز فكر مكي على قراءات تاريخية وسياسية معمقة ترى أن السودان، باعتباره أفريقيا مصغّرة، يعكس تراكبات متعددة من هويات ومجموعات قبلية وثقافية، وأن الأزمات الحالية ليست نتائج لحظية بل نتاج تراكمات تاريخية وسياسات خارجية مهيكلة. في حديث له، وصف السودانيين بأنهم في مرحلة "فاصلة" بين القديم والمشروع السياسي الجديد غير المتبلور بعد، وسط سيطرة أجندات خارجية ومحلية تهدف إلى تفتيت الهوية الوطنية الحقيقية.
كما يشدّد مكي على أهمية إدراك الديناميكيات الإقليمية في القرن الأفريقي كمنطقة حيوية تتقاطع فيها مصالح إثيوبيا والصومال وجنوب السودان مع السودان، ويطرح قراءة نقدية لكيفية إدارة الأزمات دون مجرد حلول عسكرية أو تدخلات خارجية تفتقد لفهم أعمق للسياقات المحلية التاريخية والثقافية.
نص الحوار:
حسن مكي: بالنسبة للأزمة الفاصلة بين القديم والجديد، فنحن الآن نعيش الذكرى السبعين لاستقلال السودان. ومع كل البناء الذي تم، فإن مؤسسات السودان الحقيقية هي المؤسسات التي بناها الإنجليز؛ ليس للسودان مؤسسات في قوتها. وهي في الأساس - المؤسسات التي بناها الإنجليز - المؤسسات مناقضة (تكتسب كلمة "المناقضة" دلالة فكرية واجتماعية عميقة تشير إلى المؤسسات التي أُنشئت لتكون "جيوباً للحداثة" وسط مجتمع تقليدي، أو المؤسسات التي تحمل في طياتها تناقضاً بين وظيفتها وبين الواقع المحيط بها) مثل جامعة الخرطوم، مطار الخرطوم والسكك الحديدية كانت الأساس لربط السودان، وإن كانت قد تهاوت وضعفت.
حسن مكي: فترة السبعين عاماً من استقلال السودان، حكم فيها العسكريون حوالي 58 عاماً، وحكم فيها المدنيون حوالي 12 عاماً. لكننا نجد أنه في عهد العسكريين كانت هناك إنجازات كبيرة؛ ففي "العسكرية الأولى" (عهد عبود) قامت الصناعات التحويلية كصناعة السكر في الجنيد وخشم القربة، وحتى في جنوب السودان، وامتدت السكك الحديدية إلى نيالا.
وفي أيام الرئيس نميري، تم إنشاء وربط شبكة الطرق بالسودان، وكذلك طريق "مدني-بورتسودان" وبناء مشاريع زراعية وبعض الإصلاحات في نظم الأراضي في حلفا، وانطلاقات جديدة في خطوط الطيران، وتطور السياسة من الاتحاد الاشتراكي إلى النهج الإسلامي. وفترة الثلاثين عاماً الماضية، رغم الانغلاق، كانت فيها إنجازات كبيرة في ثورة الطرق والاتصالات والتعليم العالي.
د. حسن مكي: بالنسبة للسودان، هو البلد الوحيد بعد مصر بين جيرانه الذي حافظ على "جيش قومي" مهني قائم على المؤسسة العسكرية والتقاليد الانضباطية، سواء كانت التقاليد الإنجليزية أو المصرية، منذ عهد "سردار" الجيش المصري وقوة دفاع السودان وصولاً إلى الجيش السوداني الحالي. بقية المنطقة تحولت إلى ميليشيات؛ في إريتريا وإثيوبيا الوضع أكثر تعقيداً؛ ففي فترة ما تم تقليل شأن الأمهرة في الجيش أيام منغيستو، ثم أصبح الجيش أساسه قبيلة "التقراي"، والآن أصبح أساسه "الأورومو".
أي أن الجيش الإثيوبي تعرض لثلاث نقلات عرقية كبيرة في أساسه، ولا يزال يطغى عليه الطابع العرقي رغم وجود الكليات الحربية. وفي جنوب السودان، مشكلة الجيش الوطني أنه هو "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، وأصبح الجيش قائماً على الصراع بين الدينكا والنوير، والصراع مع الاستوائيين والمنداري وغيرهم، أما الجيش القديم فقد اندثر. وفي أفريقيا الوسطى لا يوجد جيش حقيقي، بل "فاغنر" الروسية واستخبارات فرنسية وقبائل.
في تشاد الوضع أحسن حالاً منذ سيطرة إدريس ديبي، لكن الشوكة فيه لـ "الزغاوة". وفي ليبيا يوجد جيش جديد في طرابلس أساسه الإسلاميون، وفي طبرق وبنغازي أساسه القبائل الشرقية وبقايا جيش القذافي. إذن، السودان حافظ على جيشه، وهو جيش ليس فيه سمة عرقية منفصلة، وإن كان النوبة والشايقية والجعليين يفضلون العمل فيه تاريخياً، وهذا تفضيل عادي يوجد في كل البلدان.
حسن مكي: السودان الآن يحتاج لمشروع سياسي جديد؛ مشروع لا يقوم فقط على الديمقراطية الغربية القائمة على "التكاثر بالأوراق" والأصوات، بل نحتاج لانتقال سياسي يبني "الشورى من القاعدة"، أي من أسفل الهرم إلى أعلاه.
الحل هو ما أسميه "كونفدرالية القرن الأفريقي"؛ دول موجودة بحكامها لكن بسياسة خارجية واحدة وتكامل اقتصادي وعملة موحدة أو متقابلة، بحيث يتكامل اقتصاد مصر مع السودان مع إثيوبيا، ولا نحتاج للاستيراد من الخارج بكثرة
لا يمكن بناء الهرم من فوق عبر مجلس تشريعي "مُعلق"، فهذا كاستنبات البذور في الهواء. ومن ناحية التنمية، يجب الاهتمام بالطرق والكهرباء والتعليم الفني والتقني. السودان في السنوات الأخيرة أصبح يعتمد حتى في المهن البسيطة مثل "الحلاقين والكوافير" على عمالة من الخارج (فلبينيين، أتراك، مصريين).
أنت تحتاج لبناء بنية تحتية جديدة، هذه البنى تحتاج لعمال مهرة وسباكين وسائقين وفنيي طاقة شمسية وفندقة. السودان يقترب من 50 مليون نسمة، وهناك 15 مليون شاب يحتاجون لوظائف وزواج في السنوات القادمة، وهناك 20 مليوناً فوق سن الخمسين. هؤلاء الشباب لا يحتاجون جميعاً للتعليم العالي كأطباء ومهندسين، بل التعليم التقني والتمريض والمساعدين الطبيين هو الأهم الآن.
حسن مكي: مشاكل السودان الخارجية تتركز في ثلاث نقاط: العلاقة مع إسرائيل (نتيجة الخطاب السوداني القديم واللاءات الثلاث)، الموقف من قضايا الحداثة (الجندر وحقوق المرأة والهوية)، وهي قضايا تفرضها المنظومة الأمريكية، والنظام الاقتصادي العالمي (البنوك والربا).
لا بد أن يكون خطابك السياسي فاهماً لهذه التعقيدات. دستور 2005 كان جيداً في احترامه للغات والقوميات (مثل النوبة وغيرهم) وحقهم في التعليم بلغاتهم. "الفيدرالية" هي أساس الحكم، ويجب أن تكون فيدرالية حقيقية. يجب أن نبتعد عن "مركزية مصر"؛ فمصر تعيش كلها على النيل (1300 كلم)، لذا يسهل التحكم في معاش الناس ومائهم وكهربائهم مركزياً.
أما السودان، فلديه 6000 كلم من النيل، و50٪ فقط من السكان يعيشون حوله، والبقية في الجنينة وبورتسودان وغيرها. لذا لابد من نظام لا مركزي؛ فالمناطق النيلية قد تقبل مركزية مقيدة، أما كردفان فتحتاج لفيدرالية مرتفعة، ودارفور تحتاج لفيدرالية مطلقة سياسياً وبكل أبعادها. كل منطقة يجب أن تأخذ نوعاً من الحكم يناسب تاريخها ومتطلباتها.
حسن مكي: دول الخليج ليست مجرد دول خارجية، بل هي مركز استقطاب للعمالة السودانية ومصدر للعملات الصعبة، والسودان يعتمد عليها اقتصادياً واجتماعياً. لكن الروشتة السياسية الخليجية هي دائماً "روشتة أمريكية" في جوهرها.
بالنسبة للقرن الأفريقي، لا بديل عن التكامل السياسي والاقتصادي. إذا حاولنا التقسيم إلى مجموعات، فكل مجموعة ستطالب بالانفصال، وسنضيع الموارد في إنشاء سفارات وحكومات لا موارد لها. الحل هو ما أسميه "كونفدرالية القرن الأفريقي"؛ دول موجودة بحكامها لكن بسياسة خارجية واحدة وتكامل اقتصادي وعملة موحدة أو متقابلة، بحيث يتكامل اقتصاد مصر مع السودان مع إثيوبيا، ولا نحتاج للاستيراد من الخارج بكثرة.
حسن مكي: دائماً ما يتكلم الناس عن مؤسسات المجتمع المدني، وحتى دورنا في مؤسسات المجتمع المدني؛ يعني الاتحادات والنقابات الموجودة في الدولة، هذه من صلب الدولة؛ سواء كان التعليم العالي أو السكك الحديدية أو غيرها، لديها آليات متخصصة بها الدولة لأنها أصلاً نازلة من الدولة.
إن التعليم العالي، الجامعات، هم في الأساس يحسون بمشاكل جامعاتهم ومع وزارة المالية ومع الجهات الأخرى، ولكن هذا لا يقلل من أهمية أن تكون هناك نقابة للمعلمين أو لأساتذة الجامعات، أو نقابات السكك الحديدية والجزيرة والمزارعين وغيرها.
ولكن أعتقد أن هناك مؤسسات مجتمع مدني متجاهلة لابد أن نقويها، وهي الكيانات التي يقوم عليها المجتمع السوداني كـ "الطرق الصوفية"، لأن الطرق الصوفية عابرة للقبائل. وواحدة من الأشياء التي أضعفت السودان هي ضعف الأحزاب السياسية؛ ضعف الأحزاب السياسية خلف فراغاً كبيراً، وهو الذي يفتح المجال لأن يبقى السودان تحت الحكم العسكري.
كذلك لابد من تقوية الكيانات الروحية والدينية الأخرى، وتقوية كيانات الهوية العابرة للقبائل الصغيرة لأنها تكون منتشرة، وتقوية الثقافة العربية الإسلامية كأساس؛ لأنه بدون ثقافة عربية إسلامية موحدة لن يستقيم الأمر، وكل العالم يقوم على ذلك. فالثقافة الإسبانية وغيرها موجودة، ولكن الثقافة الإنجليزية هي التي تقوم عليها القومية الأمريكية والبريطانية، وبالرغم من وجود لغات أخرى كالأيرلندية وغيرها، تبقى لغة "البي بي سي" ولغة الملكة هي السند للقومية الإنجليزية.
حسن مكي: في الخليج، هناك قبائل كثيرة جداً، لكن كل اللُّحمة تقوم على الثقافة العربية الإسلامية. والآن في أفريقيا هناك مشاهد كبيرة، لأن اللغات المحلية تحاول الإطلال من تحت عباءة اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية في نيجيريا وأوغندا وغرب أفريقيا وشرقها، وتظهر لغة "السواحلية". نحن ليس لدينا هذه المشكلة؛ اللغة العربية هي لغة التخاطب، حتى في جنوب السودان الآن المحاكم لا تقبل الشكاوى إلا باللغة العربية، ولا توجد طريقة ليتخاطب "النويري" مع "الدينكاوي" إلا باللغة العربية لأنهما قد لا يعرفان الإنجليزية.
فلذلك هذه اللغة العربية يجب أن نحرص عليها ونقويها، ونقوي ركائز الثقافة الإسلامية في عقد السودان الجديد. لكن المنطقة فيها تحولات عميقة؛ تحولات سياسية في إثيوبيا والصومال، لأن التحولات تأتي مع القبائل. في الصومال، القبيلة هي ركيزة العمل السياسي، ولذلك الدستور الصومالي جاء مع القبيلة. في شمال الصومال "الإسحاقيون" هم أساس القوة، ومعهم "العيسى" وغيرهم. وفي جنوب الصومال (مقديشو) هناك قبائل "الهوية"، ومعها قبائل "الرحان وين" و"الدارود"، والقبائل الزنجية والأفريقية.
الصومال يعتمد اللغة الصومالية كأساس، لكن اللغة العربية أيضاً تتوغل لأنك تحتاج لمخاطبة العالم، وكذلك الإنجليزية. الصومال يحاول مخاطبة العالم عبر هذه الثلاثية اللغوية. أما في إثيوبيا، فالأمر معقد أكثر لأنه حدث فيها انتقال سريع. في أيام "القومية الإثيوبية" القديمة، كان الحكم يقوم على الوسط الأميري والثقافة الأمهرية والكنيسة الأرثوذكسية وسلطة البيت الأميري المقدس، ولكن كل هذا انهار. "الأمهرة" أصبحوا القومية الثانية وليس الأولى في إثيوبيا، والآن الصراع اللغوي محتد بين اللغة الأمهرية اللغة الأورومية، مع وجود ثمانين لغة أخرى تزاحم.
حسن مكي: إثيوبيا الآن 130 مليون نسمة وستصل إلى 200 مليون، فلا يمكن أن تظل محبوسة (دولة حبيسة) وإلا ستنفجر. لابد من حل مشكلتين: مشكلة الاطلال على البحر لتأمين منفذ بحري، وحل النزاعات القومية.
كذلك تحولت الكنيسة الإثيوبية؛ إذ برزت الكنيسة البروتستانتية، لكن الأقوى من ذلك هو النمو الإسلامي. المسلمون لا يقلون عن 50٪ في إثيوبيا، ولديهم مجلسهم وحركتهم التي تعبر عن الصعود الإسلامي. "الأورومو" 60-70٪ منهم مسلمون، "الغراجي" 80٪ مسلمون، والصوماليون 100٪ مسلمون.
هناك إسلام قادم بقوة، ليس بالضرورة إسلاماً سياسياً، بل إسلام اجتماعي وفكري وروحي سيعبر عن نفسه. الإثيوبيون يستحضرون الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي "أحمد جري" من جديد، والصومال كذلك.
"أحمد جُري" الجديد ليس بالضرورة جهادياً بالسيف كما في القرن السادس عشر، بل هو تفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي. إثيوبيا ستكون دولة إسلامية بامتياز (مثل ماليزيا) مع وجود أقليات مسيحية كبيرة، وهذا سيؤثر على البحر الأحمر والسياسة الدولية.
الصومال الجديد لا يحتاج لمساعدة لغوية؛ الصومالي يتجه للخليج ولأوروبا، وهم حريصون على القرآن الكريم. الصومال قوة إسلامية ولديهم إرادة قتالية فطرية؛ الصومالي لا يحتاج أن يكون جندياً في الجيش ليقاتل، هو أصلاً مقاتل بطبعه، على عكس إثيوبيا التي تتطلب الجندية للانتقال من حياة المزارع إلى المقاتل.
حسن مكي: في إطار هذه التقلبات، يجب على النخبة السودانية أن تكون قادرة على فهم التاريخ والتحولات في القرن الأفريقي ومصر، وفهم بلدهم وتحولاته. الإنسان أحياناً لا يعرف هل يضحك أم يبكي حينما يسمع "حميدتي" يتكلم ويقول لناس "الدعم السريع": (يا أخوانا إحنا فقدنا عطف الناس والتفافهم حولنا بسبب الشفشفة والنهب).
إن ما يجري هو محاولة لمحو الخرطوم من الوجود حتى لا تعود مرة أخرى حصناً للإسلام المجاهد، ويتم ذلك عبر 'تخصص وخبرة إسرائيلية' تهدف لتشريد عشر ملايين سوداني وتغيير وجه المنطقة للأبد، في حرب لم يعد فيها المجتمع آمناً ينتظر من غلب، بل أصبح هو المستهدف الأول بالقتل والتهجير
أنظر إلى هذه العقلية؛ بالنسبة لهم النهب والقتل ليس جريمة في حد ذاتها أو شيئاً كريهاً يخالف الإنسانية، بل هو أمر "مباح" ولكن يجب وقفه الآن فقط لأنه أفقدكم عطف الناس وفرصتكم في أن تكونوا قوة سياسية تحكم البلد. هذا هو فهمهم للجريمة؛ هي مباحة ولكن نوقفها لأنها تؤدي لمحظور آخر يعيق مشروعنا في الهيمنة.
حسن مكي: سبق توغل قوات محمد علي في السودان جهود الشاب ابن العشرين السيد محمد عثمان الميرغني، المبعوث من قبل السيد أحمد بن إدريس لدعوة التبشير. استأذن الميرغني أستاذه بالبقاء، فأجابه ابن إدريس: "السودان بلد فيه أهوال، وأن أهل السودان وقد استحصدت عليهم أوضاعهم، أرادوا أن يصدروا أهوالهم إلى غيرهم ويستريحوا منها".
وصدقت نبوءة ابن إدريس؛ لأنهم ما زالوا يفعلون ذلك، ابتداءً من الاستنجاد بولاة محمد علي، مروراً بغردون وكتشنر، ثم نجيب، وانتهاءً بالألماني فولكر والرباعية الدولية. من أكبر عقد السودان بمساحته وثرواته التي لا تزال أكبر من قدرات شعوبه؛ حيث "سودان الشريط النيلي" يوازيه شرقاً "سودان مجموعات البجا"، ثم "سودان بني شنقول"، وجنوباً مع القبائل الدينية التي لم تعرف أصلاً الحضارة كمجموعة الدولة، وغرباً حيث قامت السلطنات المستقلة في جنوب كردفان ودار فور.
العقدة الأولى تمثلت في مشروع السودان الحديث، بمعنى أن الحروب وما تلاها من انتقام هي التي جعلت فكرة أن "مصر هي مصر وليست السودان"، وأن السودان لا يصلحه إلا حكم أبنائه.
حسن مكي: تمثلت العقدة الثانية في الموجة الثانية من التنصير، وكانت موجة حديثة لأنها جاءت باللغة الإنجليزية والإيطالية وبالمدارس والتنمية الصحية، ودخل المنصرون الأوروبيون وكان أبرزهم رواد الكنيسة الكاثوليكية. ثم تأتي العقدة الثالثة مع حروب المهدية؛ السيد عبد الله التعايشي حكم لمدة 14 عاماً، وكانت فترته من أسوأ الحقب بنظر سكان الشريط النيلي، بينما عدها أنصاره في كردفان والنيل الأبيض من أسمى فصول الجهاد.
أدت حروب المهدية إلى شرخ كبير فيما يسمى بالقومية السودانية؛ حيث عدها البعض فتنة دينية ذهبت بالحرث والنسل، بينما اعتبرها المؤيدون حركة تحررية ردت اعتبار السودانيين بعد هزيمة 1821. وهكذا استمرت المهدية عقدة في القومية السودانية وشرخاً ومجالاً للبحث والجدل ليومنا هذا. والسؤال: ماذا لو أن المهدية أُجهضت في يومها الأول وآلت الدولة للزبير باشا، هل كان أمر السودان سيستقيم؟
حسن مكي: العقدة الرابعة تمثلت في الحكم الثنائي ومشروع السودان الحديث الذي وُلد مع التحالف البريطاني المصري. بعد دحر المهدية أصبح السودان مستعمرة تدفع فيها الحكومة المصرية تكاليف الميزانية بينما تقوم بإدارتها نخب إنجليزية. جاءت اللحظة الحاسمة في وفد 1924 برئاسة رولاند وينجيت والسير لي ستاك؛ غياب الشخصيات المصرية عن هذا الوفد أكد فكرة أن السودان شيء ومصر شيء آخر.
ولما قُتل سير لي ستاك، تم فصل الجيش السوداني عن مصر وأصبح "قوة دفاع السودان"، وأصبح ولاؤه للحكم البريطاني. انحل التجاذب بين الميرغني والأنصار وحل محله التجاذب بين دعاة الوحدة والاستقلال. أما العقدة الخامسة فهي تمرد الجنوب عام 1955؛ التقى الجيل الجديد في مؤتمر جوبا 1947، ولكن عند "سودنة" الوظائف لم يحصل الجنوبيون إلا على القليل، وتناسى الشماليون الفيدرالية.
اللغة العربية في السودان هي العقد واللحمة، وهي لغة التخاطب حتى في أقصى الجنوب؛ فلا توجد طريقة ليتخاطب النويري مع الدينكاوي إلا بالعربية لأنهما قد لا يعرفان الإنجليزية. في دول كإثيوبيا هناك صراع لغوي محتد بين الأمهرية والأورومية وزحام لـ 80 لغة أخرى، أما نحن فليس لدينا هذه المشكلة
ساهم إعلام "صوت العرب" وصلاح سالم في تعبئة العقل الجنوبي بتذكيره بتجارة الرقيق لإحداث انهيار دستوري يمنع الاستقلال. أدى ذلك لتمرد "توريت" أغسطس 1955، ومنذ ذلك الوقت أصبح الشرارة لحركات التمرد اللاحقة.
حسن مكي: العقدة السادسة والسابعة تتعلق بتردد الحل الديمقراطي؛ قام السيد عبد الله خليل باستدعاء الجيش (انقلاب تسليمي) للفريق إبراهيم عبود في 1958 بمباركة السيدين. وبعد ست سنوات تنازل المجلس العسكري عن السلطة في أكتوبر 1964 وقامت حكومة ديمقراطية.
جاءت حادثة "معهد المعلمين العالي" حين سب أحد الطلاب عرض النبي- صلى الله عليه وسلم - فأدى ذلك لثورة شعبية، واستغلت الأحزاب التقليدية والحركة الإسلامية الحادثة لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان بالرغم من أن الحزب الشيوعي بريء من هذه الاتهامات، وأصبح الشعار الأكبر هو "الدستور الإسلامي"، مما أدى لخوف المصريين واليساريين من أن يصبح السودان مقراً للإسلام المتشدد خصوصاً بعد ظهور الدكتور الترابي ومعه.
أدى هذا بطبيعة الحال إلى انقلاب يساري وكان ا لانقلاب طبعا بقيادة اليساريين وهي الكتلة التي تجمع الناصريين والبعثيين ودعم هذا الانقلاب الجيش المصري بالرغم من الدعم الذي قدمته له حكومة الازهري حيث قدمت الحكومة السودانية حينها خدمات للجيش المصري مثل المصالحة بين عبد الناصر وفيصل وأيضا الاسناد الكبير بعد المصالحة والذي أدى انتصار مصر في حرب الاستنزاف والجيش السوداني أيضا دخل في الحرب.
عبد الناصر كان يريد نظم تتماهى معه في السودان وليبيا والصومال من أجل معركته مع إسرائيل وهذا الانقلاب أدى إلى تفكك كبير في السودان وتشكل الكتلة المعارضة الواسعة، وهناك أيضا حروبات نشأت لكن أهم انجاز هو اتفاق أديس أبابا الذي أدى لسلام لمدة 11 عام.
حسن مكي: انقلاب 1969 أدى لتفتيت السودان وبروز مقاومة شرسة تمثلت في "الجبهة الوطنية" بقيادة الإمام الهادي المهدي والشريف الهندي وعثمان خالد وغيرهم. هنا نشأت "العقدة الثامنة"؛ وهي التمرد المسلح في الشمال من الجزيرة أبا وصولاً لـ "غزو المرتزقة" (حملة الجبهة الوطنية المدعومة من ليبيا وإثيوبيا 1976). الصراع في الجزيرة أبا كان "شمالياً-شمالياً" دامياً؛ إذ اجتاح الجيش الجزيرة وقتل الإمام الهادي، وهو ما ولد كراهية تاريخية لدى الأنصار تجاه الجيش، لأنهم شعروا أن "كبار الضباط" (منذ عهد عبود وصولاً لنميري) هم من سلبهم الحكم، وقتلوا إمامهم الأقوى، وحولوا الأنصار إلى قوة ثانوية.
حسن مكي: خلافات "الاستوائيين" مع هيمنة قبيلة "الدينكا" دفعت نميري لتقسيم الجنوب لثلاثة أقاليم، مما فجر الأوضاع وولدت "الحركة الشعبية لتحرير السودان" بقيادة جون قرنق عام 1983. هذه المرة، دخل السلاح الخارجي بقوة؛ إثيوبيا (بقيادة منجيستو هايلي مريام) دعمت قرنق باعتباره "يسارياً"، وأعطته إذاعة من أديس أبابا، ثم جاءت أكبر شحنة سلاح من القذافي (بسبب خلافه مع السادات ونميري). أصبح الجنوب جزءاً من "التحالف الثلاثي" (إثيوبيا، ليبيا، اليمن الجنوبي) الموجه ضد المحور المصري-السوداني، ليعاد تشكيل السودان بضغوط خارجية.
حسن مكي: فشل انقلاب هاشم العطا كان درامياً بتدخل مصر وليبيا، وحتى بريطانيا التي أجبرت طائرة قادة الانقلاب (بابكر النور وفاروق حمد الله) على الهبوط في ليبيا.
بعد ذلك، استطاع فريق من "التحالف الإسلامي" إقناع نميري بمسألة "القيادة الرشيدة" كطريق للمصالحة الوطنية عام 1977. في هذه الأجواء، نمت الحركة الإسلامية دعوياً وسياسياً واقتصادياً، وبدأت تنافس على السيطرة داخل الجيش. ورغم سقوط نميري في 1985 وسيطرة حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، إلا أن "مذكرة الجيش" في فبراير 1987 (التي ربما حظيت بدعم مصري) هي التي مهدت الطريق للانقلاب العسكري الإسلامي في يونيو 1989.
حسن مكي: الأمريكان سحبوا ثقتهم من نميري بعد إعدام محمود محمد طه (1985) وتطبيق الشريعة. جورج بوش جاء في مارس 1989 ليكمل ترحيل الفلاشا عبر مطار الخرطوم "عياناً بياناً". هذا الملف، مع إعادة تقسيم الجنوب، كان المسمار الأخير في نعش نظام نميري ومهد لفترة ديمقراطية قصيرة انتهت بمذكرة الجيش 1987 ثم انقلاب 1989.
حسن مكي: المفاصلة أضعفت الجبهة الداخلية. الترابي وقع "مذكرة تفاهم" مع قرنق في جنيف، منتقلاً من خانة العدو إلى الحليف البراغماتي. هذا الاستقطاب، مع ضغوط واشنطن، قاد لنيفاشا (2005) التي أقرت المواطنة لكنها مهدت للانفصال. اغتيال قرنق كان القشة التي قصمت ظهر "السودان الواحد"، وصوت الجنوبيون بنسبة 99٪ للانفصال في 2011، لتبدأ جمهورية سلفاكير.
حسن مكي: دارفور همشت نفسها صراعاتها، وهَمشها المركز. برزت هوية "عربية" جديدة (قريش، العطاوة، جهينة) تسعى للسيطرة على الإقليم وتطهيره من القبائل الأفريقية (المساليت، الفور، الزغاوة). البشير استعان بالدعم السريع لملأ الفراغ وتأمين نفسه من الانقلابات، لكنه فتح الباب لتغلغل استخباراتي أجنبي مخيف.
حسن مكي: التدمير المنهجي للمتاحف، والوثائق، ومحطات الكهرباء والمياه، هو تدمير "بخبرة إسرائيلية" لإلغاء الخرطوم كعمق وحصن للإسلام. الدعم السريع انقلب على المجتمع المديني (الخرطوم، الجزيرة، سنار) في حرب لم يشهد السودان مثلها؛ فصراعات السلطة قديماً كانت "فوقية"، أما الآن فهي تستهدف وجود الإنسان ومقدراته التي قُدرت بـ 200 مليار دولار. السودان الآن أمام "عقدة الوجود"؛ فإما مشروع وطني حقيقي، أو تذويب كامل للهوية والوطن لصالح أجندات الجوار والقوى الدولية.