تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 17 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

حصار باماكو: خفايا أزمة ممتدة

15 نوفمبر, 2025
الصورة
حصار باماكو: خفايا أزمة ممتدة
Share

صعّدت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم القاعدة، من عملياتها العسكرية بمالي مستثمرة الانقسامات الداخلية وضعف المؤسسات الأمنية، فأعلنت منذ سبتمبر/أيلول الماضي عن فرض الحصار على باماكو، ومنعت دخول شاحنات الوقود، واستمرت في فرض الحصار أمام تحركات السلطات المالية المكثفة لإنهائه، وتواردت هواجس عن احتمال سقوط مالي تحت سلطة تنظيم القاعدة، وتوسعت متخيلة مستقبل المنطقة تحت ظلالها.

الحصار الاقتصادي لباماكو

أعلن تنظيم القاعدة في الساحل الأفريقي عن فرض حصار على واردات المحروقات إلى مالي من دول الجوار، خاصة العاصمة باماكو، حيث شهدت أزمة وقود خانقة، فقد أدى الحصار إلى تراجع امدادات الوقود بنسبة 80٪ مهددا بشل الاقتصاد الوطني. وانعكست تبعات هذه الأزمة على السير العادي للمؤسسات بالعاصمة وجوارها؛ جسدتها مشاهد الازدحام حول محطات الوقود، والارتفاع المفاجئ لأسعار المواد الأساسية بنسبة تتجاوز 200٪، وإغلاق المتاجر والأسواق والمصانع وتعطيل المواصلات، وتوجت بالإعلان في نهاية أكتوبر/تشرين الأول عن تعليق الدراسة بالمدارس والجامعات لمدة أسبوعين لتقليص استهلاك الوقود.

طورت الجماعة خطة "استراتيجية الحصار" مستغلة الارتباط القوي لهذه الدولة الحبيسة بجوارها الإقليمي، وارتهان الحركة التجارية بالقوافل البرية، والاعتماد الكامل على الواردات الطاقية من الجوار، لتعطيل الحياة الاقتصادية بهدف إضعاف الحكومة، وتأزيم الأوضاع. لكن لم يكن لها أن تنجح في تعقيد المشهد الأمني والسيطرة على مناطق أساسية، منذ تأسيسها في مارس/اذار 2017، إلا بعد نجاحها في إنهاك الجيش المالي بعمليات قتالية ممتدة شمالا وجنوبا.

لا تخفي هذه الأوضاع الداخلية أسئلة دور الخارج، فقد اعتبر وزير الخارجية المالي بأن أطرافا خارجية تستغل الهشاشة الأمنية للضغط على الدولة، معتبرا أن بلاده تراهن على تضامن تحالف دول الساحل

في السياق ذاته، استفادت من موارد مالية مهمة لقاء عمليات الفدية لتحرير الرهائن، وموارد قتالية متطورة باستهدافها الثكنات والقواعد العسكرية الحكومية، فصعدت من وثيرتها -بعد خروج القوات الفرنسية وإنهاك الفيلق الأفريقي الروسي، وتعثر عمليات تطوير الجيش بفضل العقوبات الدولية-، محققة سيطرة ميدانية على شمال مالي، فأعلنت قبل أشهر عن خطتها للضغط على النظام وإسقاطه، لتراهن على هذه الحرب الاقتصادية الجديدة من أجل تجييش الاستياء الشعبي ضد العسكر، لأنها تعي صعوبة السيطرة المباشرة على العاصمة.

لم يكن لهذه الحملة التصعيدية أن تنجح لولا تنفيذ عناصر القاعدة هجمات على الصهاريج القادمة من السنغال وغينيا وكوت ديفوار، فأحرقت عشرات الشاحنات القادمة منها. كما تحركت بالحدود الموريتانية، واستهدفت لأول مرة دولة نيجيريا في رسائل تفيد بأن تحركاتها تتجاوز حدود مالي.

رفعت هذه التحولات الدراماتيكية مستوى المخاوف على مستقبل هذا البلد المنهك، بصدور تحذيرات وتوجيهات من سفارات غربية؛ مثل الولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وأستراليا لمغادرة البلاد، وتحذيرات من المنظمات الدولية حول استفحال الأوضاع، بعد استهداف خطوط الإمدادات والهجوم على المنشئات الاقتصادية والعودة إلى عمليات الاختطاف والاغتيالات المكثفة، كعنوان للأزمة المستمرة.

الأزمة المستمرة أبعد من الحصار

حاولت السلطات المالية امتصاص الصدمة، بالتخفيف من تداعيات الحصار بإعادة الدراسة وتأمين الامدادات، فبدأت التصريحات الرسمية تتعاطى مع الحدث، إذ صرح الرئيس أسيمي غويتا في خطاب لافتتاح منجم في جنوب البلاد بأن الحكومة تعمل على إيجاد حلول لهذه المعضلة، داعيا إلى التضامن بين المواطنين، معلنا عن إجراءات صارمة لضمان التموين بالوقود في مقدمتها تأمين الجيش لقوافل الإمدادات إلى باماكو، كما علق وزير الخارجية عبد الله ديوب مستبعدا سقوط العاصمة، مؤكد بأن الحكومة تمكنت من التخفيف من الحصار.

تؤكد مجمل المؤشرات وتقديرات الباحثين صعوبة السيطرة على باماكو، لحاجة القاعدة إلى تحالف مع باقي الجماعات. لكن إدراكها استحالة ذلك، دفعها إلى تجربة الحصار للضغط على النظام، ما يضاعف السخط الشعبي والمؤسساتي، وقد نجحت بهذه الاستراتيجية الجديدة في فرض واقع جديد

كانت السردية الحاكمة لهذه التطورات تستحضر المخاوف من تكرار سيناريو أحداث 2012، حيث هجمت التنظيمات وزحفت نحو الجنوب والعاصمة. لكنها لم تتوقف عند التحدي الحقيقي والمتمثل في التخوف من استثمار أطراف مستاءة من النظام الحالي لهذه المتغيرات قصد الإطاحة بالرئيس، مع بروز صراعات داخل الجيش، ومؤشرات ذلك الإعلان عن إحباط محاولة انقلابية جديدة قبل أسابيع، واعتقال عشرات العسكريين والأمنيين الماليين، بالإضافة إلى مواطن فرنسي، يتهم بأنه الوسيط مع المخابرات الفرنسية. ويعي النظام جدية هذه المحاولات والمخاوف، ويستشف العديد من الخبراء مخاطرها، فأي انقلاب أو انهيار للنظام الحالي سيزيد تعقيد الأوضاع، وسيشكل مدخلا لتوسيع هذه الجماعات لأنشطتها.

لا تخفي هذه الأوضاع الداخلية أسئلة دور الخارج، فقد اعتبر وزير الخارجية المالي بأن أطرافا خارجية تستغل الهشاشة الأمنية للضغط على الدولة، معتبرا أن بلاده تراهن على تضامن تحالف دول الساحل، وبشكل غير مباشر مع الحليف الجديد موسكو.

كان ليكون التعاون الأجنبي شبكة الأمان للسلطة في باماكو لو أنها عملت بعد وصول أسيمي إلى السلطة على تفكيك مجمل التحالفات السابقة؛ فالفرنسيون، المستعمر السابق والحليف البارز للنظام السابق، خارج اللائحة ويكتفي بمراقبة الأوضاع، وقادته يعتقدون بأن سيناريو مساندة السلطات المالية، كما في أحداث عام 2012 لن يتكرر، فقد قطع النظام الحالي أية صلة بهم، ولا يزال يرسم معالم القطيعة بتأميم المنشئات والتضييق على النفوذ الفرنسي استكمالا لمعركة السيادة.

وزاد تعثر الدعم العملياتي والاستخباراتي الذي كانت تقدمه القوات الأمريكية بعد إفراغ قواعدها العسكرية بالدولة الجارة النيجر الطينة بلة، رغم تعبير نائب الخارجية الأمريكي كريستوف لاندو، في تغريدة عن استعدادها لتعاون أكبر في حربها، بعد محادثة له مع وزير الخارجية المالي.

بينما الأنظار مسلطة على حصار القاعدة، لكن بعيدا عن الأضواء تستمر المواجهات مع الحركات الأزوادية، بعد تجدد العمليات القتالية والانفكاك من اتفاقيات السلام السابقة، ويبدو أن الأوضاع الأخذة في التطور مثل كرة ثلج تلتف ويكبر حجمها، قد تشكل عنوانا لانفجار الأوضاع من جديد.

سينتهي الحصار ولكن

كثيرا ما يتردد سؤال مستقبل الأوضاع بمالي بعد هذه التحديات، يغوص أصحاب السيناريو المتشائم بعيدا، ويرسمون تكهنات عن مستقبل المنطقة ككل مع سيطرة الجماعات المسلحة على باماكو، مع الترويج لفكرة أن هذه الجماعة قادرة على ذلك. دون أن تلغي المبالغة في تصوير هذا السيناريو حقيقة التحدي المستمر لهذه الجماعة ومثيلاتها، بالإضافة إلى مطالب الحركات الأزاوادية المتمردة، ما يعيد التذكير بمعالم الأزمة السياسية الداخلية، بعد تراجع النظام عن الوفاء للمنهجية الديمقراطية، ما يفضح هشاشته ويكشف تحديات المعضلة الأمنية بالبلد.

إن ما كان حجة للانقلاب العسكري السابق وذريعته لإعادة تشكيل تحالفات الساحل الأفريقي، وهو محاربة الإرهاب وإخماد التمردات، سيصبح كما في الماضي، السيف المسلط على من يمسك بخطوط السلطة اليوم

تؤكد مجمل المؤشرات وتقديرات الباحثين صعوبة السيطرة على العاصمة، لحاجة القاعدة إلى تحالف مع باقي الجماعات. لكن إدراكها استحالة ذلك، دفعها إلى تجربة الحصار للضغط على النظام، ما يضاعف السخط الشعبي والمؤسساتي، وقد نجحت بهذه الاستراتيجية الجديدة في فرض واقع جديد. لكن باماكو، بعد أسابيع طويلة من الأزمة، بدأت تتخفف من إجراءات الحصار؛ فتحسنت الأوضاع، وأعيد فتح المدارس والجامعات، وانتعشت خطوط الامدادات، وتنفست السلطات الصعداء، حيث تستكمل خطواتها لإنهاء الحصار.

لكن الهواجس تبقى أبعد من الداخل المالي، صحيح أن الأنظار كانت موجهة إلى باماكو، لكنها ليست إلا واجهة لواقع أكبر، إذ يستحضر الجوار الإقليمي باعتبارها الحلبة الحقيقية لتحركات هذه الجماعات، فالتمدد الإرهابي يتحرك إقليميا بعيدا عن مالي، لكن التركيز عليها يحجب الأنظار عن مخاطر حقيقية تهدد النظام في بوركينافاسو مثلا. كما تسائل هذه المعضلة تحركات تحالف دول الساحل ودوره في تقديم المساعدة، وإرساء استراتيجية إقليمية للتصدي للمعضلة، تتجاوز حدود الإعلان عن تسريع إجراءات تشكيل قوة مشتركة لمجابهة الظاهرة، أغلب الظن أنها لن تكون إلا مثل سابقتها.

إلى ذلك، يتأكد بأن الحلول العسكرية فشلت في مجابهة هذه الحركات، ويبدو بأن التفاوض معها من الخيارات التي يمكن تجريبها، ولم تعط بعد فرصة لتفكيك هذه المعضلات الأمنية، بعيدا عن الرفض النهائي لها. فقد تحقق طاولة المفاوضات ما عجزت عنه سنوات من المواجهات والقتال.

بالنهاية، سيفك الحصار وتنفرج الأوضاع الأمنية بعد تأكد صعوبة الاستيلاء على باماكو، لكن معضلة التمرد ستتواصل وستتوسع مجالاتها بهد البلد وجواره. ولسخرية الأقدار، فإن ما كان حجة للانقلاب العسكري السابق وذريعته لإعادة تشكيل تحالفات الساحل الأفريقي، وهو محاربة الإرهاب وإخماد التمردات، سيصبح كما في الماضي، السيف المسلط على من يمسك بخطوط السلطة اليوم.