الأربعاء 12 أغسطس 2026
دخلت الأزمة الدستورية المتعلقة بتمثيل المرأة في الحكومة الكينية مرحلة جديدة بعد إعلان البرلمان الكيني عزمه الطعن أمام محكمة الاستئناف في الحكم الصادر عن المحكمة العليا، الذي اعتبر التشكيلة الحالية لحكومة الرئيس ويليام روتو غير دستورية لمخالفتها مبدأ التوازن الجندري المنصوص عليه في الدستور. كما طلب البرلمان تعليق تنفيذ الحكم إلى حين البت في الاستئناف، في خطوة تعكس تصاعد الجدل القانوني والسياسي حول حدود سلطة القضاء في مراقبة تشكيل السلطة التنفيذية.
يعود أصل القضية إلى حكم أصدرته هيئة قضائية مكونة من ثلاثة قضاة في 30 يونيو/حزيران 2026، خلصت إلى أن الحكومة الحالية لا تمتثل للمادة 27 (8) من الدستور الكيني، التي تنص على ألا يتجاوز تمثيل أي من الجنسين ثلثي أعضاء الهيئات العامة المنتخبة أو المعينة. ورأت المحكمة أن التشكيلة الوزارية التي تضم 18 وزيراً من الرجال و7 وزيرات تتجاوز الحد الدستوري المسموح به، ما يجعلها مخالفة للدستور، وأمرت الرئيس روتو بإعادة تشكيل الحكومة خلال 120 يوماً بما يضمن الالتزام بالقاعدة الدستورية الخاصة بالمساواة بين الجنسين.
بحسب منطوقالحكم، فإن الالتزام بالمبدأ الدستوري لا يعد خياراً سياسياً يخضع لتقدير السلطة التنفيذية، وإنما التزام قانوني ملزم لكل السلطات العامة. وأكدت المحكمة أن الدستور الكيني، الذي أُقر عام 2010، جعل المساواة بين الجنسين أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدستوري الجديد، بما يفرض على رئيس الجمهورية مراعاة هذه القاعدة عند تعيين أعضاء مجلس الوزراء وسائر المناصب العامة.
في المقابل، أعلن رئيس الجمعية الوطنية موسيس ويتانغولا، عبر مكتب رئيس البرلمان، أن المجلس تقدم بإشعار استئناف أمام محكمة الاستئناف، معتبراً أن الحكم القضائي يستوجب المراجعة القانونية. ويطالب البرلمان بإلغاء الجزء الذي قضى بعدم دستورية الحكومة، إلى جانب وقف تنفيذ الأمر القضائي الذي يلزم الرئيس بإعادة تشكيل مجلس الوزراء قبل الفصل النهائي في القضية. ويرى البرلمان أن تطبيق الحكم قبل انتهاء درجات التقاضي قد يخلق حالة من عدم الاستقرار المؤسسي داخل الجهاز التنفيذي.
تحمل القضية أبعاداً سياسية تتجاوز مسألة التمثيل الجندري، إذ تأتي في وقت يواجه فيه الرئيس ويليام روتو ضغوطاً متزايدة بشأن أداء حكومته والإصلاحات السياسية والإدارية. ويرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة استجابة للحكم قد تفرض تعديلات واسعة على التوازنات السياسية داخل الائتلاف الحاكم، خاصة إذا استلزم الأمر تعيين عدد أكبر من النساء في المناصب الوزارية مع الإبقاء على الحجم الحالي للحكومة. وتشير الحسابات الدستورية إلى أن الحكومة تحتاج إلى تعيين امرأتين إضافيتين على الأقل إذا بقي عدد الوزراء كما هو، حتى تستوفي قاعدة الثلثين المنصوص عليها في الدستور.
تعد قاعدة "الثلثين" إحدى أبرز الإصلاحات التي جاء بها دستور عام 2010 عقب الأزمة السياسية التي شهدتها كينيا بعد انتخابات 2007، إذ هدفت إلى تعزيز المساواة والحد من الإقصاء داخل مؤسسات الدولة. ورغم مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على إقرار الدستور، ما تزال الحكومات الكينية تواجه تحديات في تحقيق هذا الالتزام، سواء في مجلس الوزراء أو في مؤسسات عامة أخرى، وهو ما أدى إلى سلسلة من الدعاوى القضائية التي تطالب بتفعيل النصوص الدستورية بصورة كاملة.
تترقب الأوساط القانونية والسياسية قرار محكمة الاستئناف بشأن طلب وقف تنفيذ الحكم، إذ سيحدد هذا القرار ما إذا كان الرئيس روتو سيضطر إلى الشروع فوراً في إعادة تشكيل حكومته، أو سيتم تعليق المهلة البالغة 120 يوماً إلى حين الفصل النهائي في الاستئناف. ويرى خبراء القانون الدستوري أن القضية قد تشكل سابقة قضائية مهمة في تحديد العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية، كما قد ترسم ملامح جديدة لتطبيق مبادئ المساواة المنصوص عليها في الدستور الكيني داخل مؤسسات الحكم.