الأحد 8 فبراير 2026
بينما يتركّز اهتمام العالم على أزمات الشرق الأوسط، تتصاعد في القرن الأفريقي أزمة لا تقل خطورة، وإن ظلت مغفلة في التغطية الدولية. فبعد ما يقرب من عامين على توقيع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي اتفاق بريتوريا لإنهاء حرب دامية، بدأت ملامح ذلك الاتفاق تتآكل، وتحولت وعود السلام إلى مشهد سياسي متشظٍ، يغذّيه صراع المحاور والطموحات البحرية المتصاعدة.
هذا الانهيار المتدرج لاتفاق بريتوريا لم يؤدِّ إلى الاستقرار المأمول، بل فتح الباب أمام انفراط التحالفات، وتجدد الخصومات، وظهور خطوط صدع جديدة. تعود التوترات بين أديس أبابا وأسمرا إلى الواجهة، مدفوعة بنزاعات حدودية غير محسومة، وتنافس على النفوذ الإقليمي.
في هذا السياق المتوتر، تبقى تيغراي معلّقة في فراغ سياسي؛ اتفاق السلام لم يُستكمل، وقيادتها التي أفرزتها الحرب تتصدع بفعل انقسامات داخلية آخذة في التعمّق.
وُصف اتفاق بريتوريا، الذي وُقّع في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، بأنه اختراق سياسي أنهى حربًا كارثية استمرت عامين. وأشاع بصيص الأمل نحو تسوية سياسية، واستعادة الحياة الطبيعية. لكن تنفيذ بنوده تعثر سريعًا؛ فعملية نزع سلاح قوات تيغراي، وانسحاب القوات الإريترية، وتسوية المناطق المتنازع عليها لم تُنجز فعليًا. كما لم يتحقق تقدم يُذكر في ملفات العدالة الانتقالية والحوار الشامل وعودة أكثر من مليون نازح يقيمون في مخيمات بموارد شحيحة.
رغم إشراف الاتحاد الأفريقي على الاتفاق، فإن بعثته تفتقر إلى أدوات التنفيذ. فيما تقاعس المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، عن ممارسة ضغوط مستدامة من أجل تنفيذه. هكذا، ظلّ كل طرف يختار من الاتفاق ما يناسبه، مما أضعف الثقة وقوض أسس المساءلة.
وزاد الطين بلة قرار مجلس الانتخابات الإثيوبي سحب الاعتراف القانوني بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، ما اعتُبر ضربة لمساعي الحوار السياسي. وبفعل الهوّة بين تعهدات بريتوريا وواقع ما بعد الحرب، خبت آمال التيغراي في الانتقال إلى التعافي، لتحلّ محلها مشاعر الخيبة والاستياء.
في ظل غياب مكاسب ملموسة، تآكلت شرعية الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي داخل قاعدتها الشعبية. فالحزب الذي هيمن لعقود على المشهد السياسي، بات متهمًا بالتفريط، وأضحى محل مساءلة من أبناء الإقليم الغاضبين. زادت الانتقادات لقيادته إبان الحرب، وبرزت مواقف مترددة بعدها، فيما عجز عن تقديم رؤية موحدة في التفاوض مع الحكومة الفيدرالية.
وُصف اتفاق بريتوريا، الذي وُقّع في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، بأنه اختراق سياسي أنهى حربًا كارثية استمرت عامين. وأشاع بصيص الأمل نحو تسوية سياسية، واستعادة الحياة الطبيعية. لكن تنفيذ بنوده تعثر سريعًا
وقد ظهرت الخلافات الداخلية للعلن خلال تشكيل "الإدارة المؤقتة لإقليم تيغراي"، حين تفجرت صراعات فصائلية، وحدثت تأخيرات مزمنة. في أغسطس/آب 2024، دعا دبرصيون جبرمكئيل لعقد المؤتمر الرابع عشر للجبهة دون توافق أو اعتراف من مجلس الانتخابات، فقاطع المؤتمر نائبه غيتاتشو رضا، إلى جانب شخصيات إصلاحية بارزة.
تلقى هذا المعسكر الإصلاحي دعمًا من الشباب والمثقفين وأبناء الشتات التيغراوي، وسعى إلى إحداث قطيعة مع أساليب المركزية التقليدية. غير أن حملة منظمة أُطلقت لإقصائهم، ما زاد من زعزعة الاستقرار داخل الحزب والإدارة المؤقتة.
الصراع لم يكن حول الأشخاص فحسب، بل حول توجهات استراتيجية: بين من أراد تفكيك الدولة المركزية وإعادة تعريف العلاقة مع الحكومة، ومن تمسك بخطاب السيادة التقليدي. أما المشهد العسكري، فقد انقسم أيضًا: اصطف غيتاتشو إلى جانب الجنرال تسادكان جبرتنساي، الذي دعا إلى الحوكمة التعددية. فشلت جهود الوساطة، ومع حلول أبريل/ نيسان 2025، تمكن معسكر دبرصيون، المدعوم من قادة عسكريين، من السيطرة على الإدارة المؤقتة، فيما اعتبره خصومه "انقلابًا ناعمًا".
فرّ غيتاتشو وحلفاؤه إلى أديس أبابا، وسرعان ما انتشرت تقارير عن تحركات مسلحة لهم في إقليم عفر، بدعم من قوى اتحادية ومحلية. تبادل الطرفان الاتهامات؛ دبرصيون يتهم غيتاتشو بمحاولة شقّ الجبهة، وغيتاتشو يتهم خصومه بالتنسيق مع إريتريا.
عيّن آبي أحمد غيتاتشو مستشارًا لشؤون شرق أفريقيا، ثم عيّن الجنرال تاديسي ورِدي رئيسًا مؤقتًا للإقليم، في محاولة لاحتواء التوتر. لكن الانقسام استمر، وأعلن تيار غيتاتشو عن حزب جديد في يونيو/حزيران 2025، باسم "تضامن تيغراي الديمقراطي" (سَمَرَت)، نال اعترافًا أوليًا من المجلس الانتخابي.
في الوقت ذاته، طفت على السطح قضايا فساد داخل قيادة الجبهة، منها شبكة لتهريب الذهب. ومع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، تحولت أزمة تيغراي إلى مرآة لتفكك داخلي وتصدع إقليمي متزامن.
أعلن آبي أحمد في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، أن حصول إثيوبيا على منفذ بحري مباشر "ضرورة وجودية". وفي يناير/كانون الثاني 2024، وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع صوماليلاند، يُعتقد أنها تمنحها منفذًا بحريًا مقابل الاعتراف بسيادة صوماليلاند كدولة. أثار الاتفاق أزمة إقليمية، فقد رفضته الصومال التي اعتبرته انتهاكًا لسيادتها، وعبّرت إريتريا ومصر وجيبوتي عن رفضها. وعقدت في السعودية قمة طارئة، أكدت في بيان عن احترام السيادة والحدود البحرية، في تلميح مباشر لإثيوبيا.
مع هذا التوتر، تصبح عفر ساحة محتمَلة للحرب بالوكالة، حيث تشعر المجتمعات العفرية بأنها استُخدمت ثم تُركت. ويحذر زعماؤها من تكرار التجاهل، إذا لم يُعاد النظر في طريقة التعامل مع هذه المناطق
رغم وساطة تركيا التي هدّأت التوتر، فإن أديس أبابا لم تتراجع عن رؤيتها البحرية. ومع توتر العلاقات مع إريتريا، تبادل الطرفان الاتهامات بالتدخل والعداء. تتقاطع هذه الطموحات مع استراتيجية الإمارات في البحر الأحمر، إذ يبدو أن أديس أبابا باتت شريكًا مفضلًا لتموضع إماراتي بديل، بعد تعثر القواعد في إريتريا وجيبوتي. ومع تصاعد التوتر، تعود مدينة عصَب لتلعب دورًا رمزيًا، كما كانت بادمي في الحرب السابقة.
ترافق صعود آبي أحمد في 2018 مع مصالحة مفاجئة مع إريتريا بوساطة خليجية، نال عليها إثرها جائزة نوبل. لكن الاتفاق كان اصطفافًا تكتيكيًا ضد تيغراي أكثر منه سلامًا دائمًا. وقد انفرط العقد بعد اتفاق بريتوريا، إذ أعلن أسياس أن "مهمتنا أُجهضت". أُغلقت الحدود وتوقفت الرحلات وانقطعت القنوات، في تعبير عن انهيار الثقة. ويُعتقد أن أسياس عرض سابقًا منفذًا بحريًا لآبي، ثم تراجع بعد خلافات حول مخرجات الحرب.
دخل الطرفان في سباق نفوذ جديد؛ فدعمت أسمرا فصائل أمهرا وأورومو وجيوب تيغراوية، فيما دعمت أديس أبابا معارضين إريتريين. وظهر خطاب "تصمدو" (ፅምዶ)، الذي يدعو إلى تقارب شعبي بين تيغراي وإريتريا. ومن مظاهره إعادة فتح معابر حدودية دون علم الحكومة الفيدرالية. تدعم إريتريا هذه المبادرات لتعزيز نفوذها، مستغلةً الانقسام الإثيوبي، ومتموضعة في قلب الصراع القادم في المنطقة.
تزيد الحرب الأهلية السودانية المشهد تعقيدًا، فإريتريا تدعم البرهان، بينما يواصل آبي أحمد تحالفه مع الإمارات، الداعمة لقوات دقلو. وتحافظ تيغراي على علاقات ودّية مع الخرطوم. هكذا، تتقاطع التحالفات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية الإثيوبية.
أما أمهرا، فلا تزال بؤرة الاحتجاج المسلح. فقد رفضت ميليشيات فانو تسليم المناطق المتنازع عليها، واعتبرت قرار نزع السلاح والتضييق الاقتصادي محاولات لإضعافها. ومع تصاعد العنف، شهدت الميليشيا انقسامات داخلية.
ظهرت أيضًا تحالفات تكتيكية غير متوقعة، مثل قبيل التعاون بين فانو وجيش تحرير أورومو، واتصالات بين فانو وتيغراي. لكنها تحالفات هشة سرعان ما انهارت أمام التراكمات العرقية والسياسية.
لا يُبنى السلام على انتصارات عسكرية أو اتفاقات فوقية، بل على إرادة سياسية للمصالحة. والمطلوب اليوم ليس مزيدًا من المركزية أو لامركزية شكلية، بل عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والمساءلة
في منطقة أوروميا، تبرز مفارقة عويصة، فبينما تتصدر النخب الأورومية المشهد السياسي، تشعر القاعدة الشعبية بالتهميش والتلاعب بتاريخ نضالها. أما العفر، فهي الجبهة الصامتة المرشحة للاشتعال. تحتضن معارضين إريتريين وتيغراويين منشقين، وتشهد توترًا مستمرًا مع تيغراي حول ثلاث مناطق. وقد أثار وصفها بـ"الأراضي المحررة" استياء العفر.
أضيف إلى ذلك الصراع القديم مع عشيرة العيسى، والهدنة الهشة التي لا تبدو مستدامة. ومؤخرًا، انشق مسؤول عفري وفرّ نحو إريتريا، وأطلق اتهامات للنظام المحلي، ما زاد الوضع احتقانًا. مع هذا التوتر، تصبح عفر ساحة محتمَلة للحرب بالوكالة، حيث تشعر المجتمعات العفرية بأنها استُخدمت ثم تُركت. ويحذر زعماؤها من تكرار التجاهل، إذا لم يُعاد النظر في طريقة التعامل مع هذه المناطق.
تشير الوقائع إلى أن القرن الأفريقي بات مسرحًا للدول المتصدعة والمشاريع السياسية غير المكتملة. انفصلت إريتريا وجنوب السودان، وظلت صوماليلاند بلا اعتراف، بينما يحترق السودان، وتتآكل الصومال. وإثيوبيا، بدلًا من الاستقرار تتفتت.
تفكك تحالف آبي–أسياس، وانقسمت الجبهة الشعبية، وصعدت إريتريا لتدعم خصومها السابقين. أما طموحات آبي البحرية، فزادت التوترات الاقليمية دون أن تحلّ الأزمات الداخلية.
أوقف اتفاق بريتوريا الحرب في تيغراي، لكنه لم يعالج التشظي العميق. العنف تغيّر موقعه، لا طبيعته، والبلاد على شفا انفجار جديد. التهديد ليس افتراضيًا. فحتى دون حرب شاملة، ستتواصل دوامة عدم الاستقرار ما لم تُعالج المعضلة الجوهرية؛ أي غياب توافق النخب. فمنذ الإمبراطورية، مرورًا بالاشتراكية والفيدرالية، وصولًا إلى "الإصلاح"، ظل النظام السياسي يقوم على القسر لا التوافق، وعلى الإقصاء لا الشراكة.
كما يحذر باحثون مثل: جون آبينك ومِرِرا غودينا، فإن السلام لا يُبنى على انتصارات عسكرية أو اتفاقات فوقية، بل على إرادة سياسية للمصالحة. والمطلوب اليوم ليس مزيدًا من المركزية أو لامركزية شكلية، بل عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والمساءلة. فمن دون إصلاح جذري، ستظل أزمات بريتوريا تتفاقم، مهددة وحدة الدولة الإثيوبية ومستقبل السلام في القرن الأفريقي بأسره.