تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

"حروب بلا نهاية": كيف تتحول نزاعات أفريقيا وقودا دائما لمشاريع النفوذ والسيطرة؟

18 أغسطس, 2025
الصورة
"حروب بلا نهاية": كيف تتحول نزاعات أفريقيا وقودا دائما لمشاريع النفوذ والسيطرة؟
Share

ليست كل الحروب في أفريقيا تنتهي بتوقيع اتفاق سلام؛ بعضها ينام في الظل، بانتظار من يوقظه، فعلى خرائط القارة الشاسعة تتداخل خطوط الدم مع مسارات النفط والذهب والسلطة والنفوذ، تغذيها أحيانا القبلية، وتتمسك بها العرقية في مرات أخرى، وبين هذه وتلك تتحول النزاعات إلى أدوات في أيدي صانعي النفوذ، لتبقي قضايا "إقرار السلام وإطلاق المصالحة" مجرد شعار، بينما هناك من يحتفظ بمفاتيح "صندوق النزاعات المفتوح"، يستخدمه وقت الحاجة لتغيير موازين القوة أو إطالة عمر حكمٍ مترنح.

من جوبا إلى أديس أبابا في الشرق، ومن ياوندي إلى كينشاسا وكيجالي غربًا، إلى طرابلس الليبية في الشمال، تطل أزمات الصراع المسلح جروحا مفتوحا في جسد القارة السمراء، تتبدل وجوه اللاعبين، لكن قواعد اللعبة تبقى كما هي؛ نزاعات تتغذى على تاريخ طويل من الانقسامات الإثنية والحدودية، وتجد دائمًا من يمد لها أنابيب الوقود السياسي والعسكري، لتبقى مشتعلة، أو لتشتعل من جديد، كلما اقتضت مصالح الداخل أو الخارج، لتبقى صراعات أفريقيا مستدامة وغير قابلة للحل رغم توقيع عشرات الاتفاقيات، وإطلاق العديد من المبادرات.

جنوب السودان العنف باق ويتمدد

على الرغم من توقيع جنوب السودان لاتفاق سلام شامل في سبتمبر/ أيلول 2018، والذي أنهى وقتها حربا أهلية طاحنة، تسببت في تشريد مليونين من المدنيين وقتلت أكثر من 50 ألف شخص، إلا أنها تعود لنقطة البداية مرة أخرى، إذ تقول الأمم المتحدة إن الهجمات العسكرية والقمع السياسي والوجود العسكري الأجنبي في البلاد، يهدد اتفاق السلام الهش، ويؤجج  مخاوف عودة الاحتراب الأهلي من جديد، والذي قد يتسبب في مزيد من الانقسامات والتجزئة في البلاد على حد وصف ياسمين سوكا؛ رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في جنوب السودان.

التحذيرات الأممية من خطورة انهيار الاتفاق الجنوب سوداني والتي تجددت مؤخرا؛ لم تكن  الأولى من نوعها، فسبق وأن حذرت منظمة (ACLED) المعنية برصد وتحليل بيانات النزاع، في عام 2024، من خطورة الأوضاع في الجنوب السوداني، مؤكدة أنه رغم توقيع اتفاقية سلام في 2018 بعد حرب أهلية مدمرة دامت من 2013 إلى 2018، فإن تنفيذ الاتفاقية مازال بطيئاً ومتعثراً، مع استمرار العنف ضمن مناطق متعددة من البلاد، لافتة إلى أن النزاع السياسي بين القادة الرئيسيين، سلفا كير رئيس جنوب السودان ونائبه رياك مشار، وعدم الثقة بين الأطراف يعزز احتمال تجدد العنف، خاصة مع تأجيل الانتخابات حتى 2026، وتصاعد التوترات المسلحة.

اتفاقية السلام الشامل غيّرت الحسابات السياسية للعديد من الأطراف، لكنها لم تحقق السلام في جنوب السودان، ويتأثر جزء كبير من هذه الحرب بالوكالة والصراع السياسي باحتمال إجراء انتخابات وتشكيل حكومة

أوضحت المؤسسة أنه بعد الحرب الأهلية افتقر السياسيون والجنرالات والمجتمعات المحلية إلى هوية أو حافز موحّد يمكن أن يكمل الاتفاق، وركزوا على تعزيز سلطتهم السياسية، وتقويض منافسيهم، وتنويع ممتلكاتهم الاقتصادية، حيث يستغل مسؤولو الدولة على جميع المستويات مناصبهم لتمويل أنماط الحياة الباهظة وشبكات المحسوبية الكبيرة.

وأشارت إلى أنه نظرًا لأن مشار ينحدر من ولاية الوحدة، ولأن ولايتي الوحدة وأعالي النيل تضمان حقول النفط المربحة في جنوب السودان، فقد أصبحت أعالي النيل الكبرى ساحة قتال وقاعدة مهمة خلال الحرب الأهلية، حيث شكّل كلا الفصيلين تحالفات، وأغروا المنشقين، وعاقبوا المجتمعات المحلية بشكل جماعي، مما ترك جنوب السودان ممزقًا ومُسلّحًا ومُصابًا بالصدمة.

تشير المؤسسة إلى أن اتفاقية السلام الشامل غيّرت الحسابات السياسية للعديد من الأطراف، لكنها لم تحقق السلام في جنوب السودان، ويتأثر جزء كبير من هذه الحرب بالوكالة والصراع السياسي باحتمال إجراء انتخابات، وتشكيل حكومة ما بعد المرحلة الانتقالية في جنوب السودان.

وعطفا على ذلك، يحصر الباحث أحمد عبد الأمير الأنباري، أسباب الصراع في جنوب السودان، في "صراع النخبة جنوب السودانية على السلطة والنفوذ والثروة" مشيرا إلى أن الاختلافات القائمة عمادها الرئيسي الصراع على السلطة والمناصب الحكومية والنفوذ والثروة، وتغليب الولاءات الفرعية على الولاء للمؤسسة والوطن، وأحادية الممارسة الحزبية في أرض الواقع، وتفرد حزب الحركة الشعبية بكل شيء تقريبا، بالإضافة إلى انعدام الثقة بين أغلب الأطراف السياسية في جنوب السودان، وهو ما جعل الصراع مستدام وغير قابل للحل بالمعطيات الحالية.

الكونغو اتفاق هش وواقع قابل للاشتعال

لم يكن جنوب السودان وحده هو الذي يعاني من سلام هش، فرغم ترحيب القوى الدولية والإقليمية بالاتفاق الذي وقع في يوليو/تموز الماضي بين حكومة الكونغو الديمقراطية وحركة "23 مارس" المدعومة من رواندا، إلا أن الأجواء لا تزال ملبدة بغيوم الحرب، حيث تجددت الاشتباكات المسلحة بعد مرور أقل من شهر على توقيع الاتفاق، وهو ما أسفر عن سقوط ضحايا في منطقة نيابورونجو  شرقي البلاد.

تعليقا على تصاعد الأوضاع في شرق الكونغو ذكرت وكالة أسوشيتد برس في تقرير لها أن الواقع في الكونغو هو امتداد لأزمات الصراع المسلح في أفريقيا، فكما لم تنتهِ أزمة جنوب السودان بتوقيع اتفاق سلام، لن تخمد نار الكونغو الديمقراطية بانسحاب المتمردين من المدن، إذ أن الأزمات الأفريقية الكبرى غالبًا ما تدخل مرحلة سبات مؤقت، بانتظار لحظة تُستدعى فيها من جديد، إما لخدمة مشروع سياسي داخلي، أو لأغراض نفوذ إقليمي.

الواقع في الكونغو هو امتداد لأزمات الصراع المسلح في أفريقيا، فكما لم تنتهِ أزمة جنوب السودان بتوقيع اتفاق سلام، لن تخمد نار الكونغو الديمقراطية بانسحاب المتمردين من المدن

توضح الوكالة أن رغم توقيع اتفاق لا تزال مناطق الشرق الكونغولي، خصوصًا إقليم كيفو، نموذجًا للصراع المزمن المرتبط بالمصالح الإقليمية، وذلك كون الجماعات المسلحة هناك تحظى بدعم غير مباشر من رواندا وبوروندي، في تكرار لسيناريو يوظف اللا أمن كسلاح للضغط أو التفاوض أو تقويض السلطة المركزية.

ونقلت الوكالة عن محللين أنه سيكون من الصعب على متمردي حركة "23 مارس" الانسحاب من المدن التي استولوا عليها خلال تقدمهم الكبير هذا العام، وأن هذا الانسحاب قد يستغرق وقتًا طويلاً أو جولة أخرى من القتال، مؤكدة أن رواندا لديها آلاف الجنود الذين يدعمون متمردي حركة "23 مارس" في شرق الكونغو، وأنه حتى لو أنهت رواندا دعمها للمتمردين، فإن الحركة تُعزز قبضتها على المدن التي سيطرت عليها، وتُنشئ مكاتب إدارية محلية، وتُرسي هيكلًا حكم جديد.

وأشارت إلى أن فريقا من خبراء الأمم المتحدة رصد في تقرير له، صدر في ديسمبر/كانون الأول 2025، استفادة رواندا من عمليات تصدير المعادن "بشكل احتيالي" من المناطق الخاضعة لسيطرة حركة "23 مارس"، وهو ما يجعل القضاء على الصراع أمر بالغ الصعوبة، إذ أن هناك أطرافا مستفيدة من بقائه مشتعلا.

نوهت الوكالة إلى أن المفاوضات التي احتضنتها الدوحة ودعمتها واشنطن رغم حالة التفاؤل التي صاحبتها، إلا أنه لم يشترك فيها ممثلين عن الحركة، وفي المقابل تضمنت الاتفاقيات سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على جزء كبير من المعادن النادرة في الكونغو، ما أثار تخوفات السكان المحليين الذين رجحوا استمرار القتال، محذرين من استغلال الولايات المتحدة الصراع الحالي للاستيلاء على الثروات والمعادن في بلادهم.

ليبيا اتفاق على قسمة الأموال وتجميد الأزمة

الحالة ذاتها حاضرة في صراعات الأطراف الليبية، فعلى الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين أطراف الصراع في أكتوبر/تشرين الأول 2020، ووضع تصور نهائي لإنهاء الأزمة بخروج المقاتلين والمرتزقة من البلاد، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، إلا أنه لم يطبق أي من هذه البنود، وسرعان ما عادت البلاد للانقسام من جديد، حيث تسيطر حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا على العاصمة ومواقع في المنطقة الغربية من البلاد، بينما تسيطر قوات الجيش الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر والمتحالفة مع البرلمان على شرق وجنوب البلاد، وعينت حكومة خاصة بها هناك.

ورغم رعاية الأمم المتحدة لعمليات تقريب وجهات النظر فشلت كل المساعي الدولية في إنهاء الانقسام، وفشلت الأطراف المحلية في إطلاق برنامج مصالحة وطنية، إذ سعى كل طرف لإطلاق مشروع مصالحة خاص به، لتبقى الأزمة السياسية والأمنية في البلاد معلقة، على الرغم من اقتسام الحكومتين في الشرق والغرب لموارد النفط في البلاد، حيث يرسل المصرف المركزي الذي تسيطر عليه حكومة طرابلس رواتب ومخصصات مالية لحكومة الشرق، رغم عدم اعتراف الحكومتين ببعضهما.

التدخلات الأجنبية سببا لبقاء الصراعات

عن هذه النماذج المنتشرة في القارة يرى الباحث جاكي تشو، في ورقة بحثية له أن التنافس بين القوى العظمى في أفريقيا أدى إلى استدامة الصراعات، وفرض واقعا محليا ودوليا يتسامح مع الاستخدام المفرط للسلاح، مشيرا إلى أنه مع إعطاء القوى العالمية المتنافسة الأولوية لمصالحها الضيقة تم إضفاء شرعية هادئة على استخدام القوة، وهو ما يجعل من الصعب توجيه النزاعات نحو تسوية تفاوضية، خاصةً عندما تتطلب هذه التسويات انحرافات جوهرية عن المواقف الأولية لأطراف النزاع.

يتفق هذا الطرح مع ما خلصت إليه ورقة بحثية نشرتها مؤسسة السلام العالمي، تحت عنوان "السوق السياسية: إطار عمل ومجموعة أدوات لتحليل السياسات المعاملاتية في البلدان المتضررة من الصراعات"، والتي أكدت أن سبب استدامة الصراعات في القارة هو أن النخب السياسية والعسكرية اعتمدت دوما على العنف والنهب الممنهج، والاستيلاء على الأموال، والدعم من القوى الإقليمية، لا سيما في أوغندا والسودان، وهو ما عزز استمرارية الصراع.

الأزمات الأفريقية الكبرى غالبًا ما تدخل مرحلة سبات مؤقت، بانتظار لحظة تُستدعى فيها من جديد، إما لخدمة مشروع سياسي داخلي، أو لأغراض نفوذ إقليمي

وأوضحت الورقة أنه في جنوب السودان مثلا نجحت النخب في التحول من سياسية منظمة حول عائدات النفط إلى نظام يتم فيه توزيع المناصب والتراخيص على الجهات الفاعلة المحلية، لافتة إلى أنه في الفترة التي سبقت استقلال الجنوب السوداني كان الاقتصاد قائما على النهب والمحسوبية العسكرية، وبعد الاستقلال اعتمدت على عوائد النفط، وسرعان ما عملت الجماعات السياسية المنقسمة على تعبئة الجماعات المسلحة للحصول على مزيد من المكاسب والنفوذ، فلم تنه قرارات الاستقلال وإعلان قيام الدولة الجديدة الأزمة، بل أعيد إنتاجها من قبل فاعلين جدد كانوا حلفاء بالأمس لضمان استمرار السيطرة والنفوذ.

من حكم اللصوص إلى احتكار القلة

الأمر لا يقتصر على جنوب السوادن بل يعيش الصومال أجواء مشابهة، حيث لا يزال يشكل سوقا سياسية غير منتظمة، في ظل نظام فيدرالي ناشئ ومتنازع عليه، وغياب جيش وطني مركزي فعال، ورعاة خارجيين متعددين ذوي مصالح جيوسياسية متباينة، حيث عملت السلطة في مقديشيو دوما على الحفاظ على سيطرة هشة على الساحة السياسية في العاصمة، عبر مزيج من المحسوبية والاتفاقيات مع قوى إقليمية.

وتشير الورقة ذاتها إلى أن ما حدث في كلا من السودان والصومال وجنوب السودان هو تطور في النظام السياسي من "حكم اللصوص" إلى نظم يمكن وصفها على أفضل وجه بأنها "احتكار قلة متنافس" حيث يتم تنظيم المنافسة السياسية النخبوية فيه بشكل غير كامل، مشيرة إلى أن الحالة ذاتها تكررت في الكونغو الديمقراطية التي تمثل حالة من الصراع المستمر للسيطرة على المواقع الرئيسية لتوليد الإيرادات، بما في ذلك مواقع الإنتاج والأسواق والمراكز الحدودية والبنية التحتية والاحتكارات القسرية والإكراه.

النماذج السابقة وإن لم تحصر كل الصراعات المسلحة القائمة في أفريقيا، والتي تصل وفق بعض التقديرات إلى 35 نزاعا مسلحا، منتشرة في دول مثل: بوركينا فاسو، الكاميرون، جمهورية إفريقيا الوسطى، الكونغو الديمقراطية، إثيوبيا، مالي، موزمبيق، نيجيريا، السنغال، الصومال، جنوب السودان والسودان، إلا أن تشير إلى أن أطراف محلية وأخرى دولية كرست جهودها لبقاء هذه الصراعات المدمرة مفتوحة، لتظل أزمات أفريقيا عصية على الحل، وقابلة دوماً للاستثمار.