تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

حرب وطمث: الصراع الصامت على كرامة وصحة الفتيات في السودان

30 مايو, 2026
الصورة
حرب وطمث: الصراع الصامت على كرامة وصحة الفتيات في السودان
Share

تحت وطأة الحرب المشتعلة في السودان، تبرز أزمة صامتة تتجاوز حدود القصف والنزوح المباشر؛ فالإحصاءات الميدانية الصادرة عن مبادرة "فوطة تسد الخانة" في فبراير/شباط 2026 تكشف عن قفزة حادة في أسعار المستلزمات الصحية للنساء، حيث ارتفع سعر علبة الفوط الصحية من خمسة آلاف جنيه سوداني (8.3 دولار) قبل الحرب إلى سبعة آلاف جنيه حاليا (11.6 دولار) في مراكز الإيواء بمدينتي عطبرة وكسلا.

هذا الارتفاع المتسارع، المصحوب بشح حاد في سلاسل الإمداد والتوريد، أدى إلى خروج هذه المواد الحيوية من القدرة الشرائية لآلاف النازحات، مما أجبر الكثير منهن على العودة الاضطرارية لوسائل بديلة وبدائية كاستخدام الأقمشة المستعملة، وذلك في بيئة تفتقر للحد الأدنى من المياه النظيفة والخصوصية اللازمة للتعامل مع هذه الحالة البيولوجية الطبيعية.

تتحرك الخطط الدولية والمحلية للاستجابة الإنسانية ضمن أطر تقليدية تركز على الإغاثة الغذائية والطبية الطارئة، مع إسقاط ملف الصحة الحيضية من أولويات التمويل والتوزيع الميداني. هذا التهميش الإجرائي يتناقض مع معايير منظمة الصحة العالمية التي تصنف الصحة الطمثية بوصفها حقا صحيا أساسيا، يرتبط ارتباطا وثيقا بكرامة المرأة وصحتها الإنجابية والنفسية، حيث يؤدي غياب هذه المستلزمات في بيئات النزوح المكتظة إلى انتشار الالتهابات الجلدية والمسالك البولية، مما يضاعف العبء الطبي على منظومة الرعاية الصحية المتهالكة أساسا جراء الصراع المسلح.

يمثل التوجه نحو الإنتاج المحلي للفوط القماشية القابلة لإعادة الاستخدام خيارا استراتيجيا واعدا، إذ تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الاعتماد على هذه البدائل المحلية يخفض التكلفة الإجمالية بنسبة تصل إلى 90٪ مقارنة بالمنتجات التجارية المستوردة. هذه الفجوة السعرية الضخمة تمنح الأسر النازحة فرصة لإدارة مواردها المالية الشحيحة بكفاءة أكبر، ويضمن استدامة تلبية حاجة النساء والفتيات داخل المخيمات بعيدا عن تقلبات السوق، وأزمات شحن البضائع عبر الولايات المضطربة.

يتعدى مشروع تصنيع الفوط القماشية الجانب الوقائي والصحي ليتحول إلى أداة تمكين اقتصادي واجتماعي داخل مجتمعات النزوح؛ فتحويل مراكز الإيواء إلى ورش صغيرة لإنتاج هذه المستلزمات، يخلق فرص دخل منتظمة للنساء والفتيات من خلال تشغيلهن في عمليات الخياطة والتوزيع. هذا النمط التدويري للاقتصاد المحلي يساهم في بناء قدرات دائرية تحقق الاكتفاء الذاتي للمجتمع النازح، ويمنح النساء دوراً قيادياً في إدارة الأزمة وصناعة الحلول من داخل مراكز اللجوء.

مشاكل الطمث أكثر من مجرد إزعاج

تتجلى الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الأزمة الصامتة في تفاصيل المعاناة اليومية للفتيات النازحات داخل مراكز الإيواء بمدينة كسلا، حيث تفرض البيئة المكتظة وغياب الخصوصية سياجا من الحرج والوصمة الملازمة لعملية بيولوجية طبيعية. تدفع الفتيات، لا سيما المراهقات بعمر خمس عشرة سنة، ثمنا باهظا من سلامتهن النفسية جراء محاولات التكيف القسرية، مثل استخدام الأكياس البلاستيكية مع الأقمشة المستعملة لتفادي الروائح، والاضطرار لغسل هذه البدائل البدائية في الهزيع الأخير من الليل بعيدا عن الأعين. هذا السلوك الاضطراري يولد شعورا دائما بالدونية والاتساخ، مما يعكس عمق الأثر النفسي الذي يخلّفه غياب مستلزمات الصحة الحيضية الآمنة، حيث يتحول الصمت المفروض اجتماعيا إلى غطاء لتفاقم المعاناة والأمراض دون بواكي.

تتجاوز هذه الأزمة حدود الإزعاج العابر لتتحول إلى مهدد صحي مباشر، إذ يشكل استخدام القماش القديم والمكرر في بيئة تفتقر للمياه النظيفة والصرف الصحي الآمن مدخلا رئيسيا للإصابة بالتهابات الجهاز البولي والتناسلي والعدوى الفطرية الحادة. في حين تصنف هذه الاعتلالات كأعراض بسيطة وقابلة للعلاج في الظروف الطبيعية، فإنها تتحول في سياق النزوح إلى معاناة مزمنة ومهددة للحياة الإنجابية؛ نتيجة الازدحام الشديد في العيادات الميدانية الشحيحة، والافتقار التام للأدوية والمضادات الحيوية والمطهرات الأساسية بفعل تداعيات الحرب وتدمير البنية التحتية الطبية.

تتحول أبسط الحقوق البيولوجية الطبيعية إلى عبء مادي ونفسي ثقيل... حيث يتحول الصمت المفروض اجتماعياً إلى غطاء لتفاقم المعاناة والأمراض دون بواكي

يمتد هذا الخلل البنيوي ليعصف بالفرص التعليمية المتبقية للفتيات في مناطق النزوح، حيث ترتبط معدلات التسرب المدرسي ارتباطا وثيقا بغياب إدارة النظافة الطمثية. تُظهر التقارير الصادرة عن منظمة اليونيسف حول التعليم في حالات الطوارئ في السودان، مدعومة بتجارب من سياقات نزاع مشابهة، أن الفتيات يغبن عن المؤسسات التعليمية المؤقتة لمدد تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام شهريا خلال فترة الحيض، وهو ما يفضي في نهاية المطاف إلى انقطاعهن التام عن الدراسة. وفي بلد أدت الحرب فيه إلى خروج غالبية المدارس عن الخدمة، يمثل فقدان أي يوم دراسي إضافي تعميقا للأمية، وتكريسا لعدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي جراء تداخل العجز المادي مع الوصمة الاجتماعية والخجل.

تظهر المفارقة الاقتصادية بوضوح في المقارنة بين كلفة تجاهل هذه الاحتياجات وحجم الإنفاق الإنساني، إذ تفوق الكلفة المالية والطبية لعلاج التهاب صحي واحد في المراكز الطبية المتهالكة قيمة توفير فوط قماشية مستدامة وقابلة لإعادة الاستخدام لعام كامل. يعود هذا الاختلال إلى النظرة القاصرة لخطط التمويل الإنساني الدولي والمحلي، التي لا تزال تصنف الصحة الحيضية ضمن فئة "الكماليات" أو المساعدات الثانوية، متجاهلة المعايير الصارمة لمنظمة الصحة العالمية التي تجعل من الوصول للمواد النظيفة، والماء، والمعلومات الطبية، حزمة متكاملة من الحقوق الأساسية المقترنة بكرامة الإنسان وبقائه.

لماذا فشلت السوق والمساعدات؟

تتضافر عدة عوامل بنيوية لتفسير الإخفاق المزدوج لآليات السوق الحرة ومنظومات الإغاثة الدولية في احتواء هذه الأزمة، ويأتي في مقدمة تلك العوامل الانهيار الشامل الذي أصاب سلاسل الإمداد والتوريد الوطنية؛ إذ أدى تركز العمليات العسكرية في العاصمة الخرطوم إلى التوقف الكامل للمصانع المحلية التي كانت تغذي السوق المحلية بهذه المستلزمات، بالتزامن مع تحول الطرق البرية الرابطة بين الولايات إلى مسارات عالية المخاطر وغير آمنة.

فرض هذا الواقع الجيوسياسي تكاليف نقل باهظة ومضاعفة نتيجة تعدد نقاط التفتيش والجبايات، فضلا عن البطء الشديد في حركة البضائع، مما حوّل الفوط الصحية المستوردة إلى سلعة نادرة وشحيحة، يخضع تسعيرها لآليات العرض والطلب الاحتكارية في أسواق محلية معزولة ومقطوعة عن خطوط الإمداد الطبيعية.

يبرز القصور في الاستجابة الإنسانية الدولية كعامل ثانٍ لتعميق الفجوة، ويعود ذلك أساسا إلى الاختلال في التصنيف الإجرائي للمواد الإغاثية لدى الوكالات الدولية؛ حيث تُدرج الفوط الصحية ضمن الفئات الفرعية لـ "مستلزمات النظافة الشخصية" الثانوية، بدلاً من وضعها في قوائم "المواد الطبية والصحية الأساسية المنقذة للحياة". وترتب على هذا التصنيف الهامشي جعل مستلزمات الصحة الطمثية آخر البنود المرشحة للتمويل في خطط الطوارئ، وأولى المواد المستبعدة والمحذوفة عند حدوث أي عجز في الميزانيات الممنوحة من المانحين، فضلاً عن أن عمليات التوزيع شابتها تذبذبات حادة، إذ تُقدّم المساعدات بصورة متقطعة كحملات لمرة واحدة، في حين أن الحاجة البيولوجية للنساء ذات طبيعة دورية وشهرية متكررة تتطلب تدفقاً مستداماً لا ينقطع.

إذا كان الصراع المسلح يملك القدرة على تعطيل مشاريع البنية التحتية وإعادة بناء المدارس والجسور، فإنه لا يملك الشرعية الأخلاقية لتأجيل المتطلبات الحيوية لنصف المجتمع

على الرغم من قتامة المشهد، تشهد الساحة الميدانية محاولات ومبادرات متعددة تقودها جهات دولية ومحلية للحد من تداعيات الأزمة، حيث نفذت منظمة اليونيسف عمليات توزيع واسعة النطاق لمستلزمات النظافة في ولايات عدة أبرزها: نهر النيل (عطبرة) وكسلا، بالتزامن مع بزوغ مبادرات مجتمعية محلية كمبادرة "فوطة تسد الخانة" التي ركزت جهودها على مكافحة ظاهرة "فقر الدورة الشهرية" وتأمين الفوط التجارية للنازحات، إلى جانب الدور التنموي المتقدم الذي لعبته "منظمة كنداكة" عبر إطلاق مشاريع نوعية لتصنيع وتوزيع الفوط الصحية المستدامة القابلة لإعادة الاستخدام لحماية الصحة العامة وصون الكرامة الإنسانية.

مع ذلك، تظل هذه الجهود عاجزة عن سد الفجوة؛ إذ تشير التقارير الميدانية الصادرة عن منظمة كنداكة في أغسطس/آب 2025 إلى أن إجمالي الكميات الموزعة عبر كافة هذه المنصات المجتمعية والمنظمات الدولية لا يتجاوز حاجز الـ 15٪ من الفعلي للاحتياج الشهري العام، مما يترك الغالبية العظمى من النساء خارج مظلة الحماية الصحية.

يأتي غياب البيانات الإحصائية والمسوحات الوطنية المحدثة ليمثل العقبة الأكبر أمام إيجاد حلول جذرية لهذه المعضلة؛ فظروف الحرب الدائرة فرضت شللاً تاماً على الأجهزة الإحصائية الرسمية والمراكز البحثية، مما أدى إلى انعدام وجود أي مؤشرات أو أرقام دقيقة تقيس بدقة النسبة المئوية للفتيات والنساء اللاتي يفتقرن لمواد الإدارة الصحية للحيض في السودان حالياً. هذا الفراغ المعلوماتي يحرم المدافعين عن حقوق المرأة والمنظمات الإنسانية من امتلاك الحجج الرقمية والبيانات الدامغة اللازمة لإقناع المانحين الدوليين وصناع القرار باعتبار هذا الملف أولوية صحية وطبية طارئة تستدعي التمويل السريع، بدلاً من التعامل معها كقضية اجتماعية ثانوية أو شأن خاص يمكن إرجاء النظر فيه.

حلول ومسؤوليات

يمثل التوسع الممنهج في تكنولوجيا تصنيع الفوط القماشية القابلة لإعادة الاستخدام أحد أكثر الحلول استدامة وكفاءة في مواجهة فقر الدورة الشهرية بمراكز النزوح؛ إذ لا تتجاوز التكلفة الإجمالية لإنتاج القطعة الواحدة حاجز الـ 1,500 جنيه سوداني عند الاعتماد على القطن المحلي والمواد الخام المتوفرة في الأسواق الإقليمية البسيطة.

تكمن الميزة الاقتصادية لهذه البدائل في قدرتها على الصمود والاستخدام المتكرر لمدة تصل إلى عام كامل، الأمر الذي يفضي إلى خفض الإنفاق الشهري الموجه لهذه الحاجة البيولوجية من سبعة آلاف جنيه للعبوة التجارية إلى أقل من ألف جنيه سوداني فقط، وتؤكد التجارب الميدانية الناجحة في مخيمات اللاجئين بدولتي أوغندا وكينيا صوابية هذا الخيار، شريطة اقترانه ببرامج تدريبية مكثفة حول النظافة الآمنة، وتشييد بنية تحتية موازية توفر مساحات مخصصة ومستورة لعمليات الغسيل والتجفيف، بما يضمن صون الخصوصية والكرامة الإنسانية للفتيات.

يتكامل هذا المحور الاقتصادي مع ضرورة تفعيل وتشجيع نمط الإنتاج المحلي الصغير داخل المجتمعات المستضيفة ومخيمات اللجوء، عبر تحويل ورش الخياطة النسائية ومراكز التدريب المهني القائمة في مدن مثل: بورتسودان وكسلا إلى وحدات إنتاجية مرنة ومتخصصة في صناعة الفوط القماشية.

إن المعركة الحقيقية في السودان اليوم لا تُدار على جبهات القتال فحسب، بل في تفاصيل المعاناة اليومية لآلاف النساء والفتيات داخل مراكز الإيواء... فالاستثمار في حماية صحة وكرامة الفتيات النازحات اليوم هو الاستثمار الحقيقي والمباشر في قدرة المجتمع السوداني على الصمود والتعافي

يتطلب هذا التحول تقديم حزم دعم لوجستي وتقني ميسرة تشمل توفير ماكينات الخياطة الأساسية والمواد الأولية، مما يضمن توليد فرص دخل منتظمة ومستدامة للنساء والفتيات النازحات، ويحقق في الوقت ذاته الاكتفاء الذاتي للمجتمع المحلي من هذه السلع الحيوية، بعيداً عن الارتهان لتقلبات الاستيراد الخارجي والتعقيدات الأمنية لخطوط الشحن الدولي والولائي.

في موازاة الجهد الإنتاجي، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني في سد الفجوة المعرفية والتوعوية، حيث تمتلك الجامعات السودانية وكليات التمريض والعلوم الصحية قدرات بشرية وتنظيمية هائلة تتيح لها قيادة حملات التوعية الصحية المجتمعية عبر شبكات الطلاب والمتطوعين، على غرار النجاحات المحققة سابقاً في حملات مكافحة الأوبئة والكوليرا.

يتزامن هذا التحرك المعرفي مع ضرورة إحداث اختراق حاسم على صعيد السياسات الإنسانية من خلال الإدراج الفوري والعلني لملف الصحة الحيضية ضمن حزمة الاستجابة الصحية العاجلة والمنقذة للحياة في السودان؛ إذ إن تضمين هذا البند في المعايير الدنيا للخدمات الطبية الطارئة لوكالات الأمم المتحدة كمنظمة الصحة العالمية واليونيسف يفرض طابعاً إلزامياً وآليات محاسبة واضحة على الجهات التمويلية والتنفيذية، مما يخرج هذه الاحتياجات من دائرة التهميش والإقصاء بداخل خطط الطوارئ الدولية.

تؤكد المعطيات الراهنة أن صون الكرامة الإنسانية وحماية الحقوق الصحية والجسدية للنساء لا يمكن إرجاؤها أو رهنها بوضوح المسارات السياسية أو وضع أوزار الحرب الدائرة؛ فإذا كان الصراع المسلح يملك القدرة على تعطيل مشاريع البنية التحتية وإعادة بناء المدارس والجسور، فإنه لا يملك الشرعية الأخلاقية لتأجيل المتطلبات الحيوية لنصف المجتمع. إن كل يوم يمر دون صياغة حلول عملية ومستدامة للصحة الطمثية في السودان يمثل استنزافاً مستمراً وهدراً للمستقبل الصحي والنفسي والتعليمي لجيل كامل من الفتيات، وهو هدر لا يمكن تعويضه أو تدارك آثاره الكارثية لاحقاً عند بدء مرحلة التعافي الوطني الشامل.

إن توافر الحلول البديلة والمنخفضة التكلفة والمجربة سلفاً في سياقات نزاع مشابهة كالطرح المعمول به في اليمن وجنوب السودان، ينفي وجود أي مبررات تقنية أو مالية لاستمرار هذه الأزمة الصامتة، ويضع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.

يتلخص المطلوب اليوم في الانتقال من مربع التجاهل والوصمة الاجتماعية إلى مربع الاعتراف المؤسسي بهذه القضية بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الصحة العامة، وتوجيه التمويل اللازم نحو دعم الفوط القماشية والإنتاج المحلي، فالاستثمار في حماية صحة وكرامة الفتيات النازحات اليوم هو الاستثمار الحقيقي والمباشر في قدرة المجتمع السوداني على الصمود والتعافي وبناء مستقبل سليم وقائم على العدالة والمساواة.

إن المعركة الحقيقية في السودان اليوم لا تُدار على جبهات القتال فحسب، بل في تفاصيل المعاناة اليومية لآلاف النساء والفتيات داخل مراكز الإيواء، حيث تحولت أبسط الحقوق البيولوجية الطبيعية إلى عبء مادي ونفسي ثقيل. إن الاستمرار في تصنيف الصحة الحيضية كقضية ثانوية أو "رفاهية مؤجلة" وسط الحروب هو تكريس لانتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، وتدمير ممنهج للمستقبل الصحي والتعليمي لنصف المجتمع الذي يقع عليه عبء إعادة البناء والتعافي.

لقد أثبتت المعطيات الميدانية أن الحلول المستدامة والمنخفضة التكلفة، مثل دعم وتوطين صناعة الفوط القماشية وإدماجها في خطط الإغاثة العاجلة، ليست مجرد أفكار نظرية، بل هي أدوات تمكين حاسمة وقابلة للتطبيق الفوري. إن الانتقال من نمط الإغاثة التقليدي القائم على الوصاية والتجاهل، إلى نمط يستجيب للاحتياجات الجندرية الفعلية، هو الخطوة الأولى نحو بناء استجابة إنسانية عادلة ومنصفة، تضمن ألا تُدفع الفتيات النازحات ثمن حرب لم يخترنها، من صحتهن وكرامتهن الإنسانية.