الأربعاء 12 أغسطس 2026
أثارت اتهامات أطلقتها روسيا ضد أوكرانيا بشأن النزاع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ردود فعل متباينة اتسمت بالنفي من الجانب الأوكراني والصمت من أطراف أخرى، في تطور يعكس انتقال التنافس الجيوسياسي بين موسكو وكييف إلى الساحة الأفريقية. وجاءت هذه الاتهامات في وقت يشهد فيه شرق الكونغو محاولات لإرساء وقف لإطلاق النار بين الحكومة الكونغولية وتحالف AFC/M23، بينما تتزايد المخاوف من تدويل الصراع عبر إدخال أطراف خارجية في الخطاب السياسي والدبلوماسي.
كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد صرح، خلال زيارته إلى بوروندي ضمن جولته الأفريقية، بأن أوكرانيا تدعم مجموعات مسلحة تقاتل في شرق الكونغو الديمقراطية، وذكر بالاسم تحالف AFC/M23، معتبراً أن كييف تسعى إلى زعزعة استقرار الدول الأفريقية الصديقة لروسيا. إلا أن لافروف لم يقدم أدلة أو وثائق تدعم هذه الاتهامات، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار التصريحات جزءاً من السجال السياسي الدائر بين موسكو وكييف على خلفية الحرب في أوكرانيا.
وردت وزارة الخارجية الأوكرانية سريعاً على هذه التصريحات، إذ وصف المتحدث باسمها هيورهي تيخي الاتهامات بأنها "دعاية صادرة عن الكرملين" و"لا تستند إلى أي أساس واقعي". وأكد أن أوكرانيا لا تقدم أي دعم عسكري أو لوجستي لحركة AFC/M23 أو لأي جماعة مسلحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مشدداً على أن سياسة كييف تقوم على احترام سيادة الدول الأفريقية وعدم التدخل في نزاعاتها الداخلية. كما اتهم المسؤول الأوكراني موسكو بمحاولة تصدير خطابها الدعائي إلى القارة الأفريقية وتحويل الأنظار عن دورها في النزاعات الدولية.
في المقابل، التزمت الحكومة الكونغولية قدراً كبيراً من الحذر إزاء هذه الاتهامات. فلم تصدر كينشاسا بياناً يؤيد الرواية الروسية أو يؤكد وجود أي دور أوكراني في النزاع، بينما واصلت التأكيد على موقفها المعروف بأن الدعم الخارجي الرئيسي الذي يستفيد منه تحالف AFC/M23 يأتي من رواندا، وهو الاتهام الذي تكرره السلطات الكونغولية منذ سنوات وتدعمه تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، في حين تواصل كيغالي نفي هذه الاتهامات.
يشير محللون إلى أن غياب أي أدلة علنية تدعم المزاعم الروسية يضعف من مصداقيتها في الوقت الراهن، خاصة أن التقارير الدولية الصادرة عن فريق خبراء الأمم المتحدة ركزت خلال الأعوام الأخيرة على الدعم العسكري واللوجستي الذي تقول إنه يصل إلى حركة M23 من الأراضي الرواندية، ولم تتحدث عن أي مشاركة أوكرانية في النزاع. كما أن بعثات الأمم المتحدة العاملة في شرق الكونغو لم تعلن امتلاكها معلومات تشير إلى وجود مقاتلين أو مستشارين أوكرانيين ضمن صفوف الحركة المسلحة.
يرى خبراء في الشؤون الأفريقية أن التصريحات الروسية تأتي في سياق أوسع من التنافس الدولي على النفوذ داخل أفريقيا، حيث تسعى موسكو إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني في القارة، بينما تعمل أوكرانيا منذ عام 2022 على توسيع علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأفريقية وكسب دعمها في المحافل الدولية. ومن هذا المنطلق، يعتبر بعض المراقبين أن ربط أوكرانيا بالنزاع في شرق الكونغو يهدف إلى التأثير في صورتها لدى الحكومات والرأي العام الأفريقي أكثر من كونه يستند إلى معطيات ميدانية مثبتة.
يأتي هذا الجدل في مرحلة حساسة تشهد فيها المنطقة جهوداً إقليمية ودولية لإحياء العملية السياسية بين الحكومة الكونغولية وتحالف AFC/M23، عقب الاتفاق على آليات لمراقبة وقف إطلاق النار برعاية قطرية وإقليمية. ويحذر دبلوماسيون من أن إدخال الصراع الروسي الأوكراني إلى ملف شرق الكونغو قد يزيد من تعقيد الأزمة، ويحول النزاع المحلي إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الدولية، في وقت لا تزال الأولوية بالنسبة للسلطات الكونغولية تتمثل في تثبيت الهدنة، وإعادة النازحين، واستعادة الأمن في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو.