تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

حرب التأشيرات بين مقديشو وهرجيسا: فصل جديد من الصراع على السيادة

24 نوفمبر, 2025
الصورة
حرب التأشيرات بين مقديشو وهرجيسا: فصل جديد من الصراع على السيادة
Share

عاد التوتر بين مقديشو وهرجيسا إلى الواجهة في الآونة الأخيرة، ليطل هذه المرة في هيئة "حرب تأشيرات" ومعركة على حركة الطيران، يحاول فيها كل طرف استعراض ما يملك من نفوذ، وإظهار قدرته على التحكّم في حركة الناس وفي الأجواء التي تعبرها الطائرات. تراهن الحكومة الفدرالية في الصومال عبر هذه السياسة على تحقيق حزمة متشابكة من الأهداف؛ تجمع بين البحث عن موارد مالية إضافية من جهة، وتوسيع قبضتها على منافذ السفر واستخدام الأجواء والمطارات في الإقليم الذي كان يُعرف تاريخياً باسم "الصومال"، رغم أنّ سلطتها الفعلية لا تمتد اليوم إلا إلى جزء محدود من أراضيه.

انعكس هذا التصعيد الجديد مباشرة على حركة الطيران المتنازع عليها بين الصومال وصوماليلاند، وأثار في الوقت نفسه مخاوف أمنية جدّية بشأن سلامة البيانات الشخصية للمسافرين، بعد اختراق نظام التأشيرة الإلكترونية الذي فرضته مقديشو، في اعتراف رسمي نادر بحجم الثغرات الرقمية في هذا النظام. وهكذا تحوّل الخلاف حول السفر والرحلات الجوية إلى جزء عضوي من صراع أوسع على مفهوم السيادة، ذلك المفهوم الذي يقف في صلب النزاع والتجاذبات المستمرة بين الطرفين.

خلفية تاريخية لصراع السيادة

على مدى أربعةٍ وثلاثين عاماً ظلّ النزاع على السيادة بين هرجيسا ومقديشو بلا تسوية حقيقية، يتصاعد حيناً ويهدأ حيناً آخر، ويتبدّل في كل مرحلة شكلاً ومضموناً. فمنذ عام 1991، العام الذي أعلنت فيه صوماليلاند استعادة استقلالها السياسي بالتوازي مع انهيار الدولة المركزية في الصومال، شرعت هرجيسا في ترسيخ مقوّمات كيان سياسي مستقل؛ وشرعت في بناء مؤسسات حكومية، وإرساء نظام سياسي فعّال وديمقراطي نسبيا، وفتح مسارات للمصالحة المجتمعية، وصياغة سردية سياسية متماسكة تبرّر حقّها في الاستقلال.

ومع مرور الوقت، بدأ بعض الباحثين والمراقبين الدوليين يتعاملون مع صوماليلاند كدولة أمر واقع (de facto state)، رغم غياب الاعتراف الرسمي بها من أي دولة عضو في الأمم المتحدة أو منظمات دولية كبرى. ويمكن الوقوف على هذا التوصيف في تقارير عدة، منها دراسة مجلس العلاقات الخارجية الأميركي عن صوماليلاند.

وجدت المنطقة نفسها أمام معادلة شاذة تُفضي بسيادة قانونية بلا أرض تمثّلها مقديشو، في مقابل سيادة فعلية بلا اعتراف دولي تجسّدها هرجيسا، وهي معادلة أبقت صراع السيادة مفتوحاً على الدوام، يَنبعِث مع كل تطوّر جديد

في المقابل، ظلّت الصومال، التي خرجت فعلياً من المشهد منذ لحظة سقوط نظامها مطلع التسعينيات، عاجزة عن إعادة بناء دولة مركزية، على الرغم من الدعم الدولي الكثيف، وخطط إعادة الإحياء المتلاحقة. فقد عاشت البلاد عقدين من "الحالة الانتقالية" تحت مظلة الحكومات المؤقتة والمواثيق المرحلية، قبل أن يُعلن رسمياً في 2012 عن نهاية المرحلة الانتقالية، واعتماد خارطة طريق جديدة لبناء مؤسسات دائمة.

بعد أربعة وثلاثين عاماً، لا تزال مؤسسات الدولة الفدرالية في مقديشو تكافح لتثبيت وجود فعلي، يضمن الحد الأدنى من الاستقرار والاستمرارية، بينما لم تتوقف مقديشو يوماً عن المطالبة بالسيادة القانونية على صوماليلاند، مستثمرة عضويتها في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وبعض المنظمات الإقليمية والدولية لتأكيد هذه المطالبة، وتكريسها في الخطاب الرسمي العالمي.

لكن الصومال، لم ينجح على امتداد هذه السنوات، في تحويل سيادته المعلنة على الورق إلى سيطرة فعلية على كامل الأراضي التي يدّعيها، فيما تمكنت صوماليلاند، رغم شحّ مواردها، من فتح قنوات خارجية نشطة، وبناء شبكة من العلاقات العملية مع عدد من العواصم والمنظمات. غير أنّ هذه الدينامية لم تُترجم إلى اعتراف دولي مكتمل بسيادتها في المؤسسات الأممية، فظلّ ملفها عالقاً من دون حسم. وهكذا وجدت المنطقة نفسها أمام معادلة شاذة تُفضي بسيادة قانونية بلا أرض تمثّلها مقديشو، في مقابل سيادة فعلية بلا اعتراف دولي تجسّدها هرجيسا، وهي معادلة أبقت صراع السيادة مفتوحاً على الدوام، يَنبعِث مع كل تطوّر جديد.

آخر تجلّيات هذا الصراع هو الوجه المرتبط بالتأشيرات والرحلات الجوية، الذي بلغ ذروته خلال العامين الماضيين. ويمكن إرجاع جذور هذا المسار إلى ما بعد 2012، حين خرجت الصومال رسمياً من المرحلة الانتقالية بعد عقدين من الحكومات المؤقتة والهياكل الهشة، لتبدأ بعدها نقاشات متصاعدة حول ضرورة استعادة الحكومة الفدرالية جانباً من صلاحيات السيادة، وفي مقدّمتها إدارة المجال الجوي وحركة الطيران.

من "الترتيب الخاص" إلى صراع الأجواء والموانئ

عام 2013 أعلن وزير الطيران في صوماليلاند آنذاك، محمود حاشي عبدي، التوصل إلى تفاهم مع مقديشو بشأن إدارة المجال الجوي؛ ينصّ على إنشاء لجنة فنية مقرّها هرجيسا تتولى الإشراف على الأجواء، على أن يُقسَّم الدخل المتأتي من رسوم عبور الطائرات مناصفة بين الجانبين. واستناداً إلى هذا التفاهم، تراجعت هرجيسا عن خطوة تصعيدية سابقة تمثلت في منع الأمم المتحدة من استخدام مطاراتها، احتجاجاً على تسليم إدارة المجال الجوي للصومال، بحسب روايتها الرسمية.

غير أن الاتفاق الذي جرى الترويج له بوصفه اختراقاً سياسياً وقانونياً لصالح صوماليلاند، لم يُفعّل عملياً كما أُعلن، وسرعان ما تحوّل إلى محور رئيسي لاتهامات سياسية، وُجّهت إلى حكومة هرجيسا في ذلك الوقت وإلى الوزير نفسه، بدعوى أن ما حدث منح مقديشو منفذاً لتكريس قبضتها القانونية على إدارة الأجواء.

ترتبط هذه الاتهامات، على مستوى أعمق، بفكرة أن صوماليلاند سهّلت – عن قصد أو من دونه – توسيع دائرة السيادة الصومالية منذ اللحظة التي خرجت فيها الحكومة الفدرالية من المرحلة الانتقالية. ففي تلك اللحظة شاركت هرجيسا، للمرة الأولى في تاريخها، في مؤتمر دولي مخصّص لمستقبل الصومال هو "مؤتمر لندن" عام 2012، الذي أعلن إنهاء المرحلة الانتقالية، ونصّ صراحة على حضور وفد صوماليلاند والدعوة إلى فتح حوار بينها وبين مقديشو لمعالجة الخلافات القائمة، كما يرد في بيان المؤتمر.

ورغم جلوس وفد صوماليلاند في قاعة منفصلة، ومنح رئيسها آنذاك أحمد محمد سيلانيو فرصة لإلقاء كلمة بسط فيها قضية الكيان الذي يمثّله، فإن طبيعة المؤتمر وبيانه الختامي جاءا منسجمين مع رؤية دولية تدعم خطة متكاملة لإعادة بناء الدولة الصومالية، وتعزيز سيادتها ووحدتها القانونية؛ وهي رؤية تعارضها هرجيسا من حيث المبدأ. وبحسب قطاع واسع من معارضيها في الداخل، أسهمت مشاركة صوماليلاند في ذلك المؤتمر في إضعاف موقفها التقليدي الرافض للوحدة، ووفّرت لمقديشو فرصة لاستعادة جزء من شرعيتها القانونية على كامل الإقليم، بما في ذلك أراضي صوماليلاند نفسها.

أصدرت قرارات تُلزم شركات الطيران بالحصول على موافقة مسبقة على الرحلات التي تعبر أجواءها أو تهبط في مطاراتها، الأمر الذي أعاد حالة عدم اليقين إلى ملف الرحلات الجوية، في ظل تنازع مقديشو وهرجيسا على صلاحية إدارة المجال الجوي

منذ ذلك الحين أخذت قدرة الصومال على ممارسة سيادتها تتسع تدريجياً، بما أتاح لها التدخل في ملفات تمسّ صوماليلاند مباشرة، واتخاذ إجراءات تحدّ من هامش مناورتها. وفي كل مرة كانت هرجيسا تجد نفسها في مواجهة أزمة جديدة، كان يتم ترحيل الحل في الغالب إلى تفاهمات مؤقتة، تخفف حدّة التوتر لوقت محدود، سواء في مواجهة المجتمع الدولي أو في علاقتها مع مقديشو. على هذا النحو جرى التعامل مع ما عُرف بـ"الترتيب الخاص بصوماليلاند" في ما يتصل بالمساعدات الدولية، وكذلك مع الاتفاق الأولي حول إدارة المجال الجوي والرحلات، وهما مساران عملت مقديشو لاحقاً على تقويضهما.

ورغم أن النزاع حول الأجواء ينطوي في جوهره على بُعد سيادي واضح، فإن وجهه الأبرز كان اقتصادياً؛ إذ احتكرت الحكومة الفدرالية في مقديشو عائدات الرسوم التي تدفعها شركات الطيران مقابل استخدام المجال الجوي. وتفاقم الخلاف إلى مستوى أكثر حدّة مطلع عام 2024، عندما منعت السلطات الصومالية، للمرة الأولى، طائرة تابعة للخطوط الجوية الإثيوبية من دخول أجوائها، في طريقها إلى هرجيسا، وهي تقلّ وفداً إثيوبياً رفيع المستوى.

لم تكن تلك الواقعة حادثة معزولة عن سياقها، بل حلقة في سلسلة أوسع من التوترات الدبلوماسية المتصلة بملف السيادة؛ إذ جاءت على خلفية التفاهم المثير للجدل الذي توصلت إليه صوماليلاند مع إثيوبيا في مطلع عام 2024، والذي أعلن فيه عن مذكرة تفاهم تمنح أديس أبابا حق الوصول إلى البحر عبر استئجار شريط ساحلي من صوماليلاند، وإقامة منشآت عسكرية وتجارية هناك، مقابل تعهّد إثيوبي بالمضي نحو الاعتراف باستقلال صوماليلاند في المستقبل.

من جانبها، اعتبرت الحكومة الصومالية في مقديشو هذا الاتفاق انتهاكاً صارخاً لسيادتها ووحدة أراضيها، واستدعت سفيرها من أديس أبابا، وأطلقت حملة دبلوماسية في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لرفض الاتفاق. وقد دفع هذا التفاهم النزاع حول المجال الجوي إلى مستويات غير مسبوقة من التصعيد، وأضفى على الأجواء المشتركة بين الطرفين طابعاً متفجّراً، حتى بلغ الأمر حدّ تعريض سلامة الملاحة الجوية للخطر، بعدما أشارت تقارير ملاحية إلى وقوع حوادث كادت فيها طائرات مدنية تابعة للخطوط القطرية والإثيوبية، بعدما تلقت تعليمات متعارضة من مراكز مراقبة مختلفة في المنطقة.

اختراق نظام التأشيرة الإلكترونية

في سبتمبر/ أيلول من العام الجاري، خطت الصومال خطوة جديدة صعّدت منسوب التوتر، حين فرضت نظاماً يلزم كل من يرغب في السفر إليها – بما في ذلك المسافرون إلى صوماليلاند عبر مطاراتها – بالحصول مسبقاً على تأشيرة إلكترونية قبل صعود الطائرة. ورأى كثيرون أن القرار تحكمه بالدرجة الأولى اعتبارات مالية، إذ يوفّر للحكومة الصومالية مورداً إضافياً للدخل، وفي الوقت نفسه يتيح لها عملياً التحكّم في هوية من يدخل إلى صوماليلاند عبر المجال الجوي الصومالي، بما يعني إدارة حركة السفر إلى مطار هرجيسا بصورة غير مباشرة.

جوهرياً، فُهمت هذه الخطوة كوجه جديد من أوجه صراع السيادة المتعدّد المستويات، وهو ما يبدو أن صوماليلاند استوعبته سريعاً، وتعاملت معه على هذا الأساس؛ فسارعت هرجيسا إلى اتخاذ إجراءات مضادة، رافضة الاعتراف بنظام التأشيرة الإلكترونية، مع التأكيد على تمسّكها بنظام التأشيرة عند الوصول الذي تديره سلطاتها في المطارات. وبالتوازي، أصدرت قرارات تُلزم شركات الطيران بالحصول على موافقة مسبقة على الرحلات التي تعبر أجواءها أو تهبط في مطاراتها، الأمر الذي أعاد حالة عدم اليقين إلى ملف الرحلات الجوية، في ظل تنازع مقديشو وهرجيسا على صلاحية إدارة المجال الجوي.

لكن الصومال، لم ينجح على امتداد هذه السنوات، في تحويل سيادته المعلنة على الورق إلى سيطرة فعلية على كامل الأراضي التي يدّعيها، فيما تمكنت صوماليلاند، رغم شحّ مواردها، من فتح قنوات خارجية نشطة، وبناء شبكة من العلاقات العملية مع عدد من العواصم والمنظمات

مجدداً، انعكس هذا الصراع مباشرة على حركة الطيران في الأجواء المتنازع عليها؛ إذ أظهرت الصومال – التي يعترف بها المجتمع الدولي باعتبارها الدولة ذات السيادة رسمياً – عجزاً واضحاً عن إدارة ملف الطيران بصورة مهنية وآمنة، بعد أن تعرّض نظام التأشيرة الإلكترونية لاختراق واسع، كشفت عنه وسائل الإعلام الدولية خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2025. فقد أكدت "وكالة الهجرة والجنسية" في الصومال وقوع اختراق لمنصّة التأشيرات، ما أدى إلى تسريب بيانات شخصية لعشرات الآلاف من المسافرين.

نتيجة لذلك، سارعت دول غربية، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى إصدار تحذيرات لمواطنيها من السفر إلى الصومال، مستندة إلى فشل المنظومة الإلكترونية في حماية بيانات المتقدمين. وقد نقلت وسائل إعلامية عن السفارة الأميركية في مقديشو تقديرها أن بيانات ما لا يقل عن 35 ألف متقدّم قد تكون تعرّضت للاختراق.

في المقابل، استثمرت صوماليلاند سيطرتها الفعلية على المطارات والمنافذ البرية لتعزيز موقعها في ملف الطيران نفسه؛ فالمطارات، تقنياً وأمنياً، تشكّل ركناً محورياً في سلامة الملاحة الجوية، إذ تحتاج الطائرات في أي لحظة إلى مطارات بديلة للطوارئ أو الصيانة أو التزوّد بالوقود. ومع تصاعد التوتر، عبّرت بعض شركات الطيران عن قلق حقيقي من استخدام الأجواء المتنازع عليها بالكامل، خشية أن تتحوّل إلى رهينة مباشرة لهذا التجاذب السياسي والأمني بين الطرفين، في نزاع تتداخل فيه حسابات السيادة مع المصالح الاقتصادية والاصطفافات الإقليمية.

في الخلاصة، لا تبدو "حرب التأشيرات" وما يرافقها من شد وجذب حول حركة الطيران سوى فصلا جديدا من فصول صراع السيادة المؤجَّل بين هرجيسا ومقديشو؛ صراع يبدّل أدواته وأشكاله في كل مرة، فيما يبقى جوهره واحداً. فالاقتصاد، والعلاقات الخارجية، وإدارة المجال الجوي والموانئ والمطارات ليست إلا واجهات مختلفة لمعركة أعمق، تخوضها مقديشو لتكريس رؤيتها لوحدة الدولة الصومالية وحدودها، في مواجهة مشروع صوماليلاند الساعي إلى ترسيخ وجوده الواقعي عبر تراكم اعترافات وتفاهمات إقليمية ودولية.

من المرجّح أن يستمر هذا النزاع في التصاعد ما دامت صوماليلاند متشبثة بقرارها الخروج من وحدة سريعة وملتبسة عقدتها مع الصومال في الأول من يوليو/ تموز 1960، وما دامت مقديشو بدورها متمسكة بسردية تلك الوحدة بوصفها أساس الشرعية وحدود الدولة، رغم أن العمر الزمني لتلك الوحدة أقصر من عمر الواقع السياسي الذي تبلور على الأرض منذ عام 1991 حتى اليوم. وفي ظل غياب أفق تفاوضي جاد يعالج جذور المسألة، يبدو أن السماء – بما فيها من أجواء وتأشيرات وطائرات – ستبقى واحدة من أهم ساحات هذا الصراع المفتوح على احتمالات عديدة.