السبت 13 يونيو 2026
كما بات واضحا من تجربة الصراع في السودان وغزة تحديدًا في الوقت الراهن، لم يعدّ يُستخدم مصطلح "الإبادة الجماعية" في السياقات المعاصرة بوصفه توصيفا قانونيا فحسب، إنما باعتباره أداة صراع سياسي بامتياز. فإطلاق هذا الوصف لا يكتفي بتشخيص حجم الجريمة، إنما يعيد ترتيب موقعها في النظام الدولي وفي موازين اللُعبة، وينقلها من خانة "النزاع" إلى خانة "الواجب الأخلاقي العالمي". وفي هذا التحوّل تكمن خطورته وقوته في آن.
لذلك، فإن فحص ما جرى في مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور حتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقبلها في مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور حتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في سياق حرب أبريل في السودان، لمّا تجسد فيهما أقسى أوجه العنف الممنهج الذي مارستها ميليشيا الدعم السريع على المدنيين، لا يمكن أن يقتصر على توصيف الانتهاكات، إنما ينبغي أن ينفذ إلى البنية السياسية التي جعلت من الإبادة خيارا ممكنا، وفي الوقت ذاته، أداة نافذة ضمن ترسانة الصراع الضروس الذي تجاوز عامها الثالث.
يبدو تعريف مفردة "الإبادة الجماعية" كما استقر في إطار اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية تعريفا صارما ومحددا من حيث الصياغة: أفعال تُرتكب بشكل واسع وقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليا أو جزئيا. غير أن هذا الوضوح النظري يخفي تعقيدا بالغا عند الانتقال من النص القانوني إلى الواقع الميداني. فالعنصر الحاسم في الجريمة، وهو "النية الخاصة"، لا يتجلى غالبا في صورة أوامر مكتوبة أو تصريحات رسمية صريحة، إنما يُستدل عليه من خلال قراءة تراكمية لأنماط السلوك، وسياقات العنف، وطبيعة الأهداف التي يتم استهدافها بشكل متكرر بحق المدنيين من مختلف الخلفيات، كما تجلت بشكل واضح في تجربة الجنينة والفاشر من قبل آلة العنف التي مارستها مليشيا الدعم السريع.
في هذا المستوى، تصبح الأطر القانونية المعنية، أداة دقيقة لكنها بطية للغاية؛ إذ يتطلب بناء ملف إثبات النية سلسلة من الأدلة المتماسكة التي تربط بين الفعل والفاعل والقصد والأدوات والسياق. وغالبا ما لا تتوفر هذه الأدلة إلا بعد مرور زمن طويل ضمن عملية معقدة مؤجلة في أغلب الأوقات، أو بعد الوصول إلى وثائق داخلية، أو شهادات من داخل هرم القيادة. لذلك، فإن المسار القانوني، رغم أهميته، يعمل بأثر رجعي في كثير من الأحيان، حيث يأتي الحكم بعد وقوع الجريمة أو اكتمالها.
حين يُستخدم وصف "الإبادة" دون سند كافٍ، أو أدلة واضحة، أو شواهد كافية، قد يؤدي ذلك إلى إضعاف مصداقيته، أو إلى تسييل المفهوم بحيث يفقد دقته القانونية
في المقابل، يتحرك التحليل السياسي في زمن مختلف. فهو لا ينتظر اكتمال الأدلة القضائية، إنما يشتغل على قراءة المؤشرات المبكرة: تكرار الاستهداف ضد جماعة أو أفراد من مجموعات مختلفة بعينها، طبيعة الضحايا (مدنيون، قادة مجتمعيون، شباب، نساء، وأطفال)، استخدام خطاب تحريضي أو إقصائي، وتزامن الأفعال مع سياسات حرمان أو حصار أو ممارسة عنف ممنهجة. وحين تُقرأ هذه العناصر في مجموعها، فإنها تتيح استنتاجا سياسيا مفاده أن ما سيجري ليس مجرد عنف عشوائي، أو آثار جانبية غير مقصودة، إنما نمطا موجّها قد يحمل في طياته نية تدميرية.
بهذا المعنى، تصبح الإبادة عملية تُفهم قبل أن تُدان، وتُستشعر قبل أن تُثبت؛ أي أن الوعي بها يتشكّل في المجال السياسي والأخلاقي قبل أن يُصاغ في حكم قضائي. وهذا لا يقلل من أهمية الأطر القانونية، إنما يكشف عن فجوة زمنية بين الإدراك والاستجابة، وهي فجوة كثيرًا ما تكون مكلفة إنسانيًا.
هذا التباين بين القانون والسياسة يفسر إلى حد كبير ترددّ بعض الدول والدوائر السياسية في استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية". فالإقرار به لا يترتب عليه فقط توصيف أخلاقي، إنما يُنشئ التزامات ضمنية بموجب الأطر القانونية والدستورية بمختلف مستوياتها الوطنية والاقليمية والدولية، خاصة فيما يتعلق بواجب المنع والمعاقبة. لذلك، تميل الدول إلى استخدام توصيفات أقل حدة مثل "انتهاكات جسيمة" أو "جرائم محتملة"، أو "انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب..."، تفاديًا للانخراط في مسارات قد تفرض عليها أعباء سياسية أو عسكرية أو قضائية أو جميعها.
في المقابل، تسارع المنظمات الحقوقية والمجتمعات المتضررة إلى استخدام المصطلح، ليس فقط بدافع توصيف الواقع، إنما كأداة ضغط وخطاب مظلومية، ووسيلة تضامن وبناء لوبيات وممارسة مناصرة. فالإبادة، في الخطاب الحقوقي، ليست مجرد جريمة، إنما حالة طوارئ أخلاقية تستدعي تحركا فوريا عاجلاً. ومن هنا، يصبح استخدام المصطلح جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى كسر الصمت الدولي بحكم عالمية أطر الأمم المتحدة القانونية، وفرض القضية على جدول الأعمال العالمي.
غير أن هذا الاستخدام السياسي للمصطلح يطرح بدوره إشكالية أخرى، وهي خطر التسييس المفرط. فحين يُستخدم وصف "الإبادة" دون سند كافٍ، أو أدلة واضحة، أو شواهد كافية، قد يؤدي ذلك إلى إضعاف مصداقيته، أو إلى تسييل المفهوم بحيث يفقد دقته القانونية. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين القانون والسياسة، بل في بناء جسر بينهما: توثيق مهني دقيق يُغذي التحليل السياسي، ويهيئ الأرضية للمساءلة القانونية.
يمكن القول إن الإبادة الجماعية ليست فقط جريمة تُرتكب، إنما مفهوم يُنتج ويُتداول داخل فضاءات سياسية معقدة، حيث تتقاطع المصالح، وتتباين المعايير، ويُعاد تعريف الوقائع بحسب موقع الفاعل منها. ومن ثم، فإن فهم الإبادة يتطلب قراءة مزدوجة: قراءة قانونية تبحث عن الإثبات، وقراءة سياسية تبحث عن المعنى والدلالة.
ذلك أن الأصل في إطلاق وصف "الإبادة الجماعية" ليس مجرد فعل تحليلي، إنما خطوة سياسية لها تبعات جادة. فهو يرفع سقف التوقعات، ويضع المجتمع الدولي قبل أي جهات وطنية أو أقليمية أمام مسؤوليات محددة. لكنه في الوقت نفسه قد يواجه مقاومة، خاصة من الدول التي تخشى التزامات التدخل. وبالتالي هذا ما يجعل من استخدام هذا المصطلح جزءًا من معركة أوسع حول كيفية توصيف الأزمة. فبعض الفاعلين قد يسعون إلى تخفيف الوصف لتجنب الالتزامات، بينما يدفع آخرون نحو تصعيده لحشد الدعم. وبالتالي في هذا الصراع، يصبح الخطاب نفسه أداة، لا تقل أهمية عن الوقائع. ومن هنا تأتي أهمية الدقة: استخدام المصطلح يجب أن يكون مدعومًا بالأدلة، لكنه أيضًا يجب ألا يتأخر إلى حد يفقد معه تأثيره.
لا بد لفهم ما جرى في مدينتي الفاشر والجنينة في سياق حرب أبريل في البلاد، من وضعه في سياق الإقليم الغربي التاريخي؛ حيث تداخلت عوامل التهميش السياسي، والصراع على الموارد، وإعادة تشكيل الهويات على أسس إثنية وقبائلية. فمنذ مطلع الألفية، على الأقل، شهد الإقليم موجات عنف ممتدة وُصفت في حينها، وما تزال تصفها بعض الخطابات السياسية والرسائل الإعلامية بأنها "إبادة جماعية"، وخاصة ما حدث خلال أعوام 2003 إلى 2005، ما رسّخ نمطًا من الإفلات من العقاب، وأنتج بيئة قابلة لإعادة إنتاج العنف.
تصبح الإبادة عملية تُفهم قبل أن تُدان، وتُستشعر قبل أن تُثبت؛ أي أن الوعي بها يتشكّل في المجال السياسي والأخلاقي قبل أن يُصاغ في حكم قضائي
مع اندلاع حرب أبريل المستمرة حاليا، انهارت الهياكل العسكرية والسياسية الهشة التي كانت تحاول بمستوى ما ضبط هذا العنف، وبرزت قوى مسلحة متعددة، لكل منها أجندته وتحالفاته. وبالتالي، لم يعدّ العنف في هذا الفراغ، مجرد نتيجة عرضية للصراع، إنما أصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والديمغرافي والسياسي قبل كل شيء. وهنا تحديدا تتجلى ملامح الإبادة بوصفها سياسة، لا مجرد نتيجة، أداة لا مجرد أثر جانبي. وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في أفواه عناصر الميليشيا، والممارسات التي تقوم بها ما تسمى "حكومة تحالف تأسيس" الموازية.
تمثل تجربة الجنينة، وبعض المناطق في ولاية غرب دارفور، نموذجًا مكثفًا لهذا التحوّل. فقد شهدت المدينة موجات عنف استهدفت بشكل واضح مجموعات إثنية بعينها، ولاسيما مجموعة المساليت. فقط خلال الفترة من 2020 حتى 2023، ما تعرضت لها العديد من مناطق الولاية من هجمات مستمرة وما صاحبتها من موجات نزوح ولجوء واسعة للسُكان من ديارهم الأصلية، لم تكن الهجمات عشوائية، إنما اتسمت بقدر من التنظيم يشير إلى وجود نمط متكرر: محاصرة قرى ثم أحياء، قتل جماعي، حرق منازل وأراضي، نهب موارد ومحاصيل، وملاحقة الفارين.
اللافت في هذه العمليات أنها لم تقتصر على إلحاق الأذى، إنما سعت إلى تفريغ المكان من سكانه، وإزالة الوجود الاجتماعي من جغرافيته. فالتهجير لم يكن نتيجة عرضية للعنف، بل هدفًا في حد ذاته وقد تجلت في بعض الخطابات التي أطلقت مجموعات الجنجويد. ومع تدمير البنية التحتية ومنع العودة، يتحوّل التهجير إلى أداة دائمة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، ولاسيما إذا قرأناه في سياق الصراع التاريخي بين المجموعات العربية والأفريقية الزنجية بالاقليم حول الموارد والأراضي وموازين السلطة والحضور الأجتماعي.
هذا النمط من العنف المتعمّد، يتقاطع مع مفهوم "التطهير العرقي أو الأثني"، لكنه يقترب من "الإبادة" سواء اثنياً أو ثقافياً أو حتى اقتصادياً، حين يقترن بمحاولات القضاء على مقومات البقاء والعيش، سواء عبر القتل والتخريب أو عبر تدمير البيئة الحاضنة للحياة. وهنا يصبح السؤال: هل الهدف هو الإزاحة أم الإزالة؟ الفارق دقيق، لكنه حاسم في التوصيف.
إذا كانت الجنينة تمثل نموذجا للعنف الممنهج المباشر، فإن الفاشر تقدم نموذجًا مختلفًا، حيث يُمارس التدمير عبر الحصار المطبق. فالمدينة بمحيطها الواسع، التي تحوّلت إلى ملاذ لملايين للنازحين حينما لم يصلها الحصار بعد، تعرضت لحصار عسكري ضاغط استمر لأكثر من 18 أشهر قبل أن تسقط كرها في يد الميليشيا: هجمات عنيفة متقطعة، استهداف متكرر للمرافق الحيوية، وقيود واسعة على دخول المساعدات.
في هذا المنحى، لم يكن القتل واستهداف المدنيين العُزل هو الأداة الوحيدة، إنما جزء من منظومة أوسع تهدف إلى إنهاك المجتمع. فحرمان السُكان من الغذاء والدواء والمياه وكل بقية مقومات الحياة، خلق ظروفًا معيشية جعل البقاء نفسه معركة يومية طاحنة. ومع استمرار هذه الظروف، تحوّل الحصار إلى وسيلة تدمير تدريجي، وقد لم يكن مرئيًا كالمجازر وسيل الدماء، لكنه لم يقل فتكًا بالرصاص. وهذا الشكل من العنف يتسق مع أحد أركان تعريف الإبادة، المتعلق بفرض ظروف حياة تهدف إلى التدمير. وهو ما يوسّع فهمنا للإبادة، من فعل لحظي إلى عملية ممتدة في الزمن.
لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ما جرى يعكس نية لتدمير جماعة بعينها؟ الإجابة بالطبع ليست بسيطة وسهلة ويمكن استخلاصها بسهولة، لكنها ليست مستحيلة تماماً. فغياب التصريحات الرسمية لا يعني غياب النية، إنما يستدعي البحث عنها في السلوك والتصرف والممارسات اليومية المتكررة مثل الحصار والاستهداف اليومي.
إن تجاهل التوصيف لا يلغي الواقع، إنما يؤجّل التعامل معه فقط. لذلك، فإن التحدي يكمن في تحقيق توازن بين الضغط من أجل المساءلة، والحفاظ على مسارات الحل السياسي. وهو توازن دقيق، لكنه ضروري
في الحالة العامة بهذا الإقليم على امتداد الزمن، يمكن رصد عدة مؤشرات شديدة التكرار والوضوح: استهداف متكرر لمجموعات محددة، استخدام خطاب تحريضي، تدمير منظم للمنازل والممتلكات، ومنع العودة، وخطاب سياسي عنيف. فهذه العناصر، حين تتكرر عبر الزمن والمكان، تشكل نمطًا يصعب تفسيره باعتباره صدفة أو فوضى، حيث انها لا تشير إلا إلى وجود نيّة مبطنة، وقصد غير معلن. ومع ذلك، فإن تحويل هذه المؤشرات إلى دليل قانوني يتطلب جهدًا توثيقيًا دقيقًا، ويحتاج عملاً حقوقياً جاداً وعميقاً ومعقداً يربط بين الفاعلين والأفعال والأداوت والسياق الكلي، ويُظهر وجود خطة أو سياسة. وهنا يبرز دور التوثيق الجاد الدقيق كجسر بين التحليل السياسي والمساءلة القانونية.
من الحجج الشائعة أن ما يحدث في إقليم دارفور طيلة العقود الماضية، هو نتيجة لفوضى حروب وصراعات ممتدة متعددة الأطراف، حيث تتداخل المسؤوليات، وتغيب السيطرة المركزية عبر تعاقب الحكومات والأنظمة السياسية الإيديولوجية. ورغم أن هذه الحجة تحمل قدرا من الصحة، لكنها لا تفسر كل شيء، لا توضح الصورة الكليّة للمشهد.
فالفوضى قد تفسّر العنف، لكنها لا تفسر نمطيته. وحين يتكرّر استهداف مجموعة/ت بعينها، وبأساليب متشابهة، وفي مناطق مختلفة، يصبح من الصعب تجاهل وجود منطق يحكم هذا العنف. وهذا لا يعني بالضرورة وجود خطة مركزية مكتوبة، إنما قد يشير إلى "تواطؤ بنيوي" حيث تتقاطع مصالح الفاعلين حول هدف مشترك. وعليه، في هذا المنحنى، لا تكون الإبادة مجرد قرارًا واحدًا، إنما نتيجة لتفاعل سياسات وممارسات تنتج في مجموعها أثرًا تدميريًا على جماعة/ت معينة كما واضح في تجربة هذا الاقليم. وهذا ما يجعل من تحليلها أكثر تعقيدًا، لكنه أيضًا أكثر ضرورة.
إن الاعتراف بوجود إبادة جماعية، وبكل بساطة، يفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات: تحقيقات دولية وإحالات قضائية وعقوبات وتدخلات عسكرية أو إنسانية. لكنه أيضًا يغيّر طبيعة الصراع، من نزاع داخلي إلى قضية دولية. وبالتالي في الحالة السودانية الراهنة على الأقل ما حدث في الجنينة والفاشر، قد يؤدي أي اعتراف بجسامة الانتهاكات التي وقعت، بما يصل إلى "الإبادة الجماعية" إلى زيادة الضغط على المجرمين أولا، ثم الأطراف المتحاربة بتشكيلاتها المختلفة. لكنه قد يعقّد أيضًا مسارات التفاوض. ومع ذلك، فإن تجاهل التوصيف لا يلغي الواقع، إنما يؤجّل التعامل معه فقط. لذلك، فإن التحدي يكمن في تحقيق توازن بين الضغط من أجل المساءلة، والحفاظ على مسارات الحل السياسي. وهو توازن دقيق، لكنه ضروري.
وبالطبع يصبح التوثيق ورصد الانتهاكات، في غياب مؤسسات دولة فاعلة، أداة أساسية للحفاظ على الحقيقة. فالإبادة لا تُثبت فقط في المحاكم، إنما تُبنى عبر تراكم الأدلة: شهادات، صور، بيانات، وتحليلات، وإلى ما ذلك. وهذا التوثيق لا يخدم فقط العدالة المستقبلية، إنما يساهم أيضًا في تشكيل الوعي الحالي، ويمنع طمس الحقيقة أو إعادة كتابتها. وفي سياق اقليم دارفور تحديداً، حيث سبق أن ضاعت فرص للمساءلة، يصبح التوثيق أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
عليه، فإن ما جرى في مدينتي الفاشر والجنينة على الأقل، لا يمكن اختزاله في كونه مجرد فصل من فصول الحرب السودانية الراهنة. إنه ظاهرة تتقاطع فيها عناصر العنف المنهجي، والاستهداف الإثني، والتدمير البنيوي، بما يضعها على تخوم الإبادة الجماعية. وبين التحليل والواجب والتوثيق، لا يكفي أن نفهم ما يحدث، إنما يجب أن نحدد كيف نتصرف حياله. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ما يحدث إبادة؟ بل: ماذا يعني أن نعرف ذلك، ولا وجود لأي حركة تجاهها؟