الخميس 22 يناير 2026
لم تكن حرب 15 أبريل/نيسان حدثاً عسكرياً فحسب، إنما لحظة كاشفة لمنظومات الخطاب، وعلى رأسها الإعلام، بوصفه فاعلاً مركزياً في إنتاج المعنى، وترتيب الوعي، وتحديد ما يُرى وما يُحجب. ففي سياق النزاعات المسلحة، ولاسيما المعاصرة، لا تكتفي وسائل الإعلام بنقل الوقائع، بل يشارك محتواها في صياغة الحرب رمزياً، عبر اللغة والاختيار والإيقاع ومنح الشرعية.
في الأزمة السودانية الراهنة، لعب الإعلام المحلي والإقليمي والدولي دوراً محورياً في إعادة إنتاج سردية هذه الحرب، لا فقط من خلال ما قاله، بل عبر ما تجاهله، وكيف رتّب الأولويات، ومن منحهم المنابر، ومن حُرموا منها؟ وكيف بثّ رسائله الإعلامية والسياسية؟ وكيف نقل الصورة الكلية للمشهد العام للحظة العنيفة؟
يُروَّج في الخطاب المهني السائد لفكرة الإعلام بوصفه ناقلاً محايداً للوقائع، غير أن هذا الادعاء ينهار سريعاً عند إخضاع التغطية للتحليل النقدي. فالحياد لا يُقاس فقط بتوازن الأصوات، إنما بكيفية بناء الخبر، وترتيب عناصره، وانتقاء اللغة، وتحديد ما يُعدّ "خبراً أو تقريراً أو تحقيقاً أو مقالاً" أصلاً.
في الحرب السودانية الدائرة، لم يكن الإعلام مرآة تعكس الواقع، بل عدسة مشروطة، تُكبّر ما يخدم السرديات التي تسعى إلى الهيمنة وخلق نفوذ وجودي، وتُصغّر أو تُعتم ما يناقضها أو ضعيفة على المقاومة. وبالتالي تحوّل الحياد إلى قناع لغوي يُخفي انحيازاً بنيوياً لمصادر القوة، لا لأن الصحفيين بالضرورة منحازون، إنما لأن منظومة الإنتاج الإعلامي ذاتها مشروطة بعلاقات السلطة والتمويل والسرعة وأجندة المعلنين، ومتطلبات السوق الإخباري.
في اللحظات العنيفة كالحروب، لا تُدار المعارك بالسلاح فقط، بل بخطاب الشرعية وسرديتها. والإعلام هو أحد أهم مصانع هذه الشرعية. فمن خلال التكرار والتسمية وإضفاء الطابع "الطبيعي" على أفعال معينة، يُعاد تعريف ما هو مقبول، وما هو استثنائي، وما هو غير قابل للنقاش. وحين تُقدَّم هذه الحرب بوصفها "صراعاً على السلطة" كما يتناقله العامة في المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي، أو "معركة لاستعادة الديمقراطية"، كما يروّج لها خطاب مليشيا الدعم السريع أو "معركة المعركة" كما يسوّق له الجيش السوداني، وغيرها من السرديات، فإنها تُنزع من سياقها الاجتماعي والتاريخي والسياسي والاقتصادي، وتُختزل في تنافس بين فاعليِن مسلحين متكافئين، بما يُغفل اختلالات القوة، وطبيعة العنف الممارس، وأثره على المدنيين، وأثره العام والشامل على الشعب السوداني.
من خلال متابعتنا اللصيقة لمحتوى الإعلام لهذه اللحظة، اتسمت التغطية الإعلامية السائدة، ولاسيما المحلية، بالتركيز شبه الحصري على التطورات العسكرية اليومية: من تقدّم؟ ومن تراجع؟ واشتباكات، وسيطرة على مواقع، وحدود السيطرة. هذا النمط من التغطية، رغم أهميته الإخبارية الظاهرية، أسهم في تفكيك الحرب إلى سلسلة أحداث منفصلة، بلا سياق تاريخي أو بنيوي يربط بينها. فتحوّلت الحرب نشرة عمليات، تُقاس أهميتها بعدد الكيلومترات المتقدمة، أو المواقع المستعادة، لا بعدد الأرواح المفقودة، أو البنى الاجتماعية المدمّرة. هكذا، غُيّبت الأسئلة الجوهرية: لماذا اندلعت الحرب؟ ما طبيعة الدولة التي أنتجتها؟ وكيف تراكَم العنف داخل مؤسساتها؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن يموّل أطرافها؟ ولماذا طال أمدّها؟ ومن المستفيد الأكبر؟
حين يصبح العسكري هو المصدر الأساسي للمعلومة، تتحول رؤيته للعالم إلى إطار تفسيري عام، ويُعاد إنتاج منطقه داخل اللغة الإعلامية ذاتها. وهكذا، تُقدَّم العمليات العسكرية بوصفها "ضرورات أمنية"، ويُعاد تأطير الخسائر المدنية كـ"أضرار جانبية"، ويُمحى الفاعل الإنساني خلف مصطلحات تقنية باردة
نادراً ما انخرط الإعلام السائد في تحليل الجذور البنيوية للصراع، سواء المتعلقة بطبيعة تكوين الدولة السودانية المعاصرة واختلالاتها الهيكلية، أو الاقتصاد السياسي للعسكرة، أو تاريخ تسييس المؤسسات الأمنية، أو فشل الانتقال المدني في تغطيات إعلامية تحليلية نقدية مكثفة. بدلاً من ذلك، جرى اختزال الحرب في أغلب الخطاب الإعلامي المتداول، في "خلاف بين جنرالات" أو "صراع على السلطة والنفوذ"، بما يُحوّلها إلى حادثة طارئة، لا نتيجة لمسار طويل من العنف المُمأسس، وانعكاساً لتوسّع فجوات سياسية واجتماعية واقتصادية متجذرة. هذا التفريغ للسياق لا يُعدّ تقصيراً معرفياً ونقدياً فحسب، إنما ممارسة رمزية خطابية تُسهم في إعادة إنتاج الأزمة، عبر منع الجمهور من فهمها بوصفها نتاجاً لبنية ممتدة راسخة، لا انحرافاً عنها.
أحد أبرز سمات التغطية الإعلامية لحرب 15 أبريل/نيسان، وأكبر فجواتها، كان الاعتماد شبه الكلي على المصادر الثانوية للمعلومات، مثل البيانات الرسمية، أو تصريحات الناطقين الرسميين، أو "مصادر مطلعة" مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو حتى مقاطع الفيديو التي يتم نشرها من أطراف الحرب أنفسهم من داخل القتال أرض، ولاسيما الصحافة العسكرية التي يمارسها جنود مليشيا الدعم السريع أثناء أو عقب أي حدث عسكري أو حدث استهداف للمدنيين ولحظة سقوط مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم غير شاهد حيّ.
هذا الاعتماد لم يكن مسألة تقنية فقط، إنما خياراً خطابياً منح السلاح حق تعريف الواقع. ويأتي هذا الاعتماد نتيجة للضعف الكبير لوجود مراسلين ميدانيين حربيين في أرض المعركة لنقل الحقيقة العارية، مع تفهّم التحديات الماثلة. حين يصبح العسكري هو المصدر الأساسي للمعلومة، تتحول رؤيته للعالم إلى إطار تفسيري عام، ويُعاد إنتاج منطقه داخل اللغة الإعلامية ذاتها. وهكذا، تُقدَّم العمليات العسكرية بوصفها "ضرورات أمنية"، ويُعاد تأطير الخسائر المدنية كـ"أضرار جانبية"، ويُمحى الفاعل الإنساني خلف مصطلحات تقنية باردة.
في مقابل هذا الحضور الطاغي للمصادر الثانوية العسكرية عبر ما يتم نشره من أنفسهم، تراجع حضور المدنيين بوصفهم فاعلين معرفيين، لا مجرد ضحايا صامتين. نادراً ما مُنحت المجتمعات المتضررة فرصة لتفسير ما يحدث لها، أو التعبير عن أولوياتها، أو مساءلة الخطاب السائد، وحتى تلك الجهات التي حاولت ولها تجارب خجولة، كانت ضيقة ومحدودة وضحلة. الضحية المدني في التغطية الإعلامية غالباً ما يظهر كرقم في إحصائية، أو صورة عابرة في تقرير إنساني أو اقتباساً في نص مصنوع، لا كصوت سياسي يملك تفسيراً، وموقفاً وذاكرة. هذا الإقصاء لا يُضعف السردية البديلة، وينقل الجوانب الخفية للحقيقة العارية فحسب، إنما يُعيد إنتاج علاقات الهيمنة ذاتها التي أنتجت الحرب.
ما يزال استخدام لغة تقنية محايدة ظاهرياً كان من أبرز آليات تطبيع العنف في الخطاب الإعلامي. عناوين من قبيل "اشتباكات عنيفة" و"تقدم ميداني" و"استعادة مواقع"، حوّلت الحرب إلى مشهد تنافسي أقرب إلى لعبة استراتيجية، وتُخفي حقيقة أنها تدمير ممنهج للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وانتهاك شامل لحقوق الإنسان وكرامته. هذه اللغة لا تنقل العنف فحسب، إنما تُعيد تشكيله رمزياً، عبر فصله عن الألم، والموت، والاقتلاع، وتحويله إلى حدث قابل للاستهلاك اليومي دون صدمة أخلاقية.
أصبح العنف جزءاً من النظام اليومي للمشهد العام في البلاد وخارجها، لا خللاً فيه. ومع استمرارها وطول أمدها، تآكل الإحساس بالفقد، وتراجعت القدرة على الغضب، واستبدل السؤال الأخلاقي بسؤال تقني: من تقدّم؟ ومن تراجع؟ من سيطر على أي منطقة؟ ومن انسحب منها؟
إن التكرار المستمر لمصطلحات بعينها يُحوّلها من توصيفات مؤقتة إلى "حقائق" دامغة وغير قابلة للنقاش والنقد. وحين تتكرر مفردات مثل "السيطرة" و"الهجوم" و"قصف بطائرة مسيرة استراتيجية"، دون مساءلة، فإنها تُعيد إنتاج منطق القوة بوصفه الحل الوحيد الممكن. اللغة هنا لا تصف الواقع فحسب، إنما تُحدّد أفق التفكير فيه، وتُغلق إمكانات تخيّل بدائل سياسية أو مدنية.
رغم الاتساع التدريجي للتغطية على مستوى الإعلام الإقليمي والدولي، إلى جانب بيانات وكالات الأمم المتحدة والشبكات الحقوقية، إلا أنها غالباً ما أعادت إنتاج صورة السودان كفضاء دائم للأزمات ودوامة العنف والفشل الكثيف. هذا التأطير، وإن بدا متعاطفاً ظاهرياً، يُفرغ الحدث من خصوصيته السياسية والاقتصادية، ويُدرجه ضمن سردية نمطية عن "الدول الهشة". النتيجة بالطبع، هي تعاطف إنساني منزوع السياسة والاجتماع والاقتصاد، يركّز على المساعدات والإغاثة، دون مساءلة البنى الدولية والإقليمية التي أسهمت في إنتاج الصراع واستدامته.
وغالباً ما ارتبط حجم وعمق التغطية الإقليمية والدولية بمدى تقاطع الحرب مع مصالح القوى الكبرى النافذة، أو تأثيرها على الاستقرار الإقليمي أو الهجرة، لا بمعاناة المدنيين في حد ذاتها. وهكذا، تُعاد مركزية الخارج في تعريف أهمية الحدث، بينما يُهمَّش الداخل بوصفه موضوعاً للرعاية لا فاعلاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
لا يمكن إغفال أن الإعلام المحلي عمل في ظل ظروف قمعية وخطيرة: انقطاع الاتصالات والتهديدات الأمنية وانهيار المؤسسات والاستقطاب الحاد. هذه الظروف حدّت من قدرته على إنتاج خطاب مستقل، ودفعت كثيراً من المؤسسات الإعلامية والمنصات إلى إعادة نشر روايات جاهزة، وحتى بعضها متخيلة واقتباسية. غير أن فهم هذه الشروط لا يعني تبرئة الخطاب الإعلامي المحلي من مسؤوليته الرمزية والوظيفية والاجتماعية، خاصةً حين أعاد إنتاج خطاب العسكرة المغلّف بظلام القوالب المهنية للمهنة، أو انخرط في استقطابات حادة عززت منطق الحرب وساهم في تبرير استمرار العنف.
منذ صبيحة القتال حتى الآن، تحوّل الإعلام المحلي إلى ساحة صراع رمزي بين معسكرات سياسية وعسكرية وإيدولوجية، حيث تُنتج الأخبار بوصفها أدوات تعبئة واستقطاب لا معرفة وتوعية. هذا الاستقطاب أسهم في تآكل الثقة العامة، وتعميق الانقسام الاجتماعي، وإضعاف أي مساحة لسردية جامعة تضع المدني في المركز، مما يسهم في بناء سردية قوية متماسكة تعمل على إنهاء الأزمة بطريقة ما في لحظة ما.
لا تتوقف خطورة الخطاب الإعلامي السائد عند حدود التوصيف أو القصور المهني، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق يتمثل في إعادة إنتاج العنف رمزياً؛ أي تحويل العنف من ممارسة استثنائية صادمة إلى حالة طبيعية قابلة للتكرار والتعايش. هذا العنف الرمزي يعمل ببطء، لكنه أكثر رسوخاً، لأنه يستهدف الوعي الجمعي، ويعيد تشكيل الحسّ الأخلاقي، ويعيد تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض.
هذا التطبيع لا يعني قبول الحرب أخلاقياً بالضرورة، لكنه خلق حالة من التكيّف القسري، حيث أصبح العنف جزءاً من النظام اليومي للمشهد العام في البلاد وخارجها، لا خللاً فيه. ومع استمرارها وطول أمدها، تآكل الإحساس بالفقد، وتراجعت القدرة على الغضب، واستبدل السؤال الأخلاقي بسؤال تقني: من تقدّم؟ ومن تراجع؟ من سيطر على أي منطقة؟ ومن انسحب منها؟
حين تُقدَّم هذه الحرب باستمرار بوصفها صراعاً على "الحسم" و"بسط السيطرة"، فإن الخطاب الإعلامي يُعيد إنتاج منطق القوة بوصفه الحل الوحيد الممكن. تختفي السياسة بوصفها مجال تفاوض وصراع اجتماعي، لتحل محلها لغة الغلبة والانتصار. لا يكتفي الإعلام بوصف موازين القوة، بل يشارك في إعادة تعريف الشرعية ذاتها: ما هو "واقعي" يصبح ما يفرضه السلاح ولغة العمليات العسكرية، وما هو "غير واقعي" يصبح أي خطاب مدني أو ديمقراطي أو حقوقي؟ هذه العملية تُقصي البدائل قبل أن تولد، وتُضعف الخيال السياسي للمجتمع كما نراه ظاهراً اليوم قبل الغد في البلاد.
كما بات يتظهر العنف الرمزي في الطريقة التي يُعاد فيها إنتاج الضحايا بوصفهم كتل معاناة صامتة، لا ذوات سياسية فاعلة. الصور المؤلمة، والأرقام الضخمة، والتقارير الإنسانية المجردة، رغم أهميتها، قد اسهم، حين تُفصل عن السياق، في تجريد الضحية من صوتها. لقد أصبح المدني موضوع شفقة، لا صاحب حق؛ متلقياً للمساعدات، لا فاعلاً يطالب بالعدالة. هذا التفكيك يُريح الخطاب السائد، لأنه يسمح بالتعاطف دون مساءلة، وبالأسى دون محاسبة. لقد أسهم الخطاب الإعلامي، عبر مصادره ولغته وأطره، في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة ذاتها التي أنتجت هذه الحرب: مركزية العسكر، تهميش الأطراف، وتبعية المعرفة لمصادر القوة. وبهذا، أصبح الإعلام المحلي جزءاً من بنية الأزمة، لا مجرد ناقل لها.
إذا كان الخطاب الإعلامي السائد قد أسهم في إعادة إنتاج العنف، فإن التفكير في بديل ليس ترفاً أخلاقياً أو مهنياً، بل ضرورة سياسية ومعرفية. الخطاب البديل لا يعني الانحياز الدعائي، بل استعادة وظيفة الإعلام بوصفه أداة فهم ومساءلة، لا أداة تطبيع.
لا يكتفي الإعلام بوصف موازين القوة، بل يشارك في إعادة تعريف الشرعية ذاتها: ما هو "واقعي" يصبح ما يفرضه السلاح ولغة العمليات العسكرية، وما هو "غير واقعي" يصبح أي خطاب مدني أو ديمقراطي أو حقوقي؟ هذه العملية تُقصي البدائل قبل أن تولد، وتُضعف الخيال السياسي للمجتمع كما نراه ظاهراً اليوم قبل الغد في البلاد
الخطوة الأولى لإنتاج خطاب بديل تتمثل في إعادة المدني إلى مركز السرد، لا بوصفه ضحية فقط، بل فاعلاً يملك تفسيراً لما يجري، ومطالب واضحة وذاكرة جماعية. وهذا يتطلب توسيع تعريف "المصدر الموثوق" و"أصالة المصادر" ليشمل المجتمعات المحلية، ولجان غرف الطوارئ والنازحين والمدافعين عن حقوق الإنسان بمختلف أطيافهم، والعاملين في الخطوط الأمامية للحياة اليومية وغيرها. إعطاء الصوت للمدني يعني الاعتراف بأن المعرفة لا تُنتَج في غرف العمليات العسكرية والبيانات الرسمية ومصطلحات الناطقين الرسميين فحسب، إنما في البيوت المهدّمة والأسواق ومخيمات النزوح واللجوء وشوارع الشتات.
الخطاب البديل يفترض مساءلة اللغة ذاتها: لماذا نقول "اشتباكات" لا "قتل"؟ لماذا نقول "تقدم" لا "احتلال أحياء سكنية"؟ لماذا نقول "سيطرة على المنطقة كذا" لا "حدوث موجة تهجير قسري للمدنيين"؟ تفكيك المصطلحات ليس تمريناً لغوياً، إنما في الواقع، استعادة للبعد الإنساني والسياسي للعنف. ربط الحدث العسكري بسياقه الاجتماعي، من تهجير وانهيار خدمات وتمزق نسيج اجتماعي، تآكل الممارسة السياسية، يعيد الحرب إلى حجمها الحقيقي، بوصفها أزمة مجتمع، وأزمة انهيار الدولة، لا مباراة قوة ولا معركة سلاح.
يتطلب الخطاب البديل المفترض تقليص الاعتماد غير النقدي على المصادر العسكرية، وتوسيع دائرة التحقق، وطرح الأسئلة التي لا يطرحها السلاح: من يستفيد؟ من يخسر؟ ما الذي يُدمَّر على المدى الطويل؟ وهذا لا يعني تجاهل الوقائع الميدانية، بل تحريرها من الرواية الرسمية، وإخضاعها للتحليل والمساءلة. إن الحروب لا تستدام بالسلاح وحده، بل بالخطاب الذي يجعلها ممكنة ومعقولة، وقابلة للتبرير. وإن معركة استعادة إعلام نقدي وإنساني ومُسيّس بالمعنى العميق، هي جزء لا يتجزأ من معركة إنهاء الحرب ذاتها. فحين تُستعاد اللغة من قبضة السلاح، ويُعاد المدني إلى مركز السرد، يصبح تخيّل السلام، ولو نظرياً، فعلاً ممكناً، لا شعاراً أجوف.