تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 5 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

حرائق الأسواق في الصومال.. كوارث متجددة وعجز عن المواجهة

13 أغسطس, 2025
الصورة
حرائق الأسواق في الصومال.. كوارث متجددة وعجز عن المواجهة
Share

في ظاهرة متجددة، شهدت الأسواق في المدن الرئيسية بمختلف مناطق الصومال خلال السنوات الماضية تكرارا ملحوظا لحوادث الحرائق المدمّرة، دون تحديد واضح للأسباب الكامنة وراء اندلاعها، رغم ما تخلفه من خسائر فادحة ومعاناة لا تُقاس بالأرقام، والتي لا تقتصر آثارها الاقتصادية على أصحاب المتاجر والأسر التي تعتمد عليهم، وإنما على الاقتصاد الوطني برمّته، مما انعكس على أزمات الفقر وتفاقم الحالات الإنسانية في المجتمعات.

امتدت الحرائق إلى معظم المدن الصومالية ذات النشاط الاقتصادي والحركة التجارية المكثفة، مثل: مقديشو وهرجيسا وجكجغا وبوصاصو وجوهر وجارسا. لكن العاصمة مقديشو تتصدر القائمة من حيث عدد الحوادث وحجم الأضرار، إذ شهدت أسواقها الرئيسية حرائق متكررة، بدءًا من سوق بكارو وحمروين وبنادر ومدينة وعيلاشا بيها، وصولا إلى سوق بعاد، الذي شكّل الحلقة الأحدث والأشد فتكا في هذا المسلسل الكارثي من حيث حجم الخسائر والدمار الذي خلّفه.

في 5 أغسطس/آب الجاري، اندلع في "سوق بعاد" حريق هو الأسوأ في تاريخه، استمر نحو سبع ساعات متواصلة نتيجة فشل السلطات في السيطرة عليه، مما أسفر عن خسائر مادية فادحة ودمار واسع في مختلف قطاعاته، إضافة إلى وفاة طفلة.

خسائر فادحة بلا تعويضات

باتت حرائق الأسواق في المدن الرئيسية بمناطق الصومال، وخاصة في العاصمة مقديشو، أحداثا مؤلمة ومتكررة لا تكاد تنقطع، فعلى سبيل المثال، تعرض سوق بعاد وحده خلال السنوات الثلاث الماضية لثلاثة حرائق، وإن كان الحريقين الأول والثاني أقل ضررا مقارنة بالحريق الأخير الأكثر تدميرا، فيما شهدت أسواق حمروين ومدينة وبكارو وبنادر وعيلشا بيها حرائق مماثلة خلال نفس الفترة.

ليست مقديشو وحدها من تكبدت هذه الخسائر؛ إذ شهد سوق واهين، أكبر أسواق مدينة هرجيسا عاصمة صوماليلاند وأكثرها نشاطا في عام 2022 أسوأ حريق دمّر السوق بالكامل. كما تعرض سوق مدينة جغجغا لحريقين متتاليين خلال عام 2023. ولم تقف القائمة عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل مدنا أقل كثافة سكانية من تلك السالفة الذكر، في مشهد يعكس أن المناطق الصومالية تواجه تحديا مشتركا يتمثل في غياب معايير السلامة داخل الأسواق وضعف إمكانيات مواجهة الحرائق، سواء من حيث المعدات أو الكوادر المتخصصة في الإطفاء.

لقد تحولت هذه الحرائق إلى كوارث شبه مزمنة ترهق التجار، ولا سيما أصحاب المشاريع الناشئة أو المحلات الصغيرة، الذين وجدوا أنفسهم على حافة الإفلاس، مما اضطر بعضهم إلى مغادرة السوق نهائيا، فيما يحاول آخرون العودة مجددا عبر التمويل أو الاستدانة، لكنهم يزاولون عملهم تحت هاجس دائم من أن تلتهم النيران مجددا ثمار جهدهم.

المناطق الصومالية تواجه تحديا مشتركا يتمثل في غياب معايير السلامة داخل الأسواق، وضعف إمكانيات مواجهة الحرائق، سواء من حيث المعدات أو الكوادر المتخصصة في الإطفاء

لا تقتصر تأثيرات هذه الحرائق على الخسائر المادية المباشرة التي يتكبدها الضحايا، بل تمتد لتطال النسيجين الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، إذ يؤدي تدمير مصادر رزق آلاف الأسر إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ويغذي شعورا بانعدام الثقة في بيئة العمل، ويضعف حافز الأجيال الشابة على السعي لكسب العيش، مما يدفع الكثيرين إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية، أو الهجرة بحثا عن فرص أفضل، أو الانخراط في أنشطة غير قانونية.

ومع هذه الخسائر المتعددة الأوجه، يجد الضحايا أنفسهم أمام معضلة أخرى، تتمثل في غياب التعويضات والدعم اللازمين لاستئناف أعمالهم؛ إذ لا توجد في الصومال شركات تكافل أو صناديق تعوّض رجال الأعمال عند تعرضهم لظروف استثنائية أو كوارث طبيعية، كما أن السلطات لا تبدي أي اهتمام يُذكر بتخفيف أعباء المتضررين، سواء من خلال تقديم تعويضات مادية أو حتى معنوية، قد تشمل وعودا بمنح إعفاءات ضريبية وضمانات لمعالجة أسباب اندلاع الحرائق في حال استأنفوا عملهم.

قد تختلف الظروف من مدينة إلى أخرى، إذ تحظى بعض المناطق بدفعات مالية محدودة تُقدم للضحايا من تبرعات رجال أعمال محليين والسلطات. لكن هذه المساهمات تبقى غير كافية لتمكين المتضررين من التعافي الكامل واستئناف نشاطهم التجاري. مما يتركهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: مغادرة السوق نهائيًا، أو البحث عن تمويل جديد للاستمرار.

أسباب تكرار الحرائق في الأسواق

في ظل غياب تحقيقات رسمية تكشف عن الأسباب الكامنة وراء تزايد الحرائق في الأسواق الصومالية، تبقى التفسيرات المتداولة محصورة بين روايات الشارع وتبريرات السلطات، التي غالبا ما تُرجع الأمر إلى "خلل في التيار الكهربائي" دون أن تبادر إلى فتح تحقيقات جادة تؤكد أو تنفي هذه الفرضية.

يعكس ذلك ضعفا إداريا وغيابا لآليات المحاسبة في الإدارات الصومالية، وإن بدرجات متفاوتة، إذ لم تعد هذه الإدارات تتخذ خطوات لمساءلة شركات الكهرباء أو إلزامها بتعويض الضحايا وإصلاح شبكات التوصيل، كما غابت جهود تأهيل البنية التحتية وتحسين معايير السلامة في الأسواق، ما يكشف عن تقصير واضح في جذور هذه الظاهرة باعتبارها تهديدا جديا للاقتصاد الفردي والوطني.

الأسواق الصومالية تفتقر إلى تخطيط عمراني يراعي معايير السلامة، ويساهم في رفع الوعي لدى التجار بكيفية الحد من مخاطر الحرائق وطرق التعامل معها عند وقوعها

مع ذلك، يتكرر الحديث عن فرضية أخرى تشير إلى تدبير بشري وراء إشعال هذه الحرائق بدوافع مصلحية، من بينها الاستفادة من إعادة بناء الأسواق أو الاستحواذ على أراضيها، أو حتى انتقام التنظيمات الإرهابية من التجار الذين يرفضون دفع الإتاوات لها. ازدادت قوة هذه الفرضية بعد حريق سوق بعاد الأخير، الذي تزامن مع أنباء عن نية بعض الجهات الحكومية هدم السوق بدعوى الحاجة إلى إعادة بنائه وتنظيمه، ومع تصاعد التوتر في سوق "سيناي" المجاور، في سياق حملة الحكومة الفيدرالية المثيرة للجدل لإخلاء السكان الذين استوطنوا أراضي الدولة في مقديشو، سواء كانت أسواقًا أو أحياء، بهدف بيعها بطرق مشبوهة.

عبَر ضحايا حريق سوق بعاد عن شكوكهم في كونه عملا مدبَّرا، مستندين في ذلك إلى تأخر وصول سيارات الإطفاء، وفشل السيطرة على النيران في المدة الزمنية المفترضة، واندلاعها في عدة مواقع من السوق، فضلا عن الأنباء المتداولة حول نية بعض الجهات الحكومية في هدم السوق. وقد عزز هذه الشكوك تصريح النائب الفيدرالي ياسين عبدالله محمود، الذي أوضح أنه سبق أن حذر بلدية مقديشو من المضي في مشروع هدم السوق، مشيرًا إلى وجود "شبهات قوية" بأن الحريق جريمة منظمة، وداعيًا إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف.

مهما تعددت الأسباب والفرضيات، يبقى المؤكد أن الأسواق الصومالية تفتقر إلى تخطيط عمراني يراعي معايير السلامة، ويساهم في رفع الوعي لدى التجار بكيفية الحد من مخاطر الحرائق وطرق التعامل معها عند وقوعها.

استجابة متردية

رغم تعدد العوامل المؤدية إلى تكرار حرائق الأسواق، وما تخلفه من خسائر بشرية ومادية، يظل السؤال قائمًا حول قدرة السلطات على الاستجابة لمثل هذه الكوارث، وما تملكه من إمكانات مادية وبشرية - من سيارات إطفاء وفرق مدرَّبة - رغم تفاوت المدن والإدارات المختلفة في هذه الإمكانيات.

في العاصمة مقديشو، باعتبارها الأكبر من حيث الكثافة السكانية وتعدد الأسواق والمرافق الحيوية الحكومية والمدنية، لا يتوفر سوى عدد محدود من سيارات الإطفاء، بعضها يتبع بلدية المدينة والبعض الآخر لشركة "هرمود" للاتصالات، مع ضعف ملحوظ في تدريب الفرق المشغلة لها وبطء وصولها إلى مواقع الحوادث، مما يسهم في تفاقم حجم الخسائر، نتيجة استمرار الاشتعال لفترات أطول وانتشارها على نطاق أوسع.

تكرار حرائق الأسواق في الصومال لا يرتبط فقط بأسباب اندلاعها، بل أيضا بضعف الجاهزية الحكومية، من حيث المعدات وآليات التنسيق وسرعة التدخل

بسبب النقص الحاد في المعدات والكوادر، اضطرت السلطات أثناء جهودها لإخماد حريق سوق بعاد، إلى الاستعانة بقوات "أوسوم" التابعة للاتحاد الأفريقي، بعدما عجزت بلدية مقديشو وشركة "هرمود" عن السيطرة على النيران رغم استنفاد جميع الوسائل المتاحة، حيث أرسلت تلك القوات فرقًا مدرَّبة وسيارات إطفاء والتي نجحت لاحقًا في إخماده.

يكشف هذا المشهد أن تكرار حرائق الأسواق في الصومال لا يرتبط فقط بأسباب اندلاعها، بل أيضا بضعف الجاهزية الحكومية، من حيث المعدات وآليات التنسيق وسرعة التدخل، ما يجعل الكارثة تتكرر بوتيرة مؤلمة، وتخلّف خسائر مضاعفة في كل مرة.

يتضح أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إرادة جادة من السلطات والتجار، واستثمارا في البنية التحتية للطوارئ، وإصلاحات عمرانية وتنظيمية للأسواق، إلى جانب برامج تدريب للتجار وتعزيز قدرات فرق الإطفاء، بما يضمن الحد من تكرار الحرائق وسرعة الاستجابة عند اندلاعها.