الاثنين 9 مارس 2026
في روايته الصادر عام 1966 وثق الأديب السوداني الشهير، الطيب صالح، واحدة من أكبر مآسي سكان أفريقيا الذين قد تقودهم مواهبهم إلى السعي لخلق فرص أفضل قد تغير واقعهم المتأزم، وعلى الرغم من فردية الحكاية وخصوصيتها الأدبية إلا أنها تحولت إلى ظاهرة بعدما باتت القارة طاردة للنوابغ وتعاني من تصاعد في معدلات هجرة الكفاءات الذين يتدفقون سنويا نحو الشمال العالمي، لتصبح الهجرات الأفريقية مواسم تتكرر يوميا، ولم تعد قاصرة على موسم واحد كما تخيلها الطيب صالح في روايته الأكثر شهرة على المستويين العربي والأفريقي.
تشير بيانات وكالة التخطيط والتنسيق التابعة لمبادرة الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا، إلى أن أكثر من 70 ألف من المهنيين الأفارقة يغادرون بلدانهم سنويا بحثا عن فرص أفضل في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وأن غالبية هؤلاء المهاجرين هم من ذوي الكفاءات العالية التي لا تستطيع القارة الأفريقية تعويضهم بسهولة، وهو ما يعود بالسلب على قطاعات تنموية مهمة في مقدمة الخدمات الطبية والتكنولوجيا والإنشاءات والتعليم.
كشفت الوكالة هذه الظاهرة المتفاقمة تكلف عددا من دول القارة خسارة كوادر أكاديمية ومهنية من مهندسين وعلماء وأطباء وممرضين ومحاسبين، وغيرهم من ذوي الكفاءات، لصالح الدول المتقدمة التي تُقدم رواتب مجزية وظروف عمل أفضل، وهو ما يؤثر سلبًا على التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتطلعات القارة للنمو.
في مقدمة المهنيون الأفارقة الذين يهاجرون بشكل سنوي يأتي الأطباء والعاملون في قطاع الرعاية الصحية، حيث ترصد تقارير منظمة الصحة العالمية وجود عجز هائل في أعداد مقدمي الرعاية الصحية في دول القارة تزامنا مع هجرة آلاف منهم للعمل في دول الاتحاد الأوروبي والأمريكيتين، مشيرة إلى أن القارة تحتاج إلى 14.5 مليون عامل لتوفير التغطية الصحية الشاملة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأن هذا العجز سيصل في 2030 إلى 6.1 مليون عامل.
في المقابل يشكل الأفارقة نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الصحي الأمريكي والأوروبي، إذ أن 77٪ من الأطباء الذين تلقوا تدريبهم في ليبيريا يعملون في الولايات المتحدة وحدها، ويعمل حوالي 6770 مواطنًا نيجيريًا في قطاع الخدمات الصحية البريطانية، كما أن أكثر من 50٪ من الأطباء المتدربين في نيجيريا يمارسون مهنتهم خارج البلاد. ويغادر 70٪ من خريجي كليات الطب غانا في غضون 5 سنوات فقط من التخرج وهو ما يخلق عجزًا كبيرًا في الرعاية الصحية بهذه البلدان.
لا تقف الخسائر عند العجز الذي يواجه قطاع الخدمات الطبية، إذ تشير دراسة إلى أن الحكومات الأفريقية تتكبد خسائر مالية ضخمة نتيجة هجرة الأطباء إذ تقدر تكلفة تعليم وتأهيل طبيب قادر على تقديم الخدمة ما بين 21 ألف دولار 58 ألف دولار، بينما تصل الفاتورة الإجمالية لحوالي 2.17 مليار دولار أمريكي تفقدها القارة سنويا، نصيب دولة مثل ملاوي منها حوالي 2.16 مليون دولار، بينا يقفز الرقم ليصل إلى حوالي 1.41 مليار دولار في جنوب أفريقيا.
أكثر من 70 ألف من المهنيين الأفارقة يغادرون بلدانهم سنويا بحثا عن فرص أفضل في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وأن غالبية هؤلاء المهاجرين هم من ذوي الكفاءات العالية التي لا تستطيع القارة الأفريقية تعويضهم بسهولة
مقابل هذه الخسائر تحقق الدول المستقبلة لهؤلاء الأطباء مبالغ طائلة نتيجة توظيف هؤلاء الأطباء المدربين دون تحمل تكلفة تعليمهم وتأهيلهم، حيث تجني المملكة المتحدة ما يقدر بنحو (2.7 مليار دولار أمريكي) والولايات المتحدة (846 مليون دولار أمريكي).
لا تقتصر هجرة المواهب الأفريقية على الأطباء بل تمتد إلى قطاع المهندسين، حيث يشير الباحث سكوت فيرسينغ، الخبير في العلاقات الأمريكية الأفريقية، إلى أن هجرة العقول تمتد أيضا إلى المهندسين الأفارقة، إذ تعاني جنوب أفريقيا من هجرة المهندسين الأكفاء بشكل سنوي، وأن السبب في ذلك يعود إلى قصور المؤسسات الحكومية في البلد الأم، لافتا إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في أن المهاجرين هم في الغالب من المهندسين الأكثر خبرة الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و60 عاماً، مما يعني أن الخريجين الشباب يفقدون مرشدين هم في أمسّ الحاجة إليهم.
تمتد الأزمة لقطاعات مهنية وأكاديمية أخرى فالمعلمون والباحثون الأفارقة يشكلون نسبة كبيرة من العاملين في القطاعات الأكاديمية الأوروبية حيث تشير التقارير إلى أن 27 ألف عالم أفريقي هاجروا من مختلف البلاد الأفريقية إلى الدول الصناعية بين الأعوام 1960 – 1975، وأنّ العدد قد ارتفع خلال السنوات اللاحقة حتى أنه بات يوجد أكثر من مليون أفريقي من حاملي الشهادات العليا بالغرب، حيث تفقد القارة في المتوسط 20000 طبيب ومحاضر جامعي ومهندس سنوياً.
يهاجرون إلى الولايات المتحدة وكندا، ووفقا للأرقام ذاتها، 54٪ من الأطباء، و26٪ من المهندسين، و17٪ من أصحاب الشهادات العلمية العليا المتخرجين من الجامعات والمعاهد العربية والأفريقية؛ ونصف الطلبة الأفارقة والعرب الذين يتابعون دراستهم بالخارج لا يعودون إلى بلدانهم. كما أن خمسة بلدان من الدول الأقلّ نمواً عالميا من بينها (الرأس الأخضر، وغينيا، والصومال) خسرت في السنوات الأخيرة أكثر من نصف المهنيين من خريجي الجامعات الذين رحلوا إلى بلدان صناعية بحثاً عن أوضاع وظيفية أفضل.
ليس هذا فحسب بل إن أكثر من 22 ألف عالم جنوب أفريقي يقيمون حالياً خارج البلاد، وأكثر من 60٪ من أصحاب التخصّصات العليا، يتمركزون في ست دول غربية، هي: أستراليا والمملكة المتحدة وكندا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. كما خسرت القارة نحو 60 ألفاً من المديرين على مستويات الإدارة العليا والمتوسطة بين عامي 1985 و1990.
هذه الهجرة لا تقتصر على عمليات الهجرة النظامية بل تمتد إلى الهجرة غير المشروعة، إذ تشير دراسة إلى أن المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة في أوروبا غالبيتهم إما كانوا موظفين أو طلابًا وقت مغادرتهم، إلا أنهم شعروا باليأس من التوقعات الاقتصادية التي كانت تنتظرهم، وهو ما دفعهم لاختيار مسار الهجرة كما أن غالبيتهم لا يفضلون العودة إلى أوطانهم.
تتمحور أسباب هجرة العقول الأفريقية إلى البحث عن وظائف ذات رواتب أعلى خارج القارة هربًا من القيود الاجتماعية والاقتصادية، كالفقر ومحدودية البنية التحتية والوظائف المتدنية، إذ أن غالبية البيئات الأفريقية لا تلبي تطلعات المهنيين الأفارقة، بينما توفر الدول الأوروبية ودول الخليج فرصا مواتية تُتيح لهم إمكانية إنشاء مشاريع تجارية مُربحة والحصول على وظائف ذات رواتب مجزية.
رغم أن الدول الأوروبية تمثل واجهة تفضيلية للعقول الأفريقية الباحثة عن فرصة أفضل إلا أن السنوات الأخيرة شهدت هجرة بعض المهنيين الأفارقة للصين، وهو ما يراه الباحث سيميون لاوترباخ المتخصص في الاقتصاد الدولي مصدر تهديد آخر، فعلى الرغم من النقاط الإيجابية والمكاسب التي قد تتحقق للدول الأفريقية في حال عودة الطلاب الذين درسوا بالخارج إلا أن هؤلاء الطلاب قد يجدوا أنفسهم أمام تفاعل معقد بين الأيديولوجيات الغربية والصينية إلى جانب أيديولوجياتهم الخاصة، وهو ما قد يكون له تأثيرات سلبية على المستوى السياسي والاجتماعي، فقد يصعب التوفيق بين القيم الاجتماعية والسياسية المختلفة التي تُدرّس في المؤسسات الأوروبية والأمريكية والصينية.
لا يقف الأمر على حد التأثير على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بل وصل الأمر إلى استنزاف الإنتاج المعرفي الأفريقي، بسبب هجرة العلماء الأفارقة والتحاقهم بأكاديميات وجامعات غربية، حيث تشير الأرقام إلى أن القارة ساهمت بنحو 1.8٪ (68945 منشورًا في العلوم والتكنولوجيا) من المنشورات البحثية وبراءات الاختراع الممنوحة في عام 2004، وبالمقارنة، خلال الفترة نفسها، أنتجت أوروبا 43.8٪ من المنتجات المعرفية، وأمريكا الشمالية 37٪، وآسيا 8.6٪، وأمريكا اللاتينية 4.7٪، وأوقيانوسيا 4.2٪، وبحلول عام 2017 تراجعت هذه النسبة الضئيلة أصلا بشكل مروع حتى أنها وصلت إلى 0.7٪ فقط من الإنتاج العالمي المعرفي.
المشكلة الأكبر تكمن في أن المهاجرين هم في الغالب من المهندسين الأكثر خبرة الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و60 عاماً، مما يعني أن الخريجين الشباب يفقدون مرشدين هم في أمسّ الحاجة إليهم
ورغم كارثية النتائج على المستوى البعيد إلا أن بعض الحكومات الأفريقية تحتفى بهذه الهجرات، وتراها موردا أساسيا لجنى العوائد بالعملات الأجنبية عن طريق تحويلات العاملين بالخارج الذين يشكلون نسبة لا يستهان بها من موارد كثير من الدول الأفريقية، حتى أن كينيا أبرمت اتفاقا مع ألمانيا يسمح بسفر حوالي آلاف العمال الكينيين المهرة إلى ألمانيا سنويا، في خطوة اعتبرت أحد الإجراءات التنظيمية التي يمكن البناء عليها لتنظيم عمليات هجرة الكفاءات بما لا يضطر بالدول الأم.
أمام هذه التحديات المتفاقمة سعت حكومات أفريقية إلى تبنى سياسات تحد من هجرة العقول عبر مجموعة من المبادرات والتدابير لاستبقاء الكفاءات المفقودة، وكان من بينها الجهود التي أقدمت عليها جنوب أفريقي عبر قنوات دبلوماسية رسمية لمطالبة الدول الغربية بالتوقف عن ملاحقة مواطنيها من خلال حملات التوظيف الموجهة. كما أوصت اللجنة رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي والمعنية بالابتكار والتقنيات الناشئة (APET) بتوظيف التكنولوجيا الرقمية لمواجهة هذه الظاهرة عبر برامج تدريبة، وتأهيل مزيد من الأفراد في القارة.
مستقبل شباب أفريقيا لا يكمن في الهجرة إلى أوروبا، ولا ينبغي أن يكون في قاع البحر الأبيض المتوسط؛ بل يكمن في أفريقيا مزدهرة قادرة على خلق الفرص لسكانها
من بين التجارب الناجحة في هذا الصدد ما أقدم عليه علماء ومبتكرون وأطباء في نيجيريا حيث طوروا تطبيق يسمى (Medics2You)، وهو منصة رقمية مصممة لتجاوز النظام الطبي النيجيري الحالي، واستكماله من خلال ربط المرضى النيجيريين بحوالي 18,000 طبيبا نيجيريا مقيمين في المملكة المتحدة لتلقّي الرعاية الطبية عن بعد، حيث يمكن للنيجيريين المقيمين في أفريقيا استشارة هؤلاء الأطباء من خلال الاستشارات المرئية المباشرة، كما يُمكن للأطباء وصف الأدوية وتوصيلها إلى منازل المرضى وأماكن عملهم بالتعاون مع شركاء طبيين محليين.
ليس هذا فحسب بل يُمكن للعلماء والعاملين في مجال الرعاية الصحية والمهندسين من المغتربين المشاركة في تقديم دورات تدريبية لزملائهم في أفريقيا من خلال التعلّم الإلكتروني على المنصات الرقمية.
عطفا على ذلك يطالب الطبيب التنزاني إدوين سامويل تشيلونغا في مقال له بإعطاء الأولوية لرفاهية العاملين في مجال الرعاية الصحية من خلال تحسين تخصيص الموارد وتحسين ظروف العمل، على أن تتناسب هذه الإجراءات مع تفاني العاملين في مجال الرعاية الصحية تجاه مرضاهم ومجتمعاتهم.
يتفق مع هذا التوجه الناشط الغاني ريتشارد كويتسو المُهتم بالحوكمة الرشيدة وتمكين الشباب، والذي يرى أن هجرة العقول الأفريقية تؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية الماهرة في بلدان المنشأ، مطالبا الحكومات الأفريقية بالسعي لحل هذه المعضلة عبر تخليق مزيد من فرص العمل وتحسين الأدوات الرقابية وتطوير قطاعات التعليم والتأهيل، مشيرا إلى أن مستقبل شباب أفريقيا لا يكمن في الهجرة إلى أوروبا، ولا ينبغي أن يكون في قاع البحر الأبيض المتوسط؛ بل يكمن في أفريقيا مزدهرة قادرة على خلق الفرص لسكانها دون الحاجة للمغادرة.