تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 17 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

حميدتي من تاجر إبل إلى الرجل الأقوى: مسار الصعود وتحوّل خرائط النفوذ

7 نوفمبر, 2025
الصورة
حميدتي من تاجر إبل إلى الرجل الأقوى: مسار الصعود وتحوّل خرائط النفوذ
Share

برز محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، باعتباره الرجل الأقوى على الساحة السودانية؛ فالقوة شبه العسكرية التي يقودها، قوات الدعم السريع، تمسك اليوم بزمام نحو نصف البلاد. وقد سجّلت هذه القوة منعطفًا حاسمًا بسيطرتها على مدينة الفاشر، آخر معاقل حامية الجيش السوداني وحلفائه المحليين في دارفور. ويواجه سكان الفاشر مجاعةً مؤكّدة عقب حصارٍ امتد 18 شهرًا، وفق تأكيد مجموعة خبراء أمن غذائي معتمَدة لدى الأمم المتحدة.

يُنظر إلى حميدتي بثنائيةٍ صارخة؛ خصومه يهابونه ويكرهون أساليبه، وأنصاره يشيدون بصلابته وشدّته وبوعده هدم دولةٍ فقدت شرعيتها. خلفيته متواضعة؛ فهو من فرع المهارية في قبيلة الرزيقات العربية الرعوية الممتدة بين تشاد ودارفور. وُلد عام 1974 أو 1975، كحال كثيرين من أبناء الأرياف الذين لا تُسجَّل ولاداتهم رسميًا، وانتقلت عشيرته بقيادة عمّه جمعة دقلو إلى دارفور في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي هربًا من الحرب، وبحثًا عن مراعي أوسع، فاستقروا بإذن السلطات. انقطع حميدتي عن الدراسة في مطلع مراهقته، وبدأ يكسب رزقه من تجارة الإبل عبر الصحراء إلى ليبيا ومصر.

في تلك الحقبة كانت دارفور غرب السودان المتوحش؛ إقليمًا فقيرًا، خارج سيادة القانون، ومهمَّشًا من حكومة عمر البشير. كانت ميليشيات الجنجويد، ومن بينها قوة يقودها جمعة دقلو. تشنّ هجمات على قرى جماعة الفور، السكّان الأصليين للإقليم. ومع تفاقم الحلقة المفرغة من العنف، اندلع عام 2003 تمرّد واسع انضمّ فيه إلى مقاتلي الفور مساليتٌ وزغاوةٌ وغيرهم، احتجاجًا على تهميشٍ مزمن مارسته النخب العربية الحاكمة في الخرطوم.

أمر البشير الجيش بإطلاق النار على المعتصمين، لكنّ كبار القادة، ومن بينهم حميدتي، اجتمعوا وقرّروا عزله. فابتهجت الحركة الديموقراطية… إلى أن انقلب المشهد لاحقًا

جاء ردّ البشير بتوسيع ميليشيات الجنجويد على نطاقٍ واسع لتتصدّر جهود مكافحة التمرّد. وسرعان ما عُرفت هذه الميليشيات بسياسات الحرق والنهب والاغتصاب والقتل. وكانت وحدةُ حميدتي جزءًا من تلك الآلة؛ إذ أفاد تقريرٌ لقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي أنها هاجمت قرية أدوه ودمّرتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، ما أسفر عن مقتل 126 شخصًا، بينهم 36 طفلًا. وقد خلص تحقيقٌ أميركي إلى أنّ الجنجويد ارتكبوا إبادةً جماعية.وأُحيل نزاع دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي وجّهت اتهاماتٍ إلى أربعة رجال، بينهم البشير، الذي نفى تهمة الإبادة، بينما اعتُبر حميدتي، آنذاك، أدنى رتبةً من أن يكون في مرمى ادّعاء المحكمة. وحده «عقيد العُقداء» في الجنجويد، علي عبد الرحمن «كوشيب»، أُحيل إلى المحاكمة، وأُدين الشهر الماضي بـ27 تهمة تتعلّق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، على أن يصدر الحكم عليه في 19 نوفمبر/تشرين الثاني.

في السنوات التي أعقبت ذروة العنف عام 2004، لعب حميدتي أوراقه بدهاء؛ فانتقل من قائدٍ ميداني إلى رأس قوّةٍ شبه عسكرية نافذة وإمبراطوريةٍ اقتصادية وآلةٍ سياسية. إنها حكايةُ انتهازيةٍ ممزوجةٍ بريادة أعمال. تمرّد لفترةٍ وجيزة مطالبًا بدفع متأخرات جنوده وترقياتهم، وبمنصبٍ سياسيٍ لأخيه؛ فاستجاب له البشير بمعظم مطالبه، فعاد إلى الصف. لاحقًا، حين تمرّدت وحداتٌ أخرى من الجنجويد، قاد حميدتي القوّات الحكومية في قمعها، وبسط في الأثناء سيطرته على أكبر منجم ذهب تقليدي في دارفور؛ جبل عامر، وخلال وقتٍ قصير، أصبحت شركة العائلة «الجنيد» أكبر مُصدّرٍ للذهب في السودان.

عام 2013 طلب حميدتي -وقد نال- تقنين وضع قوّته الجديدة قوات الدعم السريع بوصفه قائدًا لها على أن ترتبط مباشرةً بالرئيس. دُمج الجنجويد في القوّة الوليدة، فحصلوا على زيّ ومركبات وأسلحة جديدة، وأُلحقت بها كوادر من الجيش النظامي للمساعدة في ترقيتها. حققت الدعم السريع انتصاراتٍ مهمّة على حركات دارفور المسلّحة، وأدّت أداءً أضعف في جبال النوبة المتاخمة لجنوب السودان، وتولّت مقاولة فرعية لحراسة الحدود مع ليبيا؛ ظاهريًا لكبح الهجرة غير النظامية عبر الصحراء، وباطنًا لمزاولة الابتزاز والاتّجار بالبشر وفق تقارير عديدة.

في 2015 طلبت السعودية والإمارات من الخرطوم إرسال قواتٍ للقتال ضد الحوثيين في اليمن. قاد القوةَ جنرالٌ خَبَر دارفور من قبل، هو عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش اليوم وخصم الدعم السريع. رأى حميدتي فرصةً منفصلة، ففاوض صفقةً خاصة مع الرياض وأبوظبي لتزويدهما بمقاتلين من قواته. كانت الصلة بأبوظبي الأكثر أثرًا؛ إذ دشّنت علاقةً وثيقة مع رئيس الإمارات محمد بن زايد. توافد شبّان سودانيون، ومن دولٍ مجاورة، إلى مراكز تجنيد الدعم السريع لقاء مبالغ وصلت إلى 6 آلاف دولار عند التوقيع. وبالتوازي، أبرم حميدتي شراكةً مع مجموعة فاغنر الروسية، وفّرت تدريبًا مقابل تسهيلاتٍ تجارية، بينها صفقات ذهب. زار الرجل موسكو لتكريس الاتفاق، وكان هناك يوم غزو أوكرانيا، ثم نفى، بعد اندلاع الحرب في السودان، تلقيه أي دعمٍ من فاغنر.

بينما تتلاحق الاتهامات لقواته بارتكاب مجازر في الفاشر وغيرها، يبدو واثقًا من الإفلات من العقاب في عالمٍ لا يُبدي اكتراثًا كافيًا بما يجري

ورغم ازدياد مهنية وحدات القتال الأساسية في الدعم السريع ظلّت تضمّ ائتلافًا من ميليشياتٍ غير نظامية على النمط القديم. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، استدعى البشير وحدات حميدتي إلى الخرطوم. ولعب على تورية اسمه مُسمّيًا إيّاه «حِمايتي»، ورآه كفّةً مضادّة لاحتمال انقلابٍ من الجيش والأمن. كان ذلك رهانًا خاطئًا. ففي أبريل/نيسان 2019 طوّق اعتصامٌ مدنيٌ واسع مقرّ القيادة العامة مطالبًا بالديموقراطية. أمر البشير الجيش بإطلاق النار على المعتصمين، لكنّ كبار القادة، ومن بينهم حميدتي، اجتمعوا وقرّروا عزله. فابتهجت الحركة الديموقراطية… إلى أن انقلب المشهد لاحقًا.

لبُرهة قصيرة بدا حميدتي وجهًا جديدً المستقبل السودان؛ شابًّا منفتحًا، يلتقي فئاتٍ اجتماعية شتّى، ويقدّم نفسه بديلًا لمؤسّسة البلاد التقليدية. لكن ذلك لم يدم. ومع تباطؤه ورئيس المجلس العسكري شريكه، البرهان، في تسليم السلطة للمدنيين، صعّد المحتجون من زخمهم، فأطلق حميدتي الدعم السريع لقمعهم؛ قُتل مئات، واغتُصبت نساء، وأُلقي رجالٌ في النيل وأقدامهم مُثقلةٌ بالطوب، وفق تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، وإن كان حميدتي يقر على نفي مسؤولية قوّاته عن تلك الانتهاكات.

بضغط من «الرباعية» الداعمة لمسار الانتقال (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات)، أُبرمت تسوية صاغها وسطاء أفارقة، عاش السودان بموجبها عامين من تعايشٍ هشّ بين مجلس سيادي ذي غلبةٍ عسكرية وحكومةٍ مدنية. ومع اقتراب لجنة حكومية من إنجاز تقريرها حول شركات الجيش والأمن والدعم السريع، وهو تقرير كان سيكشف وتيرة توسّع إمبراطورية حميدتي الاقتصادية، أطاح البرهان وحميدتي بالحكومة المدنية، واستأثرا بالسلطة.

لكن شركاء الانقلاب سرعان ما اختلفوا. طالب البرهان بإخضاع الدعم السريع للقيادة العامة، فرفض حميدتي. وقبيل مهلةٍ نهائية في أبريل/نيسان 2023، حركت الدعم السريع وحداتها لتطويق القيادة العامة والسيطرة على قواعد رئيسية والقصر الجمهوري في الخرطوم. فشل الانقلاب، وتحولت العاصمة إلى ساحة حربٍ مفتوحة. وفي دارفور انفجر العنف على نحوٍ مروّع؛ إذ شنّت وحدات الدعم السريع حملةً شرسة على جماعة المساليت. قدّرت الأمم المتحدة حصيلة القتلى المدنيين بنحو 15 ألفًا، ووصفت الولايات المتحدة ما جرى بالإبادة، فيما نفت الدعم السريع الاتهامات. تداول قادتها مقاطع تظهر تعذيبًا وقتلًا على أيدي مقاتليهم، في استعراض فجّ لشعورٍ بالإفلات من العقاب. واجتاحت قوات الدعم السريع وحلفاؤها مدنًا وأسواقًا وجامعاتٍ ومستشفيات، وتدفّقت جبالٌ من المسروقات إلى ما صار يُعرف بـ«أسواق دقلو» داخل السودان وخارجه إلى تشاد ودولٍ مجاورة، مع نفي القوّة أي صلةٍ لمقاتليها بالنهب.

يسعى حميدتي إلى بناء تحالفٍ سياسي يضم مجموعاتٍ مدنية وحركاتٍ مسلّحة، من بينها خصومٌ سابقون في جبال النوبة، وأعلن تشكيل «حكومة السلام والوحدة» الموازية متولّيًا رئاستها

في الأسابيع الأولى من الصراع أُصيب حميدتي إصابة بالغة وهو محاصر في القصر تحت قصف المدفعية والغارات، فاختفى عن المشهد العام. ولمّا عاد بعد أشهر، لم يُبدِ ندمًا على الانتهاكات المنسوبة إلى قواته، ولا تراجعًا عن خيار الحسم بالقوة.

وخلال ذلك، راكمت الدعم السريع ترسانةً أحدث، بينها طائرات مُسيّرة متطورة استُخدمت لضرب عاصمة البرهان بحكم الأمر الواقع، بورتسودان، ولعبت دورًا حاسمًا في الهجوم على الفاشر. وقد وثّقت تحقيقات صحفية، منها تحقيق لنيويورك تايمز، نقل هذه الأسلحة عبر مهبطٍ وقاعدة إمداد شيدتهما الإمارات داخل الأراضي التشادية، فيما تنفي أبوظبي تسليح الدعم السريع. بهذه القدرات دخلت القوة في حالة تعادل استراتيجي مع شريكها السابق، الجيش السوداني.

بالتوازي، يسعى حميدتي إلى بناء تحالفٍ سياسي يضم مجموعاتٍ مدنية وحركاتٍ مسلّحة، من بينها خصومٌ سابقون في جبال النوبة، وأعلن تشكيل «حكومة السلام والوحدة» الموازية متولّيًا رئاستها. ومع سقوط الفاشر، باتت الدعم السريع تسيطر على معظم المناطق المأهولة غرب النيل. وعلى وقع تصاعد تقارير القتل الجماعي والإدانات الواسعة، أعلن حميدتي فتح تحقيق في انتهاكات قال إن جنودًا من قواته ارتكبوها أثناء اقتحام المدينة.

يذهب سودانيون إلى أنّ حميدتي يطمح إمّا إلى رئاسة كيانٍ انفصالي، وإمّا ما يزال يرى نفسه حاكمًا محتملًا لكل السودان. وثمة من يراه يتخيّل دور عرّاب مطلق النفوذ؛ على رأس تكتّلٍ يلمّ شركاتٍ وأذرعًا عسكريةً مرتزقة وحزبًا سياسيًا، حتى إذا لم يُقبَل وجهًا علنيًا للدولة. وبينما تتلاحق الاتهامات لقواته بارتكاب مجازر في الفاشر وغيرها، يبدو واثقًا من الإفلات من العقاب في عالمٍ لا يُبدي اكتراثًا كافيًا بما يجري.

المزيد من الكاتب