الأحد 8 فبراير 2026
استطاع الجنرال السوداني المنشق محمد حمدان دقلو "حميدتي" بخطابه أن يجمع بموجبه عشرات الآلاف من المتحمسين للقتال، وإن لم يكن معتمداً بالدرجة الأولى على المبررات السياسية الرفيعة، فالحديث عن تحقيق التحول الديمقراطي ومحاربة الإسلام السياسي والانتقال إلى دولة علمانية، كلها مفاهيم ثقيلة وصعبة على عامة المخاطبين.
يمكن أن تكون هذه الشعارات مفيدة لمخاطبة العالم، وكسب تعاطف الدول القلقة من عودة السودان لحكم الإسلاميين. أما في الداخل، فإن الخطاب الجاذب أكثر هو الخطاب، الذي ينظر للأمور بالمنظار العرقي المحض، والذي يرى حميدتي كبطل بارز من أبناء قبائل الجنجويد العربية الدارفورية، الذي يستحق أن ينال الدعم، بما يساعد على تحقيق حلمه في الوصول إلى حكم السودان، ما يعني بالضرورة تمكين أبناء هذه المجموعات والمكونات من الوصول إلى السلطة وإلى قلب دائرة الحدث السياسي.
لشرح جدوى الحرب كان خطاب التمرد يستعيد المقولات القديمة المتعلقة بالتهميش، وبسيطرة نخبة معينة على خيرات السودان بغير وجه حق. مشكلة هذا الخطاب لا تكمن فقط في كونه خطاباً غير واقعي وتكذبه النظرة الفاحصة على خريطة السلطة والثروة في البلاد، بل في كونه خطاباً مليئاً بالحقد الكافي لتحويله لقنبلة اجتماعية، عبر خلق أعداد كبيرة من المتحمسين المتقبلين لفكرة القتل والتنكيل على الهوية بعد اقتناعهم بأن هذا الآخر ليس بريئاً، وإنما هو مجرم حصل على ما لا يستحق.
خطاب المظلومية هذا لا نجده عند حميدتي فقط، بل هو خطاب قديم، يمكن تتبعه في أدبيات "الحركة الشعبية"، التي قاتلت حتى حصلت على حق الانفصال في الجنوب، وفي بيانات كل الحركات المتمردة التي تستند في مرجعيتها إلى نظرية المركز والهامش
العقليات المخاطبة بهذه الدعاية المدمرة كانت بسيطة لدرجة أنها لم تكن تحتاج لأي تفصيل، ولم تكن هناك أي فرصة لطرح أسئلة من قبيل: ماذا عن أبناء الوسط والشمال، الذين لم يكونوا بأي حال جزءاً من الحكومة أو من الأنظمة السياسية، أو ماذا عن الذين يمتلكون بالفعل بيوتاً وسيارات أنيقة اكتسبوها بعد اغتراب دام لعقود خارج البلاد؟
في حين كان حميدتي يحاول ألا يظهر بشكل عنصري فج، كان يخرج منه بين الحين والآخر، خاصة إبان الخطابات العفوية ما يوضح نواياه، إلا أن الخطاب كان أوضح لدى الشخصيات الإعلامية المرتبطة به، والتي تظهر عبر مخاطبات لا تخلو من تحريض مباشر على القتل، وارتكاب جميع الانتهاكات ضد أبناء الشمال وضد قبائل معينة كالشايقية والجعليين، الذين يكثر ذكرهم.
لحميدتي خبرة طويلة في توظيف الحماس العشائري لأهداف سياسية، فقد سبق إلى تحويل الحرب ضد الحركات المتمردة في دارفور من مجرد كفاح ضد متمردين، إلى حرب مجموعات أبناء جنيد أو "الجنجويد" ضد القبائل الأفريقية. كان منطق حميدتي، الذي اقتنعت به الدولة آنذاك، يقول إن من الصعب تجنيد مجموعات كبيرة من الشباب من خلال الحديث عن الوطن وضرورة حمايته، في حين يكون من السهل الحصول على إمداد بشري لا ينقطع، بل قد يشمل مشاركين من خارج الحدود أيضاً، إذا تم تصوير المعركة كمعركة ضد قبائل منافسة وعدو تقليدي يريد أخذ الأرض والموارد.
من هذه الأهداف تعمد الإذلال والتنكيل والتلذذ بتصوير الناس في هذه الحالة. كان ذلك يجعل الميليشيا تبدو لعامة الناس ليس كمجرد مجموعة سياسية ترغب في الوصول إلى الحكم، ولكن كتجمع للمرضى النفسيين
بنفس المنطق المعتمد على "الفزع" وفتح باب التطوع لقتال "الجلابة"، أي سكان وسط وشمال السودان، قدم عشرات الآلاف للالتحاق بمعركة الخرطوم وللمساعدة على إحكام السيطرة على مساحة شاسعة، تشمل أجزاء كبيرة من أقاليم السودان الوسيطة.
الملاحظ في حرب النهر الجديدة هذه هو أنها كانت مختلفة، بمعنى أن ما كان يهم المجموعة الغازية لم يكن الأهداف العسكرية فقط، بل ظهر منذ اليوم الأول أن هناك أهدافاً ثقافية واجتماعية أخرى يضعها القادمون المسلحون على رأس أولوياتهم.
من هذه الأهداف تعمد الإذلال والتنكيل والتلذذ بتصوير الناس في هذه الحالة. كان ذلك يجعل الميليشيا تبدو لعامة الناس ليس كمجرد مجموعة سياسية ترغب في الوصول إلى الحكم، ولكن كتجمع للمرضى النفسيين، الذين وصل بهم غياب الوعي درجة أن يوثق أحدهم لنفسه وهو يقوم بتصفية المدنيين أو وهو يعتدي على النساء أو الأطفال أو يقوم بتعذيبهم.
كان واضحاً كذلك أن تهجير الناس من مناطقهم هدف في حد ذاته، فبعد التركيز على ضرب المنشآت وتعطيل محطات المياه والكهرباء تم اللجوء إلى القصف العشوائي، الذي جعل كثيرين يرون بأن البقاء تحت القصف مخاطرة. أما البقية، التي آثرت الصمود فكانت تتعرض بين حين وآخر للتنكيل والتخويف والاتهام بتعاونها مع الجيش.
ظن الغزاة القادمون أن الأمر يمكن أن يكون سهلاً. ربما أغراهم التمدد خلال الشهور الأولى من الحرب فشعروا ببعض الزهو وهم يتعمدون نسيان الحقيقة، التي خلقت لهم ذلك الانتصار الزائف، وهي أن السكان في أغلب المناطق التي دخلوها لم يكونوا مسلحين، وأنهم آثروا الاستسلام وترك بيوتهم لأنهم أُخذوا غدراً ووجدوا أنفسهم طرفاً في معركة لم يكونوا مستعدين لها.
لبضعة أشهر، واعتماداّ على الخطاب ذاته، الذي يبيح أخذ أموال وممتلكات الناس بغير وجه حق، بدأت مجموعات من "الجنجويد" بالانتقال إلى البيوت، التي تركها أصحابها، جالبين معهم زوجاتهم وعائلاتهم، التي اعتبرت أن الأمر كله ليس سوى غنيمة حرب.
مشكلة هذا الخطاب لا تكمن فقط في كونه خطاباً غير واقعي وتكذبه النظرة الفاحصة على خريطة السلطة والثروة في البلاد، بل في كونه خطاباً مليئاً بالحقد الكافي لتحويله لقنبلة اجتماعية، عبر خلق أعداد كبيرة من المتحمسين المتقبلين لفكرة القتل والتنكيل على الهوية
لاحقاً سوف يتم إخراج هؤلاء جميعاً وتحرير الخرطوم، لكن اللافت في هذه القصة هو انتشار هذا الخطاب المبني على فكرة الشمالي الظالم، الذي يستحق ما يحصل له، والذي تم اعتماده بشكل واسع، وبدا أن الجميع هناك مقتنعون به، ابتداءاً من الأمهات وربات البيوت، اللواتي نظمن كلمات الحماسة لدفع أبنائهن للقتال والسرقة، ونهاية بوجهاء القبائل والعشائر، الذين أعلن أغلبهم منذ وقت باكر انحيازهم لحميدتي، واعتبارهم أن هذه هي معركة الجميع.
لم يظهر أثر هذا الخطاب الحاقد فقط في أعمال السرقة والقتل والاغتصاب، التي يحاول البعض التقليل منها معتبراً أنها مجرد نتيجة من نتائج الحرب، وإنما ظهر بشكل أكبر في أعمال التخريب، ففي المحلات والمتاجر والمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج كان المجرمون يعتمدون على مبدأ سرقة كل ما يمكن أخذه مع حرق أو تخريب ما لا يستطيعون الاستفادة منه أو نقله. في كثير من الأحيان يتحول ذلك التخريب إلى عمل ممنهج، فيتم بشكل يجعل عملية إصلاح ما خرب أو إعادة توصيل ما كسر أمراً صعباً أو شبه مستحيل.
خطاب المظلومية هذا لا نجده عند حميدتي ومجموعته المتمردة فقط، بل هو خطاب قديم، يمكن تتبعه في أدبيات "الحركة الشعبية"، التي قاتلت حتى حصلت على حق الانفصال في الجنوب، وفي بيانات كل الحركات المتمردة، التي تستند في مرجعيتها إلى نظرية المركز والهامش، التي ترى أنه لا توجد عدالة اجتماعية في السودان لأسباب عنصرية ومناطقية.
فشل حميدتي، مع كل ما يتلقاه من دعم خارجي، في تكوين مناطق ذات سلطة إدارية جادة في مناطق سيطرته السابقة، وفشله حالياً في جعل نيالا، المدينة التي اختارها لتكون عاصمة، مدينة ذات شأن، يمكن أن يقدم رسالة للمقتنعين بهذا الخطاب البائس.
المال والأدوات والأجهزة الكثيرة وبقية المسروقات، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، والتي تم أخذها كاستحقاق ونقلها إلى دارفور، لم تنجح بعد مرور أكثر من عامين على الحرب على خلق نهضة أو تطوير، أو حتى توفير أبسط الخدمات الصحية أو التعليمية في مناطق سيطرة المتمردين. هذا يعني أن أسباب الفشل تتجاوز مسألة الحرمان من السلطة والثروة وتتعلق بالفرد نفسه وطريقة تفكيره.