الأربعاء 20 مايو 2026
على ما يبدو فإن سنوات الحظ، التي رافقت القائد الشاب محمد حمدان دقلو "حميدتي"، والتي حولته من مجرد تاجر إبل إلى قائد عسكري، ثم إلى شخص لا يكتفي بموقعه كرجلٍ ثانٍ في الدولة، هذه السنوات، التي بلغت أوجها بنجاحه في السيطرة على الخرطوم، وفي التمدد لدرجة التفكير في حكم السودان، قد انتهت.
يعيش حميدتي منذ العام الماضي لحظة أفول بطيء طويلة. يتراجع عسكرياً ويفقد مناطق حيوية كثيرة. يترافق هذا مع ضغوط دولية وحملات تطالب بملاحقته ومحاسبته على ما ارتكبته قواته من جرائم في أكثر في مكان. هذه الحملات وتلك العقوبات الدولية، التي طالت عدداً من معاونيه، كانت تجعل مواصلة دعمه مسألة مكلفة ومحرجة للجهات، التي كانت تراهن عليه، وتعتبر أن في وصوله إلى السلطة مصلحة لها.
إقليمياً، كانت دول وجهات داعمة كثيرة تبدأ بالنأي بنفسها عن الارتباط المباشر به. الجهات، التي كانت تظن أنها قد راهنت على الطرف الأقوى صاحب الفرص الأكبر في الفوز بالسلطة، بدأت تعيد حساباتها.
كان العقد الذي يجمع الجميع هو الحلم بدولة مبنية على التفوق العرقي، أما إذا كان الأمر سوف يقود بعد كل هذا لدولة تتساوى فيها الأعراق، فإن البقاء في السودان القديم يمكن أن يكون مجدياً أكثر لعامة الأفراد
الحرب الأخيرة على إيران، التي لم تقتصر آثارها على أطرافها الرئيسة، وإنما امتدت لتشمل دولاً أخرى في الإقليم، ألقت بظلالها أيضاً على الملف السوداني، حيث استجدت أولويات أمنية جديدة جعلت دعم حميدتي لا يحظى بالأهمية، التي كان يتمتع بها من قبل.
من جهة أخرى، فإن الوضع في داخل الميليشيا لم يكن أيضاً جيداً. التماسك والتنظيم، الذي كان "الدعم السريع" معروفاً به لم يستمر طويلاً، أما الهدف، الذي يقاتل من أجله المستنفرون القبليون فلم يعد واضحاً. التعريف الأسهل، الذي كان يجلب الآلاف، والذي كان يقدمه القادة المحليون بشكل بسيط للشباب المتحمسين من حواضن قبائل الجنجويد كان توصيف الحرب على أنها حرب "الغرابة"، أي أهل الغرب، على "الجلابة"، أي أهل الوسط والشمال. ذلك كان المنطق، الذي يفهمه عامة المقاتلين المحليين، لكن الذي حدث هو أن هذه الجموع انتابها الشك، حينما لاحظت أخيراً أن في وسط أهل الغرب هناك مجموعات مقربة من حميدتي وقبائل تحظى بمكانة أرقى من غيرها.
لم يكن سلوك حميدتي المتناقض نفسه يساعد على تثبيت جبهته الداخلية، فهو يريد من ناحية أن يستفيد من العصبية القبلية، التي كانت ساعدته باستجلاب الآلاف من المقاتلين حينما فقد أغلب قواته النظامية المدربة. ومن ناحية أخرى، فقد كان مشغولاً بتحسين الصورة التي يود أن يقدم بها نفسه للعالم، باعتباره زعيما يمكن الوثوق به. هذه الصورة كانت تتطلب أن يظهر بمظهر الزعيم المتجاوز للانحيازات القبلية والمؤهل لحكم كل السودان بلا تمييز.
مؤخرا بدأت شخصية رجل الدولة عند حميدتي تطغى أكثر على شخصية مقاول التحشيد القبلي. لكن المشكلة التي تواجهه تمثلت في كونه مطالب بإقناع رفاقه بأهمية هذا التحول، وبأن طموحهم يجب أن يرقى لتفكير رجال الدولة، الذي يتجاوز الدوائر القبلية والمناطقية المحدودة.
هذه الصورة كانت تتطلب أن يظهر بمظهر الزعيم المتجاوز للانحيازات القبلية والمؤهل لحكم كل السودان بلا تمييز
في سبيل تحقيق ذلك، لم يكن يكفي أن يستخدم حميدتي في خطاباته مفردات حول الحرية والديمقراطية ومحاربة الإسلاميين، بل كان عليه أن يقوم بعدة إجراءات صعبة وعالية التكلفة لتثبيت سلطته، وفرض نفسه كزعيم وحيد وجاد. هذا كان سياق هجومه قبل أسابيع على مناطق قبيلة "الزغاوة" على الحدود التشادية، فعلى الرغم من أن قيادات مقربة منه كانت تنتمي لتلك القبيلة، إلا أن إخضاع تلك الجيوب وتأمين تلك المناطق كان بالنسبة إليه مما لا غنى عنه. كان هذا هو أيضاً المنطق، الذي قاد لمهاجمة منطقة مستريحة، مقر إقامة الزعيم القبلي موسى هلال، الذي يرتبط مع حميدتي بارتباطات عشائرية.
كان لا مفر من هذه الهجمات من أجل أن تكتمل سيطرة حميدتي على إقليم دارفور ومن أجل ألا يترك مناطق رمادية الولاء خلفه. مناطق الزغاوة كانت تشكل خطراً لأنها في نظره غير مأمونة الجانب، خاصة بعد استقطاب الدولة لكثير من أبنائها تحت مظلة "القوات المشتركة"، أما موسى هلال فلم يكن موقفه القريب من الحكومة مرضياً، فقد كان يُخشى أن يتم استغلاله من أجل الالتفاف أو توجيه ضربة باستغلال موقع وجوده الاستراتيجي، الذي يقع على الطريق بين مدينتي الجنينة والفاشر وبالقرب من كبكابية، التي تحظى بأهمية عسكرية.
إلا أن ما كان واضحاً بالنسبة لحميدتي لم يكن بذات الوضوح بالنسبة لأتباعه، وكان السؤال المتكرر بين مقاتليه هو: هل نحن بصدد المشروع القديم نفسه، الذي يهدف إلى قلب السلم الاجتماعي وتمكين قبائل الجنجويد والقبائل المتحالفة معها من الحكم بعد طرد القبائل الأخرى، التي تزعم دعاية التمرد أن أبناءها قد سيطروا في السابق على حكم السودان واستفادوا من ثرواته، أم أن الأمر تبدل وتحول حميدتي إلى مجرد سياسي تقليدي يتحدث بلغة أهل الخرطوم، ويحمل مشروعاً مدينياً منفصلاً عن المشروع المتأسس على رابطة الدم؟
هذه التساؤلات بدأت منذ فكر حميدتي في بناء رافعة سياسية أراد أن يصنع بها حكومة موازية لحكومة الخرطوم. من أجل تقديم نفسه للعالم سعى حميدتي لأن تكون مناصب ما سماها بـ"حكومة التأسيس" موزعة بين شخصيات من خلفيات مختلفة وإثنيات بعضها كان معروفاً بعدائه التاريخي لقبائل الجنجويد.
بدأت شخصية رجل الدولة عند حميدتي تطغى أكثر على شخصية مقاول التحشيد القبلي. لكن المشكلة التي تواجهه تمثلت في كونه مطالب بإقناع رفاقه بأهمية هذا التحول، وبأن طموحهم يجب أن يرقى لتفكير رجال الدولة
أفرز هذا حالة من التململ. كان كثيرون يعبرون عن الخذلان، وهم يرون أن تضحياتهم قد ذهبت في النهاية لخدمة جهات أخرى. هذا التململ تناسب مع تقدم الجيش ونجاحه في تحقيق انتصارات سريعة متتالية، ما أفرز تساؤلات خطيرة في داخل الميليشيا أبرزها: هل يمكن أن يتحول ذلك التململ الداخلي لحالة يأس مفضية للتخابر مع الحكومة والخيانة؟
لم يكن ذلك مستبعداً، فقد كان العقد الذي يجمع الجميع هو الحلم بدولة مبنية على التفوق العرقي، أما إذا كان الأمر سوف يقود بعد كل هذا لدولة تتساوى فيها الأعراق، فإن البقاء في السودان القديم يمكن أن يكون مجدياً أكثر لعامة الأفراد، على الأقل فإن التمييز في السودان القديم ليس واضحاً، ولا تحظى هناك أسرة واحدة بمكانة مميزة على غرار أسرة دقلو، التي يتعامل معها الجميع تعاملهم مع عائلة مالكة.
مع كل تقدم للجيش كانت حالة الشك والاتهامات بالخيانة تزداد، خاصة وأن أنباء كان يتم تسريبها عن تواصل قيادات وأفراد مع الأجهزة الأمنية في الخرطوم من أجل أن يبرؤوا ساحتهم، ويخففوا عقوبتهم في حال وصل ظل الحكومة إلى مناطقهم.
هكذا تآكلت الروح المعنوية للمقاتلين في صفوف الميليشيا. من ناحية، تلاشى الحماس الأول، الذي كان يربط التقدم في المعارك بالحصول على أموال وذهب ومغانم، بعد أن لم تعد تلك موجودة في المعارك الأخيرة، ومن ناحية أخرى فقد دفعت عمليات مثل استهداف موسى هلال، وهو زعيم قبلي وابن عمومة مهم، للتساؤل عن جدوى القتال وهدف التضحيات.
كان منسوبون للميليشيا يقولون بصوت عالٍ أنه إذا كان من الممكن، على مضض، تبرير الهجوم على ديار المحاميد في مستريحة بحساب الضرورة العسكرية، فإن من الصعب تبرير ما حدث من استباحة للمكان وتعمد للإذلال، خاصة وأن ذلك تم بالاستعانة بمقاتلين من قبائل أفريقية لم يكن يحركها الإيمان بقضية، بل الرغبة في الانتقام نتيجة لثارات قديمة.