الأربعاء 20 مايو 2026
في قراءة لدور الأدب وسط العنف والحرب، قال الروائي السوداني حمور زيادة إن الأدب قادر على "قول كل شيء"، لكنه أشار إلى أن عملية الكتابة نفسها تقوم على التخييل والتناقض، حيث تتجاور الثنائيات داخل النص دون أن تُحسم. واعتبر أن تحميل الأدب مهمة علاج الألم أو تجاوزه ليس منصفًا، موضحًا أن البشر قد يجدون السلوى بوسائل أخرى، بينما يظل الأدب حاجة إنسانية ومجتمعية قائمة بذاتها، حتى إن لم يقدّم خلاصًا مباشراً.
في حديثه عن طبيعة الفن، أوضح أن جوهره يقوم على الترميز والإيحاء، لافتًا إلى أن "قول الشيء كما يتخيله الفنان لا كما هو" يمثل أساس العملية الإبداعية. ورأى أن نجاة الفن مرهونة بإيمان الكاتب بقدرته على التعبير، محذرًا من أن الاستسلام لفكرة العجز عن قول ما يريد قد يعني نهاية هذه القدرة.
تطرق في هذا الحوار إلى تأثير الجغرافيا على حرية الكتابة، ولفت إلى هيمنة النزعة الشعرية على بعض الأعمال الروائية السودانية، معتبرًا أن الإفراط في اللغة قد يأتي أحيانًا على حساب البناء السردي. وأضاف أن الأدب يسعى، في جوهره، إلى فهم العالم وإعادة ترتيبه، بما قد يجعله أكثر قابلية للفهم، وربما أكثر أمانًا.
على الصعيد السياسي، قال إن القمع لم يعد قائمًا فقط على العنف المباشر، بل على ترسيخ الخوف الذي يدفع الأفراد للتخلي طوعًا عن أدوارهم في إدارة الشأن العام. واعتبر أن القمع يتخذ أشكالًا متعددة ومتجددة، تتجاوز النماذج التقليدية، مشيرًا إلى أن الإنسان "مبدع" حتى في ابتكار أدوات السيطرة.
حمور زيادة: إننا نواجه خطر أن تتحول الكلمة إلى رصاصة، وليس فقط تحول الكاتب لجزء من خطاب تعبوي؛ من وقف عند الخطاب التعبوي فقد نجا. ربما الأخطر هو أن ينزلق الكاتب إلى تمجيد القتل و"رمنسة" القمع. إن مجتمعاتنا السودانية تواجه لحظة غير مسبوقة في وعينا. نحن بلا خبرات حقيقية لمواجهة انهيار كهذا الذي تشهده البلاد، حيث يهرع الناس لما يظنونه النجاة، ويكونون في غاية التوحش إن حاولت إعاقتهم أو حتى الحديث معهم. من الصعب أن تقنع شخصاً تشتعل فيه النار ألا يلقي بنفسه من الطابق العاشر، سيراك عدواً.
ما يواجه الخيال واللغة مع الحرب هو سؤال ستكون إجابته هي الإنتاج الأدبي للسودانيين في السنوات القادمة.
حمور زيادة: المقصود بتحولها لرصاصة أن تكون في خدمة الموت وتسجيل السطوة. وهي معضلة تواجه الأدب، كما تواجه الدين والعلم وكل شيء. محاولة السلطة، ليس بمعناها السياسي، إنما المطلق، تطويعه لخدمتها. هكذا وجدت الإبادة والتهجير والعنصرية والحروب مبرراتها. أنا أدافع عن الأدب ومحاولة تطويعه، لكني لا أزعم أنه يواجه هذا التهديد وحده.
حمور زيادة: القمع يؤدي أحياناً إلى تجريم فكرة المشاركة لدى المواطنين. وهذا يعني تخلي الناس عن حقهم في إدارة شؤونهم. وهو أمر يتحقق بالخوف. لا أعتقد أن الشمولية تحتاج القمع اليوم. فهي تعيش أزهى عصورها مع تفشي الخوف. الخوف هو ما يسيطر على البشر حالياً. لذلك سيتعلقون بالقوي، بالحامي، بالباطش. سيتخلون طواعية عن كل شيء مقابل الشعور بالأمان، مقابل الإيمان إن هناك شخص يعرف ماذا يفعل في هذا العالم المضطرب.
حمور زيادة: الفن هو عملية ترميز، لذلك فإن لعبة الدلالات والإخفاء وقول الشيء لا كما هو، لكن كما يتخيله الفنان هي مسألة أصيلة في الفن. لذلك فإن الفن قادر على النجاة طالما آمن الفنان أنه قادر على أن يقول به ما يشاء، ألا يستسلم. لحظة التكيف والاستسلام يكون غير قادر على قول ما يريد ربما ما يعني أن هذه النجاة غير ممكنة. لا أعتقد أنه من السهل على كاتب أن يعترف ويتصالح مع حرمانه من حق التعبير.
حمور زيادة: الرمزية ظلت دائماً متهمة بأنها مراوغة، وأنها تحاول الهرب من قول الشيء بوضوح. حسناً هذا رأي قديم ربما قدم الفنون. لكن هناك مساحات واسعة لقول كل شيء بشكل مباشر وواضح. لا أظن هناك حاجة للاختلاف حول أهمية انضمام الأدب إلى جبهة المباشرة. لنترك للأدب رمزيته التي يحسبها كثيرون تناقضا وهروبا، ولنقل بغيره ما نشاء.
نعم يمكن أن يتحول التخييل إلى أداة هروب. البشر قادرون على إفساد أي شيء. الأديان تستخدم للهروب من الحقيقة. الفلسفة تستخدم للهروب من الحقيقة. الرياضة تستخدم للهروب من الحقيقة. لكن لا يمكن إدانة الأديان والفلسفة والرياضة لأن بعض البشر خافوا من المواجهة، فاختبأوا خلفها.
نعم هناك هذا الخطر. لكني لا أعتقد أن دور الكاتب أن يقلق من ذلك. إن دوره ينتهي عند إنتاج العمل. موقف القارئ ليس مهمته، وإلا فإن شكسبير سيعاني من تأويل الإنسانية لمسرحياته بأشكال مختلفة لعقود!
هل يحمله القراء ذلك؟ ربما البشر أكثر تنوعا وأطوارا من هذا الإطلاق. لا أظن متلقي الأدب طوال عمر البشرية ظلوا جميعا يحملونه هذه الوظائف. لكن برغم ذلك فإن الأدب مجمع حكم وتجارب، فمن الطبيعي أن يكتسب نصاً مكانة لما يحمله من دلالات. الشاهنامة لم تكن نصاً أدبياً، ومعلقة عمرو بن كلثوم عند بني تغلب لم تكن مجرد قصيدة.
حمور زيادة: حين أقول الأدب لا يعالج الألم بمعنى أنه لا يفعل ذلك بشكل مباشر، ولا هذه وظيفته. لكن الانشغال بالأدب قد ينسي الألم. قد يساعدك - كأثر الفراشة- على معرفة الطريق لمعالجة الألم. وأظن ذلك يحرره من الالتزامات المدرسية والتربوية التي تصر أن الأدب، كل الأدب، يجب أن يحمل رسائل أخلاقية وتنويرية. في تقديري الأدب في نفسه أخلاقي وتنويري، ولا تحتاج القصيدة أن ترتدي زبياتها الحجاب، ولا الرواية مجبرة أن يكون خطابها تقدمياً.
هذا سؤال أظن إجابته تتجاوز قدراتي. ليتني أعرف ما هي النجاة، لأعرف إن كان فهم العالم ينجي. إننا نسعى للنجاة، لكننا لا نعرف حقاً ما نسعى إليه. لكن لدينا ما نؤمن به. وهذا كاف للبشر، أن يؤمنوا.
حمور زيادة: هي تمنح حرية مختلفة. فالمحاذير داخل البلاد تختلف بلا شك عن محاذير المهجر. أما الحنين فأراه دافعاً للكتابة والإنتاج لا العكس.
حمور زيادة: هذه توصيفات واقعية لا أحكام، ولا تصور أشكالا متضادة. الطريق القصير للنشر هنا ليس طريقا "انتهازياً" ولا خيارا جبانا. لكنه بالتأكيد طريق أقصر وأسرع من النشر داخل السودان، ومحاولة تغيير واقع عملية صناعة النشر في البلاد.
حمور زيادة: هناك كتابات روائية أغواها الشعر وحلاوة اللغة على حساب العمل. وهو أسلوب طغى لزمن. ربما لأن الذائقة السودانية كما ادعي هي ذائقة شعرية بالأساس. فبقدر ما أجل الشعر وأرى أننا مدينون له، إلا أني لا أحب أن يطغى على النص الروائي.
حمور زيادة: الشعر سابق في الفن قبل الرواية. الرواية، بشكل ما، تمرد على الشعر. تمرد لا ينكر أهميته وتأثيره. يقر للشعر بمكانته، لكنه يختط طريقه الخاص. لذلك لا أرى في وجود الروح الشعرية يتناقض مع رفض هيمنة الشعر على هذا الطريق.
حمور زيادة: ليس هناك ضمان. بل هذا وارد. فإن للغة سحر.
حمور زيادة: الفهم هو بداية الطريق للنجاة، لو كانت ممكنة. محاولة إعادة ترتيب العالم كله، وليس فهم التاريخ فقط، هي محاولة الأدب. إنها محاولة لجعل العالم المضطرب هذا مكاناً مفهوماً. فربما يجعله ذلك آمناً.
حمور زيادة: أنا أميل لما سبق أن ذكرته إليف شافاق أننا من منطقة من العالم يصعب فيها أن يفصل الروائي نفسه عن الصراعات العامة والسياسية. ربما هذه رفاهية لدى كتاب دول أخرى. لكن في منطقتنا يبدو ذلك صعبا اليوم.
حمور زيادة: ربما نعيش لحظة سياسية، لذلك تشغل السياسة ذهن كثير من الكتاب والقراء. كما أن رمزية الأدب مغرية في ظل قمع حرية التعبير. لكني لا أجزم بصحة الاتهام. أنا فقط لا تشغلني الاتهامات لأنها ظلت موجودة منذ غنت أول أم التهويدة الأولى لطفلها في كهف ما. فهذه معركة لا أظنها كُتب لها أن تحسم. سيظل الأدب يتطور، وستظل الاتهامات المختلفة تلاحقه. ولن تؤذيه، لكن تساعده على التطور.
حمور زيادة: لا أعتقد انها غيرت في كتابتي بقدر ما جعلتني أكثر وعيا لأثر الكلمة. أثر ربما لا يدركه الكاتب، لكن عليه أن يؤمن أنه موجود، وأن الآخرين يدركونه. الوعي بأثر الكلمة يجعلك تحترمها أكثر، ربما يفرز هذا الاحترام حذرا وربما لا.
حمور زيادة: لا أعتقد أن العالم كله تجاوز مراحل العبودية، فهي مظهر من مظاهر القمع. والإنسان كائن معقد، في تصوره لنفسه، وفي علاقته مع الآخرين. لذلك فالقمع ملازم للبشر؛ أفرادا ومجتمعات. حتى من يثورون ضده، لا يسلمون منه. الرق هو أحد أشكال القمع. لكنه ليس كلها. وامتلاك البشر لا يكون فقط بحملات صيد الرقيق وأسواق النخاسة التقليدية. الإنسان مبدع حتى في تشكيل وتنويع القمع.