الأحد 8 فبراير 2026
منذ اتساع رقعة الحرب السودانية وتحولها من صدام مركزي في الخرطوم إلى صراع مفتوح على الأقاليم، برز إقليما كردفان ودارفور بوصفهما مسرحين أساسيين لإعادة تشكيل أدوات القتال لدى قوات الدعم السريع. ففي هاتين المنطقتين، حيث تتراجع كثافة المدن وتتسع المساحات المفتوحة وتضعف البنية العسكرية النظامية، اتجهت قوات الدعم السريع بصورة متزايدة إلى استخدام الطائرات المسيّرة كأداة تكتيكية لتعويض غياب التفوق الجوي التقليدي، وكوسيلة لإدارة المعركة أكثر مما هي أداة حسم مباشر. هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل تدرّج منذ النصف الثاني من عام 2024، قبل أن يصبح أكثر وضوحًا وانتظامًا خلال 2025 وبدايات 2026.
اللافت في تجربة الدعم السريع مع المسيّرات في كردفان ودارفور أنها لم تتأسس على منظومة عسكرية متكاملة، بل على خليط من الأدوات التجارية المعدّلة، والقدرات المحدودة، وشبكات إمداد غير رسمية. لجأت قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان إلى شراء مسيّرات مدنية متاحة في الأسواق الدولية، ثم تعديلها محليًا لتناسب أغراض الاستطلاع أو الهجوم الخفيف، بدل الاعتماد على مسيّرات عسكرية مصنّعة بالكامل. هذا النمط ينسجم مع طبيعة الدعم السريع كقوة تعتمد على المرونة والحركة السريعة أكثر من اعتمادها على البنى الثابتة أو العقيدة الجوية الكلاسيكية.


من حيث الأنواع، تُظهر الوقائع الميدانية أن المسيّرات الأكثر استخدامًا في كردفان ودارفور هي المسيّرات الصغيرة رباعية المراوح، التي تُستخدم أساسًا للاستطلاع القريب والمراقبة اللحظية. هذه المسيّرات تُحلّق على ارتفاعات منخفضة، وتُستخدم لرصد تحركات الجيش أو القوات المتحالفة معه، وتتبع خطوط الإمداد، ومراقبة الطرق الترابية التي تربط المدن والبلدات. في بيئة مثل دارفور، حيث تمتد المسافات بين التجمعات السكانية وتغيب الرادارات المتقدمة، شكّلت هذه المسيّرات أداة فعالة لتقليل عنصر المفاجأة لدى الخصم. أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن انتشار هذا النوع من المسيّرات مكّن القوات غير النظامية من امتلاك "عين جوية دائمة" بتكلفة منخفضة نسبيًا، وهو ما لم يكن متاحًا لها في الحروب السابقة.
يمكن القول إن استخدام قوات الدعم السريع للمسيّرات في كردفان ودارفور مثّل تطورًا مهمًا في أدوات الحرب، لكنه ظل تطورًا تكتيكيًا لا استراتيجيًا. فقد منحت هذه القوات قدرة أكبر على المراقبة والإزعاج ورفع كلفة التحرك على الخصم، لكنها لم تغيّر ميزان القوى جذريًا، ولم تحسم معركة كبرى
إلى جانب الاستطلاع، استخدمت قوات الدعم السريع مسيّرات هجومية خفيفة، يُرجّح أنها من فئة FPV أو المسيّرات التجارية المعدّلة لحمل عبوات متفجرة صغيرة. هذا النوع لم يكن واسع الانتشار، لكنه استُخدم بشكل انتقائي في ضرب تجمعات محدودة، أو عربات غير مدرعة، أو نقاط تمركز مكشوفة. ويظهر هذا النمط في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع في غرب وجنوب كردفان، وأسفرت في بعض الحالات عن سقوط ضحايا مدنيين، ما أثار انتقادات حادة من منظمات حقوقية. رغم محدودية القدرة التدميرية لهذه المسيّرات، إلا أن أثرها النفسي كان كبيرًا، خصوصًا في مناطق لم تعتد سابقًا على التهديد الجوي.
أما الفئة الثالثة، وهي الأقل عددًا والأكثر إثارة للجدل، فتتعلق بمسيّرات متوسطة المدى يُشتبه في أنها استُخدمت للاستطلاع الأعمق أو لتنفيذ ضربات على مسافات أبعد. تحقيق استقصائي أوردته رويترز أشار إلى رصد مسيّرات ذات أجنحة ثابتة قرب نيالا في جنوب دارفور، مع ترجيحات بأنها قادرة على التحليق لمسافات أطول من المسيّرات التجارية المعتادة. ورغم غياب تأكيدات قاطعة بشأن مصدر هذه الطائرات، إلا أن التقرير نفسه رجّح أن تكون قد وصلت إلى السودان عبر شبكات تهريب إقليمية، مستفيدة من هشاشة الرقابة على تجارة الطائرات غير المأهولة في بعض الدول.
طرق إمداد قوات الدعم السريع بهذه المسيّرات تكشف الكثير عن طبيعة الصراع نفسه. فبدل خطوط إمداد عسكرية واضحة، يعتمد الدعم السريع على مزيج من الشراء عبر وسطاء، وتهريب قطع الغيار، وإعادة تجميع المسيّرات داخل السودان. هناك شبكة معقّدة تمر عبر دول وسيطة، حيث يتم شراء المسيّرات أو مكوناتها، ثم شحنها بطرق غير مباشرة قبل وصولها إلى مناطق سيطرة الدعم السريع. هذه الشبكات لا تضمن الاستمرارية الطويلة، لكنها توفر مرونة كبيرة على المدى القصير، وهو ما يتناسب مع طبيعة العمليات في كردفان ودارفور.
دار الجدل الأكبر حول احتمال وجود دعم خارجي، مباشر أو غير مباشر، في ملف المسيّرات. تدفق الأسلحة المتقدمة إلى السودان، بما فيها المسيّرات، لا يمكن فصله عن شبكات إقليمية ودولية، حتى وإن لم يظهر ذلك في شكل شحنات عسكرية رسمية. في المقابل، نفت دول أي دور لها في تسليح الدعم السريع، لكن غياب الشفافية وصعوبة التتبع جعلا هذا الملف مفتوحًا على التأويل.
لجأت قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان إلى شراء مسيّرات مدنية متاحة في الأسواق الدولية، ثم تعديلها محليًا لتناسب أغراض الاستطلاع أو الهجوم الخفيف، بدل الاعتماد على مسيّرات عسكرية مصنّعة بالكامل
الأثر العسكري لاستخدام المسيّرات في كردفان ودارفور ظل محدودًا من حيث الحسم، لكنه مؤثر من حيث إدارة الصراع. فالمسيّرات لم تمكّن الدعم السريع من السيطرة الجوية، لكنها حسّنت قدرته على الرصد، وسمحت له بتنفيذ عمليات إزعاج واستنزاف، وإجبار خصومه على تغيير أنماط الحركة والتمركز. في كردفان، حيث الطرق الطويلة والمكشوفة، ساعدت المسيّرات على رصد تحركات القوافل العسكرية مبكرًا. وفي دارفور، لعبت دورًا في فرض حالة دائمة من الترقب والخوف، خصوصًا في المدن الصغيرة ومحيط معسكرات النزوح.
غير أن هذا الاستخدام ترك آثارًا إنسانية خطيرة. تقارير لمنظمة العفو الدولية ومنظمات سودانية محلية وثّقت سقوط مدنيين جراء هجمات بطائرات مسيّرة، بعضها استهدف مناطق مأهولة أو مرافق مدنية. وكالة الأناضول نقلت عن السلطات السودانية اتهامها لقوات الدعم السريع بقتل عشرات المدنيين في غرب كردفان نتيجة ضربة بطائرة مسيّرة، وهو ما يعكس خطورة إدخال هذا السلاح إلى صراع غير منضبط تحكمه حسابات عسكرية فضفاضة.
أما عن القواعد التي تنطلق منها هذه المسيّرات، فلا توجد قواعد جوية ثابتة أو منشآت دائمة. على العكس، يعتمد الدعم السريع على نقاط إطلاق مرنة ومتحركة، غالبًا في أطراف المدن أو المناطق الريفية المعزولة. في دارفور، رُصدت بحسب بعض شهود العيان لمنصة "جيسيكا"، عمليات إطلاق من محيط نيالا ومناطق قريبة من الفاشر عندما سمحت الظروف الأمنية بذلك، إبان حصارها في أكتوبر/تشرين الماضي. وفي كردفان، تحدثت تقارير عن إسقاط الجيش لمسيرات فوق محيط الأبيض، ما يدل على وجود نقاط تشغيل قريبة من خطوط التماس. هذا النمط يعكس فلسفة قتالية تقوم على الحركة المستمرة وتجنب التمركز خشية الاستهداف.
يمكن القول إن استخدام قوات الدعم السريع للمسيّرات في كردفان ودارفور مثّل تطورًا مهمًا في أدوات الحرب، لكنه ظل تطورًا تكتيكيًا لا استراتيجيًا. المسيّرات منحت هذه القوات قدرة أكبر على المراقبة والإزعاج ورفع كلفة التحرك على الخصم، لكنها لم تغيّر ميزان القوى جذريًا، ولم تحسم معركة كبرى. في المقابل، ساهمت في تعقيد المشهد الإنساني، ووسّعت دائرة الخطر على المدنيين، وفتحت الباب أمام أسئلة قانونية وأخلاقية حول استخدام التكنولوجيا العسكرية في نزاع داخلي مفتوح.
في المستوى التكتيكي، المسيّرات تمنح الدعم السريع قدرة حقيقية على إرباك الجيش. استخدامها في الاستطلاع المستمر فوق محاور التحرك، خصوصًا الطرق الترابية المفتوحة بين الأبيض–بارا–أم روابة–الدبيبات، يسمح بكشف تحركات الأرتال قبل وصولها بساعات. هذا يفرض على الجيش تغيير خططه، التحرك ليلًا، أو التوقف المتكرر، ما يبطئ الإمداد، ويستنزف الزمن العملياتي. كذلك، المسيّرات الانتحارية أو المعدّلة بقذائف خفيفة يمكنها استهداف نقاط حساسة: عربات الوقود وشاحنات الذخيرة ونقاط القيادة الميدانية، أو حتى تجمعات الجنود قبل الاشتباك. هذه الضربات لا تُسقط وحدات كاملة، لكنها ترفع كلفة أي تقدم وتجعل كل تحرك محفوفًا بالمخاطر.
أما عن القواعد التي تنطلق منها هذه المسيّرات، فلا توجد قواعد جوية ثابتة أو منشآت دائمة. على العكس، يعتمد الدعم السريع على نقاط إطلاق مرنة ومتحركة، غالبًا في أطراف المدن أو المناطق الريفية المعزولة
في كردفان تحديدًا، التأثير يكون أكبر من الخرطوم لسببين: الأول، هو اتساع الجغرافيا وقلة الغطاء الطبيعي، ما يجعل أي تحرك مكشوفًا للرصد الجوي. الثاني، هو هشاشة خطوط الإمداد؛ فالمسافات طويلة، والجيش يعتمد على طرق محدودة تمر عبر مناطق نزاع قبلي ومليشياوي. ضربة واحدة بطائرة مسيّرة على قافلة لوجستية قد لا توقف العملية، لكنها تؤخرها أيامًا، وهذا في حرب الاستنزاف يُعد إنجازًا تكتيكيًا.
لكن عند الانتقال إلى المستوى العملياتي والاستراتيجي، تظهر حدود المسيّرات بوضوح. الدعم السريع لا يمتلك – وفق المعطيات المتاحة – منظومة مسيّرات متكاملة قادرة على العمل بكثافة عالية، وعلى مدى طويل مع قيادة وسيطرة محكمة. معظم المسيّرات المستخدمة إما تجارية معدّلة أو مسيّرات انتحارية محدودة المدى والدقة، تعتمد على وصلات تحكم هشة يمكن التشويش عليها، وتتأثر بالرياح، الحرارة، وانقطاع الاتصال. هذا يجعل استخدامها فعالًا في الضربات المفاجئة، لكنه غير كافٍ لفرض سيطرة جوية أو منع الجيش من إعادة التموضع.
في المقابل، يمتلك الجيش عناصر توازن مهمة. فلديه خبرة تراكمية في التعامل مع تهديدات غير متماثلة، ويمكنه التكيف عبر تفريق القوات وتقليل التجمعات الكبيرة واستخدام التمويه وتغيير أنماط التحرك. الأهم أن الجيش لا يعتمد فقط على الحركة البرية؛ فامتلاكه للطيران المأهول والمدفعية بعيدة المدى يعني أن المسيّرات لا تستطيع منعه من الرد أو قلب ميزان القوة عند اتخاذ قرار هجومي واسع. كذلك، إدخال وسائل تشويش بسيطة، حتى لو كانت محدودة، يقلل كثيرًا من فعالية المسيّرات منخفضة التقنية.
هناك عامل آخر حاسم في كردفان: طبيعة الحرب نفسها. المعارك ليست حرب جبهات ثابتة يمكن تعطيلها بالكامل بضربات جوية صغيرة، بل حرب سيطرة على طرق، مدن، ومجتمعات محلية. المسيّرات لا تستطيع احتلال الأرض، ولا حماية خطوط الإمداد، ولا إدارة مناطق بعد السيطرة عليها. أقصى ما تفعله هو خلق ضغط دائم، واستنزاف أعصاب وموارد الخصم.