تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

هل يصبح البحر مشروع إثيوبيا التالي؟

22 أكتوبر, 2025
الصورة
هل يصبح البحر مشروع إثيوبيا التالي؟
Share

في 2 سبتمبر/أيلول، منح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مستشاره للشؤون الاجتماعية دانيال كيبرت مقابلةً مطوّلة عند سفح «سدّ النهضة» الإثيوبي الكبير. جلس الرجلان على ربوة صغيرة تُشرف على جسم السدّ، وبعيدًا عنهما ارتفع عمودٌ باهر من زَبَد أحد المفيضات. خاطب آبي مستشاره بودّ مناديًا إيّاه "داني"، فيما تحدّث كيبرت إلى رئيسه بلغةٍ رسمية. ومنذ السؤال الأول مزج المستشار بين خطاب الإنجاز القومي بلغة لاهوتية: "من هذا الموضع الذي يشهد عملًا إثيوبيًا عظيمًا، لا بدّ أن نستحضر إنجاز الخالق… ماذا نقول له وقد بلغنا هنا؟"، ارتسم الإطار الديني للمقابلة. أجاب آبي بدعوةٍ إلى شكرٍ متواضع للربّ، مؤكدًا أن سلطته "منحة إلهية" ومنبثقة من شعب "مؤمن بأسره". وبعد أسبوع، في 9 سبتمبر/أيلول، استهلّ خطاب تدشين السدّ بكلمات شكرٍ مماثلة.

هذه النزعة التدينية في خطاب رئيس الوزراء تُجافي الروح الأولى للمشروع، فمع أنّ فكرة السدّ على النيل الأزرق طُرحت منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، فإن ملس زيناوي (1991–2012) هو من أطلق المشروع فعليًا، وأحاطه برؤية اقتصادية وسياسية متكاملة. صُمّم السد بستة عشر توربينًا وقدرةٍ متوقعة تتجاوز خمسة آلاف ميغاواط ليكون حجر الزاوية في سياسة كهرومائية طموحة تمدّ التصنيع بالطاقة. وسريعًا حمل الاسم الدلالي "سدّ النهضة" بوصفه رمز "الدولة التنموية" التي صاغها زيناوي. صيغةٌ كينزية مميّزة تستثمر فيها الدولة مباشرة، وتكبح صعود طالبي الريع والأنشطة غير المنتجة التي خشي زيناوي تفشيها مع تحرير الاقتصاد.

كان زيناوي، بوصفه ماركسيًا سابقًا، (وملحدًا) يمنح تعبئة الجماهير خصوصًا الفلاحين أولوية قصوى لضمان النموّ والخروج من الفقر. كثيرًا ما ختم خطاباته بالدعوة إلى الاتحاد من أجل التنمية، وبالتحية لضحايا سبعة عشر عامًا من الكفاح المسلح الذي أوصله ورفاقه في جبهة تحرير شعب تيغراي إلى قيادة ائتلاف "الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا".

مشروع موّله الشعب.. وليس الرب

يبدو لافتًا أن يشكر رئيسُ الوزراء الحالي الربَّ بدلًا من الشعب، مع أنّ السدّ ثمرةُ جهدٍ شعبي هائل. فالكلفة البالغة 5 مليارات دولار (نحو 4.3 مليارات يورو) تحمّلها الإثيوبيون تقريبًا بالكامل. صحيح أن بنكًا صينيًا عامًا ساهم في التمويل، لكن الثمن الفعلي دفعه الناس؛ لسنواتٍ كان يُقتطع من رواتب الموظفين الحكوميين شهرٌ كامل كل عام لصندوق السدّ. وفي منتصف العقد الماضي، اشترى بعض الميسورين سندات طوعًا للمساهمة، ضمن جهدٍ جماعي دعمته حملات تعبئة وإعلانات واسعة. حتى إن شعار "بدأناه وسنُكمِله" أوشك أن يصير من عبارات الحياة اليومية؛ يردّده الموظفون في مواجهة المهام الصعبة، كما يردّده الأصدقاء على موائدهم. وعلى الرغم من السخرية من الاقتطاعات الإلزامية باسم السدّ، ظلّ النقد المباشر للمشروع نفسه نادرًا.

هكذا انتهت طاقةُ سدود "الدولة التنموية" إلى تغذية نشاطٍ طفيلي منفصل عن أي قيمةٍ إنتاجية ملموسة

خلف هذا المشروع الكبير أيضًا مقصدٌ قومي واضح تمثّل بجمع الإثيوبيين على اختلاف خلفياتهم حول هدف تنموي جامع. ففي التسعينيات قدّم ائتلاف الجبهة الحاكم "الفقر" بدلا من "النظام العسكري" بوصفه العدوَّ الذي ينبغي هزيمته، كما استدعى شكلًا من القومية الإثيوبية «ما بعد الإمبراطورية» أثناء حرب 1998–2000 مع إريتريا. وبعد عقدٍ من ذلك، جاء السدّ، وما أحاط به من تعبئة لا تخلوا من نبرة حربية، ليمنح الوحدة الوطنية غايةً سلمية جديدة.

أما السردية التي يروّج لها آبي أحمد حول السدّ فتدلّ على إعادة كتابة للتاريخ، تتيح له ادّعاء ملكية المشروع سياسيًا. إبّان حرب تيغراي، حين حاصرت الحكومةُ الفيدرالية الإقليمَ الشمالي الخاضع لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي" راحت تتداول رواياتٌ تُرجع فكرة "سدّ النهضة" إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي بدلًا من ملس زيناوي. وفي مقابلته الأخيرة، يقول آبي إن زيارته الأولى للموقع بصفته رئيسًا للوزراء في أبريل/نيسان 2018 لم تكشف له سوى "أكواخ مبعثرة"، مع أن المشروع كان بحسب تقارير عام 2016 قد بلغ نحو 50٪ من الإنجاز.

السدّ لن يحمل اسم المهندس الذي انتحر

في سياق تصفية الحسابات، أبلغ آبي أحمد مستشاره المقرّب أنّ خزّان سدّ النهضة، على خلاف "بحيرة ناصر"، لن يحمل اسم رجل الدولة الذي أطلق المشروع. كثيرون في إثيوبيا تمنّوا أن تُسمّى البحيرة باسم سِمغنيو بَكِله، المهندس المسؤول عن المشروع الذي صار وجهًا عامًا بفضل إحاطاته الدورية. وقد عُثر عليه في يوليو/تموز 2018 مقتولًا بطلقٍ ناري داخل سيارته في أكبر ساحات أديس أبابا. ومنذ ذلك الحين، غدت ذكراه ساحة صراع بين معارضين، خصوصًا قوميي الأمهرا، وحكومة آبي التي يشكّك كثيرون في أنّها سعت إلى محو أثر المهندس. وكان الحضورُ الشعبيّ الكثيف في جنازته شاهدًا إضافيًا على شعبية المشروع ذاته. في خطاب التدشين، أكّد آبي اختياره تسمية الخزّان "بحيرة الفجر".

غير أنّ نجاح "المَغا-مشروع" يحجب حقائق أخرى؛ فبحسب البنك الدولي، لم تتجاوز نسبة الأسر المتصلة بالكهرباء 55.4٪ في عام 2022. صحيحٌ أنّ النسبة قفزت من 23٪ عام 2011 إلى 44.8٪ عام 2018، لكنها تباطأت لاحقًا، وظلّت شبه مستقرة بين 2022 و2023؛ والحروب بطبيعتها لا تُيسّر مدَّ البنى الكهربائية ولا صيانتها.

يبدو لافتًا أن يشكر رئيسُ الوزراء الحالي الربَّ بدلًا من الشعب، مع أنّ السدّ ثمرةُ جهدٍ شعبي هائل

وإن كانت هذه الأرقام تُخفي أحيانًا جوانب سلطوية من سياسات الائتلاف السابق، لا سيما تجميع الأسر الريفية قسرًا، فإنها تعكس قبل كل شيء تحوّلًا في المقاربة. فالنظام الحالي يسعى إلى رفع إنتاج الكهرباء لجعل المدن الكبرى واجهاتٍ لامعة، أكثر من سعيه لتحسين شروط العيش في الأرياف. فقد تغيّرت أديس أبابا بوضوح خلال السنوات الخمس الأخيرة بوضوح. أُزيلت أحياءٌ شعبية بأكملها لإفساح المجال أمام مبانٍ شاهقة، وأفضت مشاريع ممرّات التنمية إلى إخلاء عشرات الآلاف من منازلهم. كثيرون اليوم يقطعون ساعاتٍ سيرًا من ضواحٍ بعيدة إلى أماكن عملهم، وبعضهم انتقل إلى مخيّمات نازحين داخليًا في إقليم الأمهرا.

فوق ذلك، فُرض على سكّان العمارات في العاصمة دفعُ مبالغ كبيرة لإعادة طلاء الواجهات بالرمادي، اللون الذي اختاره رئيس الوزراء، وتركيب نوعٍ محدّد من المصابيح على الواجهات تمنح «وهم حداثةٍ متناسقة». وهكذا ستنير طاقة "سدّ النهضة" عاصمةً أُفرغت تدريجيًا من أحيائها الشعبية.

ثلث الإنتاج… للبيتكوين

خارج لغة التنمية، وُظفت قدرة السدّ المتوقَّعة بأكثر من خمسة آلاف ميغاواط في نشاط بعيدٍ عن الاقتصاد الحقيقي: تعدين البيتكوين. فقد استُخدم المشروع لتسويق سردية "الكهرباء الرخيصة"، واستقطاب شركات العملات المشفّرة عبر إطارٍ تشريعي غامض، وقدّم الإنتاج على أنه "أخضر" لاعتماده على الطاقة الكهرومائية. هكذا انتهت طاقةُ سدود "الدولة التنموية" إلى تغذية نشاطٍ طفيلي منفصل عن أي قيمةٍ إنتاجية ملموسة. وبحلول 2025، كانت تقديرات رسمية تتحدث عن أن تعدين البيتكوين في طريقه لابتلاع نحو ثلث الإنتاج السنوي للكهرباء، ما دفع الحكومة إلى إيقافه خلال صيف هذا العام.

تغيّرت أديس أبابا بوضوح خلال السنوات الخمس الأخيرة بوضوح. أُزيلت أحياءٌ شعبية بأكملها لإفساح المجال أمام مبانٍ شاهقة، وأفضت مشاريع ممرّات التنمية إلى إخلاء عشرات الآلاف من منازلهم

تكشف قصة "الكريبتو" ملامح الاقتصاد السياسي الذي يتصوّره النظام الحالي. فمن مشروعٍ رائد للتنمية الجماعية كما ادّعى الائتلاف السابق حين تحدّث عن مناطق صناعية ومصانع ومزارع (خاصةً السكر) في مختلف الأقاليم، تحوّل السدّ إلى واحدٍ من "جيوبٍ استخراجيّة" فائقة التحصين التي تُمسك بها السلطة بالقوة.

وفي المقابل، تُركت الجماهير الريفية التي سعى الائتلاف السابق، طوعًا أو قسرًا، إلى انتشالها من الفقر لفوضى العنف. ففي منطقة مقلي، على بُعد نحو 150 كيلومترًا من السدّ، تكاثرت المجازر في السنوات الأخيرة على خلفية نزاعاتٍ على الأراضي. وتعرّضت مناطق صناعية للنهب والتدمير الجزئي، خصوصًا إبان حرب تيغراي، كما طاول التخريبُ مصانعَ السكر؛ وتُركت مشاريع مهجورةً للسطو تحت بصر الحكومة الفيدرالية.

المشروع التالي؟ الحرب

هيمن مشروع السدّ على المسرح السياسي الإثيوبي زهاء خمسة عشر عامًا. فماذا بعد التدشين؟ يبدو أن آبي أحمد اختار "القضية" القومية التالية لحشد الداخل حول هدفٍ كبير: استعادة منفذٍ إلى البحر لبلدٍ بلا سواحل منذ استقلال إريتريا عام 1993. منذ خريف 2023 توالت التصريحات المتوعِّدة؛ لم يُخفِ رئيس الوزراء ومسؤولين آخرين اهتمامهم بميناء عَصَب الإريتري.

بقوله في 6 سبتمبر/أيلول إن "القوة الجوية جاهزة"، غذّى آبي المخاوف من هجومٍ على إريتريا. وخلال تفقدٍ لعدة قواعد عسكرية، حثّ رئيسُ الأركان القواتِ البحريةَ الوليدة على "الجاهزية في أي لحظة لتسلّم مواقعها في البحر". وفي يوم التدشين نفسه، قدّم آبي السدّ بوصفه "نصرَ عَدوا الثاني" في إحالةً إلى معركة 1896 التي توحّدت فيها الجيوش الإثيوبية لهزيمة الغزو الإيطالي، ثم خاطب بلهجةٍ تهديدية "أعداءنا، قريبين كانوا أم بعيدين... نحن الإثيوبيين، اسمُنا خالد، وأجسادُنا مستعدة للموت (…) لنترك أثرًا أبديًا. (…) من الأفضل ألّا تدخلوا في صراعٍ معنا". بعد الاحتفالات، قد تُظلّل الأيام المقبلة بسحبٍ داكنة.