تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

هل يقتل السوق الكرم؟

2 سبتمبر, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

لنتخيّل أن تقديم كوب ماء لعابر سبيل، أو ذبح شاة لإكرام ضيف غريب، لم يكن يومًا فعلًا استثنائيًا أو مبادرة فردية، بل قاعدة ملزمة تنظّم العلاقات وتؤسس للتوازن بين الأفراد والجماعات. هذا ما عرفته المجتمعات التقليدية في أفريقيا، كما عرفه العربي حسبما ترويه كتب الآداب وتاريخ الشعر الجاهلي: الكرم لم يكن نزوة شخصية ولا فعلًا نابعًا من فائض الثروة، بل واجبًا يوميًا وأساسًا من أسس النظام الاجتماعي.

غير أنّ منطق السوق الحر، بما يحمله من تحرير للأسعار وتقديس للملكية الفردية وتعظيم للربح، قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. صار النجاح يقاس بمدى تكديس الثروة، لا بمدى القدرة على تقاسمها. وتحول الكرم الذي كان قاعدة مُلزمة إلى فعل استثنائي يُنظر إليه أحيانًا بعين الريبة، لأنه لا ينسجم مع "العقلانية الاقتصادية" القائمة على المصلحة الفردية وحسابات الربح والخسارة. وكأن العطاء انزاح من كونه واجبًا جماعيًا إلى كونه عبئًا أو حتى ضربًا من السذاجة.

هذا التحول لا يعني فقط تبدّلًا في السلوك، بل تفكيكًا لبنية اجتماعية كاملة. فالعطاء لم يكن مجرد تبادل مادي، بل "ظاهرة اجتماعية كلية" - بتعبير مارسيل موس - تداخلت فيها السياسة بالدين، والاقتصاد بالطقوس، والسلطة بالاحترام. إن تراجع الكرم أمام منطق السوق يخفي خلفه أزمة كبيرة تتعلق بالمعنى والإنسانية في ظل النيوليبرالية المعاصرة المتوحشة.

حين نشر مارسيل موس (Marcel Mauss) مقالته الشهيرة عن "الهبة" عام 1925، أحدث هزة فكرية في دراسة المجتمعات الإنسانية. فقد بيّن أنّ العطاء في المجتمعات "البدائية" لا يُفهم بكونه خيارا فرديا، بل بنية إلزامية قائمة على ثلاثية واضحة: أن تهب، أن تقبل الهبة، وأن تردّها. هذه القاعدة لم تكن مجرد تبادل ساذج للهدايا، بل أساسًا للسلطة والقرابة والتحالفات وحتى السلم والحرب.

الكرم لم يكن نزوة شخصية ولا فعلًا نابعًا من فائض الثروة، بل واجبًا يوميًا وأساسًا من أسس النظام الاجتماعي

يقول موس في مستهل مقاله: "تتم التبادلات والتعاقدات في عدد من الحضارات على شكل هدايا، تبدو نظريًا اختيارية، لكنها في الواقع إلزامية". هنا يكمن جوهر المسألة: الهبة ليست "حرة" بالكامل كما في تصور السوق، بل تحكمها قوة رمزية تجعل من قبولها وردّها واجبًا. إنها تعبير عن علاقة لا عن سلعة، عن تضامن لا عن صفقة.

وقد اعتبر كلود ليفي-شتراوس (Claude Lévi-Strauss) هذا النص أعظم ما كتب موس، لأنه يضيء على ظاهرة تُعطي معنى لما هو أبعد من الاقتصاد. فالعطاء - عند موس - هو ظاهرة اجتماعية كلية؛ أي أنه يطال جميع مجالات الحياة، من الدين إلى السياسة، من القرابة إلى الطقوس. بهذا المعنى، يصبح الكرم نظامًا يؤسس للإنسانية ذاتها.

في المجتمعات العربية قبل الإسلام، ارتبط الكرم بالنخوة والسيادة والشرف. لم يكن حاتم الطائي يُضرب به المثل لأنه تبرع بفائض ماله، بل لأنه جعل العطاء علامة على الهوية والزعامة. في مجتمع الصحراء القاسي، كان الكرم شرطًا للبقاء الجماعي: من يملك الطعام أو الماء لا يحتفظ به لنفسه، بل يوزعه كي يضمن استمرار شبكة الحماية المتبادلة.

أما في أفريقيا فقد ارتبط الكرم بممارسات أوسع: تبادل الماشية لبناء التحالفات، تبادل النساء بين القبائل لتجنّب الصراع، الهبات بين الزعماء لتثبيت الولاء. لم يكن الكرم مجرّد نزعة، بل آلية سياسية واقتصادية ورمزية في آن واحد. بل إنّ بعض المجتمعات مارست طقوس "البوتلاتش" (Potlatch) - كما درسها موس - حيث يتباهى الزعيم بتدمير ثروته أمام الملأ ليُظهر سموّه وقوته.

دخلت الإنسانية مع بروز الرأسمالية الحديثة مرحلة جديدة: السوق صار المعيار الأعلى، والعقلانية الاقتصادية صارت تُقاس بمدى القدرة على تعظيم الربح وتقليل الخسارة. ما كان في السابق واجبًا جماعيًا - كالكرم والضيافة - أصبح عبئًا أو حتى "لاعقلانية".

الهبة ليست 'حرة' بالكامل كما في تصور السوق، بل تحكمها قوة رمزية تجعل من قبولها وردّها واجبًا

يقوم اقتصاد السوق على افتراض أن الأفراد فاعلون مستقلون يسعون وراء مصالحهم. لكن من منظور أنثروبولوجي، هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أنّ الإنسان لم يكن يومًا كائنًا معزولًا، بل دائمًا نتاج شبكة من الواجبات المتبادلة. ولعل أخطر ما فعله منطق السوق أنه جعل الكرم يبدو غريبًا: حين يُقدّم أحدهم عطاءً بلا مقابل، يُنظر إليه وكأنه أحمق لا يحسن الحساب.

لقد صار النجاح في الثقافة النيوليبرالية يُقاس بمدى تراكم الثروة والاستهلاك الفردي، لا بمدى المشاركة والتوزيع. وأصبح الغنى مرادفًا للامتلاك لا للإطعام، وللاستهلاك لا للتكافل. هكذا تفكك معنى الكرم كبنية يومية، ليُختزل في صورة مبادرات موسمية أو أفعال فردية تُسوّق غالبًا عبر الإعلام أو الحملات الدعائية.

لطالما كانت التنمية، وفق المنظور الاقتصادي التقليدي، عملية يُقاس نجاحها بمؤشرات كمية، مثل: الناتج القومي الإجمالي ومتوسط الدخل الفردي. هذا التصور، الذي ساد لعقود، يرى أن تحقيق النمو الاقتصادي كفيل بتعزيز الحريات تلقائيًا، ويختزل التنمية في معادلات مالية تعالج اختلالات الدخل وتحفّز الاستثمارات والإنتاج. غير أن هذه النظرة الضيقة أصبحت محل نقد واسع، خصوصًا مع بروز رؤى أكثر شمولًا وعمقًا.

من بين أبرز هذه الرؤى، تلك التي قدمها الاقتصادي الهندي أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998، الذي أعاد تعريف التنمية باعتبارها عملية "توسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس". في كتابه المرجعي "التنمية حرية"، لا يكتفي سن بإدخال البعد الإنساني على خطاب التنمية، بل يقلب المعادلة الكلاسيكية رأسًا على عقب: فبدل أن تكون الحريات نتيجةً للتنمية، يجعلها وسيلة وأداة ضرورية لها.

النجاح يقاس بمدى تكديس الثروة، لا بمدى القدرة على تقاسمها

يرى سن أن التنمية لا يمكن اختزالها في الناتج المحلي، ولا تُقاس فقط بارتفاع مستوى الدخل، بل لا بد أن تُقاس أيضًا بمدى تمتع الناس بالحرية، وقدرتهم على الحياة الكريمة، وتوفر التعليم والرعاية الصحية والعدالة. بهذا المعنى، يصبح القضاء على الفقر، وتمكين المرأة، وضمان الحقوق السياسية، عناصر جوهرية لا منفصلة عن مشروع تنموي حقيقي.

في ضوء هذا المنظور الشمولي للتنمية، يبرز الكرم باعتباره ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل مكونًا من مكونات البنية الاجتماعية والاقتصادية. إلا أن هذه القيمة شهدت تحولات جذرية في العصر المعولم، حيث أُعيد تشكيلها ضمن منطق السوق. ظهرت مفاهيم مثل: "الرأسمالية الخيرية" (Philanthro-capitalism)، حيث أصبحت الهبات والمساعدات أدوات لتحسين الصورة العامة للشركات، وتعزيز نفوذها، بدل أن تكون أفعالًا نابعة من روح التضامن.

لم يعد الكرم فعلًا إنسانيًا بحتًا، بل صار جزءًا من استراتيجية علاقات عامة مدروسة. ما تقدمه الشركات الكبرى من تبرعات ومبادرات اجتماعية يُسوّق أكثر مما يُمارس، ويُستخدم كأداة لإضفاء الشرعية الأخلاقية على أرباحها الطائلة. وبهذا، يتحول العطاء من شبكة حماية اجتماعية متبادلة، إلى وسيلة لتعميق الفجوة بين المانح والمتلقي، وتثبيت علاقات الهيمنة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن الكرم قد اختفى، بل هو يقاوم هذا التشويه. فما زال في المجتمعات التقليدية، وفي أوقات الأزمات، يظهر الكرم بوصفه ردّ فعل إنساني ضد هشاشة الفردانية المعاصرة، ووسيلة لإعادة وصل الإنسان بالإنسان. فحين يشارك الفقير رغيفه مع جاره، يتجلى الكرم في أنقى صوره، كفعل تضامن لا يُحسب بعائد ربحي بل بعائد اجتماعي وأخلاقي.

الكرم ليس فعلاً 'ثانويًا' أو 'رومانسيًا'، بل هو شرط من شروط بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وإنسانية

الرؤية التي يقترحها أمارتيا سن، حين يربط بين التنمية والحرية والكرامة، تلتقي مع الدعوة إلى إعادة إحياء الكرم كقيمة اجتماعية تتجاوز منطق السوق. فتمامًا كما أن الحرية ليست ترفًا مؤجلًا لحين اكتمال النمو الاقتصادي، فإن الكرم ليس فعلاً "ثانويًا" أو "رومانسيًا"، بل هو شرط من شروط بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وإنسانية.

لقد أثبتت الأزمات الكبرى - كما في جائحة كوفيد-19 - أن السوق عاجز وحده عن حماية الأفراد، وأن العودة إلى قيم التضامن والمبادرة المجتمعية كانت ضرورة وجودية. فقد ظهرت أشكال بسيطة لكنها عميقة من الكرم: مساعدة الجار وتبادل الموارد والتطوع، وهي نماذج أعادت تعريف معنى العطاء بوصفه استثمارًا في العلاقة الإنسانية لا في النفوذ.

ومثلما دعا سن إلى تجاوز اختزال التنمية في حسابات الدخل، علينا أيضًا تجاوز اختزال الكرم في حسابات الربح. فالعلاقة بين التنمية الحقيقية والكرم ليست علاقة تزيينية، بل علاقة عضوية؛ إذ لا يمكن لمجتمع أن ينهض ما لم يكن فيه أفراد يشعرون أن لكرامتهم معنى، ولحريتهم وزن، ولعطائهم قيمة.

من خلال هذه الرؤى المتقاطعة، يتضح أن المطلوب اليوم ليس فقط إعادة تعريف التنمية أو إصلاح مفهوم الكرم، بل إعادة بناء تصورنا عن الإنسان نفسه. فالإنسان، وفق هذا النموذج البديل، ليس مجرد مستهلك أو منتج، بل كائن يبحث عن المعنى والكرامة والارتباط بالآخر. ولذلك، تصبح التنمية الحقيقية مشروعًا إنسانيًا يتجاوز الحسابات الاقتصادية الضيقة، ويجعل من الحرية، والكرامة، والتضامن ركائز أساسية لازدهار أي مجتمع.

ففي نهاية المطاف، لا يُقاس التقدم بكمية الثروة ولا بعدد ناطحات السحاب، بل بقدرة الناس – كل الناس – على أن يعيشوا حياةً تستحق أن تُعاش، في مجتمعات تحترم حرياتهم وتحتضن عطاءهم.