تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

هل يكفر ترامب II عن أخطائه تجاه أفريقيا؟

27 يناير, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

عاد الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية، لم يتوقعها حتى أكثر المتفائلين لرجل اجتمعت فيه تناقضات كثيرة، وخلق جدلا كبيرا في السياسة الأمريكية، وزكى الانقسام المجتمعي في الداخل الأمريكي بشكل غير مسبوق. لكن سقطاته الدبلوماسية تبقى أكثر شيء طبع ولايته الأولى، وكانت القارة الأفريقية ممن عمتهم "حماقات" الرئيس، كقرار حظر السفر واستعمال ألفاظ بذيئة ضد مواطني بعض الدول.

تثير عودة ترامب الكثير من التساؤلات حول مستقبل العلاقات بين أفريقيا والولايات المتحدة؛ هل يواصل طريقته القديمة في ولايته الجديدة أم أن السياق تغيّر ما يحتم مراجعة السياسة الأمريكية نحو أفريقيا؟ وازداد الترقب والانتظار مع تداول صحف أخبارا عن استكمال دونالد ترامب تشكيل فريقه الخاص بالقارة الأفريقية، ما يحمل بوارد تغيير في سياسة إدارة ترامب الثانية نحو القارة.

التجاهل الأمريكي لأفريقيا 

دخلت أفريقيا مع نهاية ولاية الرئيس بارك أوباما طي النسيان، في انسجام وتناغم مع شعار الولاية الأولى (2016-2020) للرئيس دونالد ترامب "أمريكا أولا"، بعد سقوطها من قائمة أولويات السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية التي اهتمت بشؤون الداخل الأمريكي، ما دفعها نحو مراجعة برنامج المساعدات الخارجية، مؤكدة رغبتها في خدمة الأموال للمصالح الأمريكية أولا.

امتد الأمر نحو تقييم اتفاقيات التجارة مع بلدان القارة، ومراجعة سياسات الهجرة، بأسلوب شعبوي فج أهان أبناء القارة، لافتقاده الحدود الدنيا من اللياقة الدبلوماسية، حيث فرضت إدارة ترامب الأولى حظر السفر إليها على مواطني 13 دولة، من ضمنهم حلفاء مقربون لواشنطن (نيجيريا وتنزانيا والصومال...)، ما خلق توترا في العلاقات بين الطرفين، ودفع الأفارقة للتوجه صوب عواصم أخرى (بكين وموسكو...) بعيدا عن تقلبات ومزاجية واشنطن.

استغرقت تصفية تركة سلفه نصف ولاية الرئيس جو بايدن، ما أسقط أفريقيا من أجندة إدارته حتى انقضاء عامين من حكمه، حيث عُقدت القمة الأمريكية الأفريقية في العاصمة واشنطن، مطلع ديسمبر/ كانون الأول عام 2022، بعد توقف دام ثمان سنوات، أقرت حزمة مساعدات بقيمة 55 مليار دولار لدعم النمو الاقتصادي في القارة.

حاولت إدارة بايدن استدرك ما فاتها بزيارة وزير الخارجية أنطونيو بلينكن لأكثر من دولة إفريقيا، أعقبتها زيارة وزير الدفاع لويد أوستن ثم كامالا هاريس نائبة الرئيس، قبل إقدام بايدن على زيارة في الوقت الميت من ولايته إلى أنغولا؛ في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، دعم خلالها بنحو 4 مليارات دولار، إنشاء "ممر لوبيتو" الاستراتيجي للسكك الحديدية بطول 1300 كلم، لواحد من أكثر الخطوط ربحية على مستوى العالم، سعيا منها للحصول على موارد طبيعية بأسعار تفضيلية.

استفاقة أمريكية متأخرة

أعلن الرئيس خلال ذات الزيارة عزم واشنطن استثمار ما يقارب 600 مليون دولار في القارة، لتوسيع البنية الأساسية الزراعية وبناء شبكات الهاتف المحمول العالية السرعة... كما قدم وعودا بدعم إضافة مقعدين دائمين لأفريقيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فضلا عن دعم انضمام الاتحاد الأفريقي إلى مجموعة 20.

أدركت إدارة بايدن أن بكين التي تناصبها العداء تخوض ضدها حربا باردة في القارة، فسارعت الخطى للعودة نحو أفريقيا، لكن الرجوع الاضطراري جاء بعد فوات الأوان، كما تؤكد ذلك العديد من المؤشرات. فخلال السنوات الماضية فقدت واشنطن الكثير في أفريقيا، لعل أبرزها خسارة قاعدة التجسس الأمريكية الرئيسية في النيجر، دون النجاح في التوصل إلى صفقة مع حليف آخر لإعادة التموضع في القارة، فحتى الآن لا تزال عالقة بين مجالس عسكرية مدعومة من روسيا في منطقة الساحل.

يُعزى هذا العجز في جانب منه إلى ندرة الموارد البشرية بالسفارات الأمريكية في أفريقيا، وافتقاد العاملة هناك إلى الخبرة والدراية اللازمة عن الشؤون الأفريقية. فالنقص في الطاقم البشري، حسب كاميرون هدسون، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أدى إلى أخطاء كارثية "لدينا نقاط عمياء كبيرة في فهمنا للديناميكيات السياسية والعسكرية في الدول التي ننشط فيها. هذه قضية كبرى تواجهها الدبلوماسية الأميركية، وهي حادة بشكل خاص في أفريقيا".

اعتبرت جمعية الخدمة الخارجية الأمريكية (الاتحاد الدبلوماسيين الأمريكيين) أن نقص الموظفين من المستوى المتوسط من أبرز المساهمين في المشاكل في أفريقيا. فيما تحدث عاملون بالسك الدبلوماسي الأمريكي في القارة عن فراغ مهول في السفارات، فخلال عام 2023 مثلا كان القسم السياسي شاغرا في سفارة غيننا ذات أكبر احتياطي بوكسيت في العالم.

 كشفت مارسيا بيرنيكات، المديرة العامة للخدمة الخارجية، في مقابلة شهر سبتمبر/أيلول عن، عن يقظة الدبلوماسية الأمريكية، فنحو ربع القوى العاملة في الخارجية الأمريكية هم موظفون معينون منذ عام 2020. لكن تلك الاستفاقة لم تشمل القارة الأفريقية، فبيانات وزارة الخارجية تتحدث عن انخفاض موظفي الخدمة الخارجية بالقارة من 2175 فردا، بمتم عام 2018، إلى 2057 فردا بنهاية عام 2023.

قد يراها البعض مجرد أرقام مرتبطة بتعيينات في مناصب لا غير، لكنها قطعا ليس كذلك. إنها كشف لرؤية وتعبير عن توجه وإظهار لسياسة إدارة رئيس نحو منطقة برمتها، بل هذ كذلك مصدر قلق للأمن القومي في ظل حرب النفوذ الدائرة بين روسيا والصين ضد الولايات المتحدة.

ترامب والعودة لأفريقيا 

يعد الحديث عن تشكيل ترامب فريقا خاصا بأفريقيا مؤشرا على إدراك الإدارة الجديدة أهميتها في الصراع من أجل البقاء في قيادة العالم، فجزء كبير من التعاون الصيني الروسي للإطاحة بواشنطن من قمرة القيادة تجري في ربوع القارة الإفريقية. لذلك سارعت إدارته إلى تجميع فريق من الخبراء على دراية واطلاع على ما يجري في أفريقيا، في خطوة متأخرة قياسا إلى المرشح الديمقراطية كامالا هاريس التي كشفت عن فريقها للمنطقة خلال الحملة الانتخابية.

تتحدث التقارير عن أسماء في الفريق الجديد يتقدمهم الأكاديمي ج بيتر فام لمنصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، وجو فولتز المسؤول السابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، لمهمة مدير شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، وقد يعاد تعيين تيبور ناجي في منصبه السابق؛ أي مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية.

تظهر الأسماء المتداولة لتشكيل الفريق الأفريقي عن منظور جديد لإدارة ترامب نحو القارة، وهذا ما عبّر عنه السفير المتقاعد تيبور ناجي؛ العضو في الفريق الجديد، حين أكد أن "السياسة الأفريقية تحتاج إلى القليل من الواقعية"، مضيفا فيما يشبه الاعتراف بوجوب تغيير النظرة نحو أفريقيا، "آمل مع إدارة ترامب الثانية أن تكون السياسة أكثر ارتباطا بالمعاملات، حيث يمكن أن ينتهي الأمر إلى تحقيق المزيد من النجاحات".

إضافة إلى مسألة الإسراع في تكوين الفريق، هناك أكثر من مؤشر يوحي بتغيير سياسة الإدارة الأمريكية نحو أفريقيا، لعل أبرزها سعي واشنطن الحثيث لضمان الوصول إلى المعادن الحرجة بعدد من دول القارة الأفريقية التي تعد ضرورية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي. 

برز ذلك بوضوح في مشروع "ممر لوبيتو" الذي سجلت به واشنطن، خلال ولاية جو بايدن، عودتها إلى القارة، واعتبره مراقبون ردا أمريكيا عن مبادرة "الحزام والطريق". يُنتظر أن يتولى الرئيس دونالد ترامب، في السنة الثانية من حكمه، تنفيذ الشق الثاني منه لربط الكونغو بزامبيا، ثم المرحلة الثالثة بين زامبيا وتنزانيا لاحقا. تحدث خبراء عن إمكانية تخلي ترامب عن المشروع، لكن هذا القول لا يستحضر خلفية الرئيس؛ فهو رجل أعمال قبل أن يكون سياسيا، ما يضمن له التمويل لعوائده الكبيرة على الاقتصاد الأمريكية، ناهيك عن مناكفته لبكين في أفريقيا.

بعيدا عن هذه الاعتبارات، يجد ترامب نفسه في موقف المضطر للعودة نحو أفريقيا، لأنها إحدى ساحة الصراع مع الصين أولا ثم روسيا بدرجة أقل، فلا أثر لمعركة تكسير العظام الاقتصادية ضد بكين ما لم ترافقها معركة بسط للنفوذ في المواقع الاستراتيجية في أفريقيا؛ قارة المستقبل التي تخطب الدول من أصقاع العالم كله ودها.