تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

هل يفتح المثلث الحدودي أبواب أوروبا للدعم السريع؟

12 يوليو, 2025
الصورة
هل يفتح المثلث الحدودي أبواب أوروبا للدعم السريع؟
Share

سيطرت قوات الدعم السريع على المنطقة الحدودية بين السودان وليبيا ومصر، المعروفة بالمثلث، يوم 11 يونيو/ حزيران 2025 بعد انسحاب القوات المسلحة السودانية من المنطقة الحدودية "في إطار ترتيباتها الدفاعية" حسب بيان صادر من الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة في نفس اليوم. وقد سبقت هذا التحول العسكري اتهامات بمشاركة كتيبة سبل السلام التابعة للجيش الوطني الليبي مع قوات الدعم السريع في الهجوم على منطقة المثلث الحدودية.

على الرغم من الأثر العظيم الذي قد يحدثه هذا التغيير الميداني على خارطة السيطرة، مثل تراجع الإيرادات الحكومية من التعدين في منطقة المثلث لصالح الدعم السريع، أو إزالة العقبات عن طريق إمداد جديد  للدعم السريع، واستئناف النشاط التجاري مع ليبيا، وتضييق الخناق على مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، المحاصرة منذ أكثر من عام؛ إلا أن قوات الدعم السريع ترى في المثلث انتصاراً من نوع آخر: الهجرة إلى أوروبا.

بعيد احتلال المثلث، وعلى غير عادة بيانات الدعم السريع بعد تحقيق نصر ميداني، لم يتطرق البيان إلى الهدف النهائي للدعم السريع، وهو القضاء على جيش "الحركة الإسلامية الإرهابية" و "حركات الارتزاق المتحالفة معه"، في إشارة للقوات المسلحة السودانية والحركات الدارفورية؛ بل سوَّق البيان أهمية هذا "الانتصار" لأنه يعزز مكافحة الهجرة غير النظامية والإتجار بالبشر. وفي تأكيد على هذه النقطة عاد البيان ليذكر بأن منطقة المثلث هي ملتقى طرق النقل والتجارة بين شمال القارة وشرقها، في إشارة ضمنية لأحد أكبر طرق الهجرة لأوروبا.

يطرح هذا التحول سؤالاً ملحاً: لماذا الهجرة غير النظامية؟  وما تداعيات السيطرة على المثلث؟ وتأثير ذلك على الحكومة السودانية؟

أوروبا والصراع حول الشرعية

تمثل قضية الهجرة هماً يؤرق دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، خاصة بعد العامين 2014/2015، والتي نظر إليها الأوروبيون ككارثة بالنسبة لهم؛ فقد وصل حوالي مليون لاجئ ومهاجر نحو أوروبا خلال عام 2015 وحده حسب تقديرات أممية. السوريين من تركيا، وآخرون عبر بحر المتوسط هما المسارين الرئيسيين للدخول إلى أوروبا؛ فوقع الاتحاد الأوروبي مع تركيا اتفاقاً وخطة للعمل المشترك لوقف دخول اللاجئين السوريين،  وآخر حول مسار القرن الإفريقي إلى أوروبا، أو ما عرف باسم عملية الخرطوم،  كان السودان طرفاً أصيلاً به باعتباره دولة " ممر" و " مصدر" للمهاجرين إلى أوروبا.

بعد أكثر من عقد من أزمة اللجوء /كارثة اللجوء في نظر الأوروبيين، وصعود الخطاب المتطرف والمعادي للمهاجرين في أوروبا؛ توجه الاتحاد الأوروبي وبريطانيا نحو خطوات وسن سياسات أكثر تعقيداً للباحثين عن النجاة من الحروب والنزاعات نحو الأراضي الأوروبية. وقد سبقت بريطانيا الاتحاد الأوروبي ببرنامج توطين اللاجئين في رواندا. شمل الاتفاق الذي وقع في أبريل/نيسان عام 2022، إبعاد طالبي اللجوء أو من رفضت طلبات اللجوء الخاصة بهم أو من دخلوا إلى بريطانيا بصورة غير شرعية إلى رواندا مقابل قبول ملف اللجوء الخاص بهم في رواندا أو حصولهم على إقامة دائمة هناك.

لقد دفع السودانيون، ضمن أسباب أخرى، ثمن تقوية الاتحاد الأوروبي وتعزيزه لمقدرات الدعم السريع؛ لكنهم على الأرجح ليسوا على استعداد لتحمل قصر نظر الاتحاد الأوروبي ولا كسل الحكومة السودانية مرة أخرى

لكن الحكومة البريطانية تلقت ضربة موجعة بعد أن قضت المحكمة العليا في أواخر عام 2023 بعدم قانونية الخطة، لاحتمالية تعرض المرحلين إلى لمخاطر أمنية. ورغم أن آمال حزب المحافظين في تحديث الخطة قد تلاشت بعد هزيمتهم في انتخابات العام الماضي، إلا أن خطاب رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر، زعيم حزب العمال، شهد لهجة معادية للمهاجرين والهجرة.

في المقابل، طرحت المفوضية الأوروبية، في مارس/ آذار 2025، مقترحاً لإبعاد المقيمين بدول الاتحاد الأوروبي بصورة غير نظامية، والذين رفضت طلبات اللجوء الخاصة بهم، أو أصبح وجودهم غير قانوني. وفي حال تطبيق المقترح سيصبح بإمكان دول الاتحاد الأوروبي إبعاد الفئة المستهدفة طوعاً أو باستخدام القوة، وذلك لسد الثغرات بالنظام، حسب ما نص المقترح.

السودان والهجرة والدعم السريع

يمثل السودان بلداً محورياً في مسألة الهجرة إلى أوروبا؛ حيث ينظر الأوروبيون إلى السودان كونه دولة ممر ومصدر كما أشرنا سابقاً. وحسب تقديرات أممية فإن حوالي خمس المهاجرين في ليبيا، المحطة الأخيرة قبل الهجرة إلى أوروبا، سودانيون؛ ومن المرجح أن النسبة قد تغيرت كون الإحصائية تعود لمطلع العام 2024، أي بعيد ستة أشهر فقط من اندلاع الحرب. وخلال العام الأول من الحرب وصل حوالي ثمانية آلاف سوداني إلى حدود الاتحاد الأوروبي، بزيادة قدرها ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام الذي سبقه، بحسب الاتحاد الأوروبي

السودان قطعاً ليس أوكرانيا حتى يستقبل أهله بالورود داخل حدود الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. ولن تجد دول الاتحاد الأوروبي التي تدفع مليارات الدولارات دعماً للمجهود الحربي بأوكرانيا؛ تقدم غير الفتات والكلام المعسول، والأوامر للسودانيين بضرورة وحتمية وجود نظام ديمقراطي

رغم قلة الأرقام نسبياً، إلا أن الاتحاد ينظر للسودان بنفس العين التي عاينت الأزمة السورية عامي 2014-2015 واعتبرتها أكبر كارثة إنسانية، قبل أن تتحول الحرب في السودان إلى أكبر كارثة إنسانية بلوغ أعداد النازحين واللاجئين زهاء الخمسة عشر مليون سوداني، بينهم حوالي أربعة ملايين في دول اللجوء. تتزامن المحنة السودانية مع "محنة" أوروبية أخرى، هي ارتفاع عدد طلبات اللجوء بشكل مضطرد منذ العام 2020 الذي شهد حوالي 400 ألف طلب لجوء إلى ما يفوق المليون طلب عام 2023، مع تراجع طفيف في طلبات اللجوء عام 2024 ليصبح عدد الطلبات 900 ألف طلب.

بالعودة إلى الموقع الإلكتروني قوات الدعم السريع، سنجد أن "التصدي للهجرة غير الشرعية" هي المهمة الأبرز والأولى في المهام التي تضطلع بها قوات الدعم السريع. وقد انتشرت قوات الدعم السريع منطقة المثلث عام 2016، وقامت بعدد من عمليات الاحتجاز للمهاجرين غير النظاميين. ورغم أن الاتحاد الأوروبي ظل ينفي أن موارده لعملية الخرطوم قد استفادت منها قوات الدعم السريع، إلا أن شواهد استفادة الدعم السريع من هذا المشروع عديدة، وعلى رأسها تعامل الاتحاد الأوروبي مع ميليشيات بمدينة الزاوية الليبية، بالإضافة إلى الخطاب الذي ألقاه قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، عام 2018، والذي دعا فيه لاعتراف الاتحاد الأوروبي بمجهودات قواته "في الحد من الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإتجار بالبشر" وإلا سيكون له رأي آخر. ومن المرجح أن يقوم قائد قوات الدعم السريع بمحاولة ابتزاز أوروبا مرة أخرى بعد سيطرته على المثلث، وتزايد نسب العابرين للبحر الأبيض المتوسط من الأراضي الليبية.

الهجرة والصراع على الشرعية

هذه المرة لن يكون الدعم السريع باحثاً عن اعتراف بجهود، بل باحثاً عن اعتراف بالشرعية. ظلت مسألة الشرعية والاعتراف ساحة معركة بين الحكومة السودانية ومؤسسات الدولة من جانب وبين قوات الدعم السريع والأطراف المتحالفة معه من جانب آخر. في القارة الأفريقية، كانت مسألة تجميد عضوية السودان بالاتحاد الأفريقي هي النافذة التي بث من خلالها الدعم السريع وأتباعه الدعاية لمنازعة الحكومة السودانية شرعيتها.

في القارة العجوز، أخذ الموضوع جانباً عملياً وأكثر صرامة للمساواة غير العادلة بين الطرفين. أقامت فرنسا عام 2024، في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب، مؤتمراً بخصوص الأزمة السودانية. رغم أن المؤتمر الإنساني الدولي من أجل السودان والبلدان المجاورة (مؤتمر باريس)، الذي نظمته فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، شهد استضافة حوالي 60 دولة، لم توجه دعوة للحكومة السودانية ولا القوات المسلحة، وبالضرورة لم توجه دعوة لقوات الدعم السريع. وفي العام التالي، استضافت العاصمة البريطانية لندن، مؤتمراً مماثلاً، شهد غياب الحكومة السودانية، مما دفع الحكومة السودانية عبر وزير الخارجية وقتها، علي يوسف الشريف، للاحتجاج بشكل رسمي ضد هذا الإبعاد.

بين هذين المؤتمرين، اعترف الاتحاد الأوروبي بحكومة السودان، لا من خلال التبادل الدبلوماسي بين السودان ودول الاتحاد الأوروبي، بل عبر دعوة وزير الداخلية السوداني السابق، خليل باشا سايرين، للمشاركة في منتدى المتوسط للهجرة غير النظامية الذي استضافته طرابلس في يوليو/تموز 2024. وذكر وقتها الوزير أن السودان والاتحاد الأوروبي بصدد توقيع اتفاق لتقنين مسألة الهجرة.

بفقدان الحكومة سيطرتها على الشريط الحدودي لصالح الدعم السريع؛ تملك الدعم السريع ورقة ضغط في وجه المبادرات التي تقودها أطراف أوروبية، مثل: منظمة برو-ميديشن الفرنسية والحكومة السويسرية. وقد سبق للدعم السريع أن فتح قنوات تواصل سرية مع حكومة بريطانيا عام 2024. وتصبح الحكومة السودانية وخارطة الطريق التي أعلنت عنها في موقف تفاوضي ضعيف.

هل فقدت الحكومة السودانية المبادرة؟

مع توجه الدعم السريع نحو تشكيل حكومة موازية، يبدو أن الحكومة السودانية أمام خيارات محدودة. ولأن مسائل الهجرة خط أحمر بالنسبة للأوروبيين؛ فإن الركون إلى خطاب الانتهاكات، وتعداد ما ارتكبته قوات الدعم السريع من فظائع بحق الشعب السوداني سيقابل بأذن صماء، طالما أن الدعم السريع سيتعاون لوقف أعداد المهاجرين.

ولأن مسائل الهجرة خط أحمر بالنسبة للأوروبيين؛ فإن الركون إلى خطاب الانتهاكات وتعداد ما ارتكبته قوات الدعم السريع من فظائع بحق الشعب السوداني سيقابل بأذن صماء طالما أن الدعم السريع سيتعاون لوقف أعداد المهاجرين

فقد عادت بريطانيا للتعاون مع الحكومة السودانية في عهد البشير رغم تحفظها المسبق على التعامل مع نظام رأسه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، ونظام تعامل بوحشية مع احتجاجات شعبية عام 2013، حسب وثائق رسمية نشرتها بريطانيا بعد طلب لكشف السرية عن معلومات متعلقة بعملية الخرطوم. وبحسب الوثائق، فإن بريطانيا ستحافظ على تعاملها مع الحكومة، وتفرد آليات أخرى لمناقشة قضايا النزاع وحقوق الإنسان التي كانت الأساس لعزلة النظام. وقد انطلق حوار استراتيجي بين الخرطوم ولندن عام 2016 بناء على طلب الحكومة السودانية. ورغم أن حديث قريب الله السماني، القيادي بالتجمع الاتحادي، لم يشر إلى مسألة الهجرة؛ إلا أن رفض ممثل الاتحاد الأوروبي لمشروع المعارضة لإسقاط النظام عام 2016، وتقديمه لدعم قدره مليون ونصف مليون دولار لكل حزب يشارك في الانتخابات العامة، حسب لقاء السماني التلفزيوني؛ بالتزامن مع تعاون الخرطوم مع بروكسل يرجح علو كعب التعاون في ملف الهجرة على أي أمر آخر، ولو كان على حساب دماء الأبرياء.

السودان قطعاً ليس أوكرانيا حتى يستقبل أهله بالورود داخل حدود الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. ولن تجد دول الاتحاد الأوروبي التي تدفع مليارات الدولارات دعماً للمجهود الحربي بأوكرانيا؛ تقدم غير الفتات والكلام المعسول، والأوامر للسودانيين بضرورة وحتمية وجود نظام ديمقراطي.

إن الوسيلة الوحيدة، بالإضافة لاستعادة الأراضي السودانية من المتمردين، لتجنب حصول الدعم السريع على موطئ قدم وكرت رابح أمام أي تفاوض بواسطة الأوروبيين؛ هو الحديث بلغة الأرقام – التي لا يرانا الأوروبيون إلا عبرها. تزامن عودة أكثر من مليون سوداني، بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ومايو/ أيار 2025، إلى ديارهم بولايات الجزيرة والخرطوم وسنار مع تحرير الحكومة السودانية ممثلة في قواتها المسلحة والقوات المساندة من قبضة الدعم السريع.

وعلى الأرجح، فإن هذه النسبة قابلة للازدياد في حال تحسن الخدمات والبنية التحتية بولاية الخرطوم التي قضت فيها قوات الدعم السريع على الأخضر واليابس على امتداد عامين من احتلالها. كذلك تشير تجارب المهاجرين غير النظاميين إلى أن قوات الدعم السريع نفسها كانت منخرطة في مسألة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية؛ فقد توصل تقرير الشتات في غياهب اليأس إلى أن قوات الدعم السريع منخرطة بتهريب البشر والاتجار بهم بمستوى أكثر من بقية الحركات المسلحة النشطة في هذا المجال. ويشير تقرير آخر نشره برنامج مسح الأسلحة الصغيرة، عام 2018، أن قوات الدعم السريع منخرطة في ملفات الهجرة والاتجار بالبشر والسلاح والمخدرات.

لقد دفع السودانيون، ضمن أسباب أخرى، ثمن تقوية الاتحاد الأوروبي وتعزيزه لمقدرات الدعم السريع؛ لكنهم على الأرجح ليسوا على استعداد لتحمل قصر نظر الاتحاد الأوروبي ولا كسل الحكومة السودانية مرة أخرى. ولأننا سودانيون؛ فعلينا أن نسأل الحكومة السودانية وندفعها لعدم التكاسل وأخذ الموضوع بشكل مسؤول بعيداً عن خطاب الانتهاكات التي لا يصل تردده إلى الآذان الأوروبية إلا في نطاق ضيق. 

المزيد من الكاتب

رأي

السودان: التنظيم الدولي المفترض

رأي

الفاشر: عار على جبين البشرية

رأي

جون قرنق: تفكيك الصورة الزائفة