تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

هل تنجح قوات الإيكواس في ترميم التصدعات الأمنية لغرب القارة؟

9 مارس, 2026
الصورة
هل تنجح قوات الإيكواس في ترميم التصدعات الأمنية لغرب القارة؟
Share

كانت فريتاون عاصمة سيراليون شاهدة على ولادة مرحلة جديدة من التنسيق الدفاعي المشترك بين دول مجموعة الإيكواس، في خطوة تعكس تسارع الخطى نحو تعزيز القبضة الأمنية في غرب أفريقيا، بعد توافق قادة الجيوش، نهاية شهر فبراير/ شباط الماضي، في ختام مشاورات عسكرية، على التفاصيل الهيكلية لما يعرف ب"قوة التدخل السريع"، وهي القوة التي تعول عليها المجموعة لتكون الذراع الضاربة للمنظمة في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

يتجاوز هذا الاتفاق كونه مجرد تنسيق عسكري عارض، ليؤكد على مستوى الاستجابة الاستراتيجية لمتطلبات مكافحة الإرهاب العابر للحدود، فهذا الجهاز العسكري المشترك بمثابة حجر الزاوية في رؤية المنظمة الجديدة لاجتثاث التطرف وتجفيف منابعه. وباعتباره الآلية التنفيذية المركزية لمواجه التهديدات، تظل فاعليته رهينة آليات التمويل اللوجستي وتكتيكات الانتشار الميداني، وهي المتغيرات الحاكمة التي ستصيغ مستقبلا ملامح الأمن القومي لدول منطقة غرب أفريقيا.

تواجه هذه الخطوة الطموحة اختبارا حقيقيا يتجاوز حدود التخطيط العسكري؛ إذ تصطدم قوة التدخل السريع بتحديات "السيادة الوطنية" ومدى مرونة الدول الأعضاء في تقديم الدعم الميداني والمالي المستدام. وبينما تترقب القارة مخرجات هذا التحول، يبقى السؤال الجوهري قائما: هل ستتمكن هذه القوة من قلب موازين القوى في مواجهة الانقلابات المتتالية والجماعات المسلحة، أم أنها ستصطدم بعقبات التمويل والبيروقراطية السياسية التي أعاقت مبادرات سابقة مماثلة؟

من الدفاع عن الديمقراطية إلى مكافحة التطرف

لم تكن فكرة تشكيل قوة إقليمية مشتركة وليدة اللحظة أو مجرد استجابة طارئة لحدث عابر، فقد حضرت باستمرار كمشروع استراتيجي ظل حبيس أروقة النقاش والمداولات لسنوات داخل أجهزة المجموعة. لكن التحولات الدراماتيكية في المشهد الأمني الإقليمي، حتمت إخراج الملف من خانة النقاش إلى حيز التنفيذ. ما يعكس استجابة اضطرارية لمؤشرات أمنية مقلقة، حيث باتت المنطقة، وفقاً لأحدث تقارير مؤشر الإرهاب العالمي، بؤرة مركزية للاستقطاب والتطرف، نتيجة النشاط المتنامي للتنظيمات العابرة للحدود المرتبطة بكياني القاعدة وداعش، ما يضع المنطقة أمام اختبار حقيقي يتطلب تجاوز الصيغ الدبلوماسية التقليدية نحو تفعيل ميداني شامل للردع والاحتواء.

مفهوم هذه القوة شهد طفرة نوعية، انتقلت به من مجرد "قوات لحفظ السلام" بمهام تقليدية محددة إلى "قوات تدخل لمكافحة الإرهاب" استجابة للتمدد المتسارع للجماعات المتطرفة في منطقة الساحل الأفريقي، مع تسجيل فارق جوهري بين النموذجين

جاء قرار تفعيل القوة العسكرية المشتركة بمثابة ترجمة عملية لمخرجات القمة 43 لقادة أركان دول المجموعة، والتي استضافتها العاصمة النيجيرية "أبوجا" في الفترة ما بين 11 و14 مارس/آذار 2025؛ واستندت هذه الخطوة المحورية إلى حزمة من التوصيات والمقترحات القمة السابقة، التي كانت بمثابة استجابة ضرورية للفراغ الأمني في بعض المناطق، مستمدة شرعيتها وقوتها التنفيذية من قرار الأمم المتحدة رقم 2719 لعام 2023. يُمثل هذا القرار الأممي حجر الزاوية في التحرك الأخير، كونه أرسى إطاراً قانونياً وتمويلياً مبتكراً لعمليات دعم السلام، بما يضمن مأسسة الشراكة الاستراتيجية وتأمين الموارد المالية اللازمة لاستدامة العمليات العسكرية والأمنية في المنطقة.

جذور فكرة القوة العسكرية الأفريقية المشتركة قديمة في المنطقة، وارتبطت بتجربة "إيكوموج" (ECOMOG) التي تبلورت خلال حقبة التسعينيات للتعامل مع النزاعات الأهلية الدامية في ليبيريا وسيراليون، إلا أن مفهوم هذه القوة شهد طفرة نوعية، انتقلت به من مجرد "قوات لحفظ السلام" بمهام تقليدية محددة إلى "قوات تدخل لمكافحة الإرهاب" استجابة للتمدد المتسارع للجماعات المتطرفة في منطقة الساحل الأفريقي، مع تسجيل فارق جوهري بين النموذجين.

تسعى الرؤية الاستراتيجية الحالية إلى صياغة هيكل عسكري قيادي موحد يتسم بالمرونة والقدرة على التدخل السريع والمستقل، بهدف كسر حلقة الاعتماد الكلي على القوى الدولية وتدخلاتها الخارجية، مما يمثل تحولا تاريخيا نحو تكريس سياسة "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية"، وتعزيز السيادة القارية في إدارة الأزمات الأمنية وتثبيت دعائم الاستقرار المستدام.

القوات الجديدة والواقعية العسكرية

في تحول لافت يعكس حجم التحديات اللوجستية والسياسية التي تواجهها "قوات التأهب" المشتركة، كشفت تقارير عسكرية عن مراجعة جوهرية لسقف الطموحات، فبعد خطة أولية تهدف حشد 5000 جندي، استقر القرار الأخير لرؤساء الأركان على البدء بـ 2000 جندي فقط كقوة تدخل أولية. وفقا ما جاء في تصريح مسؤول نيجيري لوكالة الأنباء الفرنسية: "لقد وضعنا الخطوط العريضة لقوة مكافحة الإهاب.. في المرحلة الأولى، سيكون لدينا حوالي 2000 رجل لمكافحة الإرهاب وانعدام الأمن في منطقة غرب أفريقيا".

تقليص حجم القوة إلى ما دون النصف ليس مجرد خفض في الأرقام بقدر ما يؤشر عن تبني الإيكواس لاستراتيجية الواقعية العسكرية من خلال مراجعة العقيدة القتالية، فالاكتفاء ب 2000 جندي فقط انتقال من مفهوم الجيش الإقليمي الشامل، كما كانت الفكرة في بدايته، إلى قوة نخبوية للتدخل السريع، يسهل نقلها وتأمين إمدادها والتحكم فيها في بيئة صحراوية. ناهيك عن كون العدد يحفظ هيبة المنظمة بوجود قوة عسكرية على الأرض، ويجبنها مغبة الفشل في تحقيق أهداف عددية كبرى قد تظل حبرا على ورق.

لم تكن فكرة تشكيل قوة إقليمية مشتركة وليدة اللحظة أو مجرد استجابة طارئة لحدث عابر، فقد حضرت باستمرار كمشروع استراتيجي ظل حبيس أروقة النقاش والمداولات لسنوات داخل أجهزة المجموعة. لكن التحولات الدراماتيكية في المشهد الأمني الإقليمي، حتمت إخراج الملف من خانة النقاش إلى حيز التنفيذ

كما يعكس القرار توجها واضحا من دول الإيكواس نحو تكريس السيادة الأمنية، فالبدء بهذا العدد بحسب المحلل الأمني بجامعة أبومي كالافي، إيمري أولابي، يرمي ضمان سيطرة أكبر على القوة، كما أنه تحول نحو الاعتماد على الذات الذي لم يعد مجرد خيار تكتيكي بل نتيجة حتمية فرضتها تحديات التمويل الخارجي من ناحية، والدروس القاسية من التجارب الإقليمية السابقة من ناحية أخرى، لا سيما تجربة مجموعة دول الساحل الخمس التي أثبتت أن الارتهان للقوى الدولية في السياق العالمي الراهن لم يعد كافيا لضمان الاستقرار في المنطقة.

يبقى المثير في قرار الإيكواس هو التحول الجوهري في الفلسفة التدخلية لهذه القوات، فالمنظمة بدأت في إعادة ترتيب أولوياتها عبر حصر مهام قواتها، وفق تصريح المسؤول النيجيري، في مكافحة الإرهاب ومعالجة الانفلات الأمني كأولوية قصوى. توجه يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بالتراجع عن المكتسبات الديمقراطية التي كرسها البروتوكول الإضافي بشأن الديمقراطية والحكم الرشيد لعام 2001.

إن تغليب هاجس "الأمن الوجودي" للمنطقة على حساب حماية المسار الديمقراطي يعني عملياً تعليق الأدوات القانونية التي استندت إليها الإيكواس تاريخيا للتدخل ضد الانقلابات العسكرية أو لاستعادة الشرعية، وهو ما يمثل قطيعة مع إرث طويل من التدخلات الحاسمة التي شهدناها في غامبيا (2017) وسيراليون (1997) وليبيريا (1990-1997). يؤكد هذا أن المنطقة تمر بمرحلة واقعية سياسية قاسية، حيث باتت الحفاظ على بقاء الدول من شبح الإرهاب أهم من معارك تثبيت الأنظمة الديمقراطية، مما يضع مصداقية المنظمة الإقليمية كحارس للديمقراطية على المحك أمام تزايد الاضطرابات الأمنية.

فجوة الاستراتيجية وعوائق التنفيذ

تؤكد الإيكواس بفكرة القوات المشتركة تعزيزها شرعيتها في المنطقة، فهذا القرار أقرب إلى محاولة استعادة للهيبة، حيث تثبت المنظمة، وبطريقة غير مباشرة، أنها لا تزال المرجعية الأمنية الوحيدة القادرة على حشد الدعم الدولي لمثل هذا التحركات. لكنها عمليا تواجه بتحديات كثيرة لعل أبرزها سؤال: كيف ستعمل هذه القوة في منطقة سجلت ارتفاعا في العمليات الإرهابية بنسبة 22٪ خلال العامين الماضيين؟

تقدم الإيكواس كجواب مقاربة عسكرية تعتمد على الجاهزية القصوى للتدخل السريع كأداة استجابة فورية للأزمات الأمنية، إلا أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات بنيوية معقدة؛ فمن الناحية اللوجستية، يثير الاعتماد على قوة قوامها 2000 جندي تساؤلات جوهرية حول قدرتها على تأمين نطاق جغرافي شاسع يمتد عبر منطقة الساحل والصحراء. يزداد المشهد تعقيدا مع تطور التهديد الإرهابي وانتقاله من مناطق المعروفة تقليديا (المثلث الحدودي) إلى دول الحافة، مثل: بنين وغانا وتوغو، التي سجلت نموا مضطردا في العمليات الحدودية بنسبة 15٪.

تكمن الفجوة الاستراتيجية بالنسبة لهذه القوات في كون نموذج "التدخل السريع" يمثل آلية رد فعل مؤقتة، وهو ما يجعله عاجزا عن التحول إلى جيش سيطرة مستدام يفرض الاستقرار الدائم على الأرض، مما يبقي المعالجة الأمنية في إطار "احتواء الأزمة" لا "إنهاء الصراع".

تقليص حجم القوة إلى ما دون النصف ليس مجرد خفض في الأرقام بقدر ما يؤشر عن تبني الإيكواس لاستراتيجية الواقعية العسكرية من خلال مراجعة العقيدة القتالية، بالانتقال من مفهوم الجيش الإقليمي الشامل إلى قوة نخبوية للتدخل السريع

اليوم، تطرح اليوم تساؤلات استراتيجية ملحة حول العلاقة الممكنة لهذه مع "تحالف دول الساحل" (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر)، خاصة وأن جغرافية المنطقة تفرض تحديات لوجستية وعسكرية هائلة؛ فصحراء الساحل الشاسعة - الممتدة على مساحة 2.8 مليون كلم مربع، وتشكل ما يربو على 56٪ من إجمالي مساحة دول الإيكواس - باتت تمثل البيئة الحاضنة والمنطلق الأساسي لنمو التنظيمات المتطرفة.

تزداد التعقيدات الميدانية إذا ما قارنا بين الطبيعة القتالية للقوات المختلفة؛ ففي حين تمتلك دول الساحل قوات متمرسة ميدانياً في حروب العصابات، تعاني 70٪ من قوات الإيكواس من ضعف في التأهيل الخاص بالعمليات العابرة للحدود، كون عقيدتها العسكرية تقتصر في الغالب على مهام الدفاع الوطني التقليدي. هذا التباين في الخبرة والمساحة يضع المنطقة أمام مأزق أمني حقيقي، حيث تتفوق الجغرافيا والخبرة القتالية المحلية على الأرقام والخطط النظرية للقوى الإقليمية.

يمثل تفعيل القوة العسكرية المشتركة نقطة تحول جوهرية في استراتيجية الأمن الإقليمي لغرب أفريقيا، فقد تحول ـ بهذه الصيغة - من مجرد "رد فعل" على أزمات عابرة إلى مشروع مُمأسس يستند إلى شرعية دولية (القرار 2719) وإرادة سياسية. ومع ذلك، يظل الاختبار الحقيقي ليس في صياغة الاتفاقيات أو حشد التأييد الأممي، بل في قدرة هذه القوة على تجاوز عقبات التمويل المستدام، واحترام السيادة الوطنية للدول الأعضاء، وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض تقوض نفوذ الجماعات المسلحة التي باتت عابرة للحدود.

إن نجاح هذا المسار يعتمد أساسا على تحويل التنسيق العسكري إلى منظومة دفاعية متكاملة، قادرة على سد الفراغ الأمني الذي خلفته التحولات السياسية الأخيرة في المنطقة. فهل ستنجح "قوة التدخل السريع" في أن تكون الدرع الواقي للديمقراطية والاستقرار في القارة السمراء، أم ستنضم إلى قائمة المبادرات التي تعثرت أمام تعقيدات الجغرافيا والسياسة؟