تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

هل تلحق الإمارات بإسرائيل في الاعتراف بصوماليلاند؟

23 مايو, 2026
الصورة
هل تلحق الإمارات بإسرائيل في الاعتراف بصوماليلاند؟
Share

قد تكون صوماليلاند أمام منعطف دبلوماسي جديد، مع تصاعد التكهنات بشأن احتمال حصولها على اعتراف دولي من دولة ثانية، هي الإمارات العربية المتحدة، بعد نحو خمسة أشهر من اعتراف إسرائيل بها في خطوة مثيرة للجدل خلّفت ردود فعل واسعة داخل المجتمع الدولي. جاءت هذه التكهنات عقب تصريحات أدلى بها المسؤول الإماراتي ضرار بالهول الفلاسي لقناة i24 الإسرائيلية، أشار فيها إلى أن اعتراف أبوظبي بالإقليم الواقع في القرن الأفريقي قد يحدث "عاجلًا أم آجلًا"، مضيفا أن العلاقات بين الإمارات وصوماليلاند جيدة، وأن "كل المقومات موجودة"، وأن الاعتراف قد يتم إذا سارت الأمور في المسار الصحيح.

تستند هذه التوقعات إلى شبكة علاقات قائمة بين الإمارات وصوماليلاند تطورت على مدى سنوات، إذ يحتفظ الطرفان بمكاتب اتصال متبادلة، فيما عززت أبوظبي حضورها في مدينة بربرة الاستراتيجية عبر إقامة قاعدة عسكرية هناك، إلى جانب تعهدات بإعادة تطوير مطار المدينة. يأتي ذلك ضمن اهتمام إماراتي أوسع بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتداخل اعتبارات التجارة والموانئ والأمن البحري والنفوذ الجيوسياسي في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

في موازاة ذلك، لا يمكن فصل الحديث عن احتمال الاعتراف الإماراتي بصوماليلاند عن التقارب المتنامي بين أبوظبي وتل أبيب منذ توقيع "اتفاقيات أبراهام" عام 2020، والتي أفضت إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين الإمارات وإسرائيل. فمنذ ذلك الحين، بدا الطرفان أكثر تقاطعا في عدد من الملفات الإقليمية، ولا سيما في مساعيهما إلى توسيع الحضور السياسي والأمني والاقتصادي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى صوماليلاند باعتبارها نقطة ارتكاز محتملة في معادلة النفوذ الجديدة بالمنطقة، خصوصا بعد اعتراف إسرائيل بها، وما تبعه من جدل إقليمي ودولي.

مكاسب محتملة للإمارات وصوماليلاند

يبقى السؤال الأبرز: إلى أي مدى يمكن أن تمضي الإمارات في خطوة بهذا القدر من الحساسية السياسية والدبلوماسية؟ فاعتراف أبوظبي بصوماليلاند لن يكون مجرد قرار رمزي، بل تحركا ذا انعكاسات إقليمية واسعة، بالنظر إلى موقع الإقليم على خليج عدن، وقربه من واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. يرى عمر محمود، محلل شؤون القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، أن مثل هذا الاعتراف قد يحقق مكاسب متبادلة للطرفين؛ إذ يمنح الإمارات موقعًا أكثر رسوخًا في معادلة النفوذ الإقليمي، فيما يتيح لصوماليلاند اختراقًا دبلوماسيًا جديدًا يعزز مسعاها الطويل نحو الاعتراف الدولي.

إن اعتراف الإمارات بصوماليلاند دولة مستقلة، بحسب محمود، سيمنح الدولة الخليجية "موطئ قدم في لعبة النفوذ الإقليمي داخل هذا الممر البحري الاستراتيجي". ولا تنفصل هذه القراءة عن المصالح الإماراتية المتزايدة في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تسعى أبوظبي إلى تثبيت حضورها في الموانئ وخطوط التجارة والأمن البحري. كما أن الاعتراف المحتمل قد يخدم بشكل مباشر استثمارات شركة موانئ دبي العالمية في ميناء بربرة، وهو مشروع استراتيجي لا يزال، وفق تقديرات عدة، دون مستوى الاستفادة الكاملة من إمكاناته.

من شأن ذلك أن يفاقم الانتقادات الموجهة إلى هرجيسا، خصوصا في العالمين العربي والإسلامي، وأن يربط مسعاها نحو الاعتراف الدولي بملف بالغ الاستقطاب إقليميا ودوليا

عملت الإمارات خلال السنوات الماضية على توسيع نفوذها في القرن الأفريقي، ضمن رؤية أوسع لتنويع اقتصادها، وتقليص اعتمادها على النفط، بما ينسجم مع مشروع "رؤية 2031". وقد ضخّت أبوظبي استثمارات كبيرة في قطاعات التجارة والزراعة والبنية التحتية للموانئ والأمن البحري والتحالفات العسكرية في شرق أفريقيا، مع تركيز واضح على تطوير المرافئ والتحكم في طرق التجارة، خصوصا في البحر الأحمر. في هذا السياق، يُنظر إلى ميناء بربرة بوصفه أحد أهم ركائز الحضور الإماراتي في المنطقة، إذ تشير تقارير إلى أن حجم الاستثمارات فيه بلغ ما لا يقل عن 442 مليون دولار.

لكن الطموح الاقتصادي الإماراتي في القرن الأفريقي ظل مرتبطا أيضا باعتبارات أمنية وعسكرية. فبسبب هشاشة المنطقة واضطراباتها المتكررة، وحاجة أبوظبي إلى حماية مصالحها وممراتها التجارية، أنشأت الإمارات قواعد عسكرية في صوماليلاند وإريتريا وجيبوتي. وقد خدمت هذه القواعد أهدافا متعددة، شملت مكافحة القرصنة وتعزيز الأمن البحري، لكنها ارتبطت كذلك بحسابات عسكرية أوسع، من بينها الحرب في اليمن وما فرضته من حاجة إلى مواقع متقدمة على ضفتي البحر الأحمر وخليج عدن. وإلى جانب ذلك، سعت الإمارات إلى بناء شبكة علاقات ذات طابع إنساني وتنموي مع دول القرن الأفريقي، بما يعزز صورتها كفاعل إقليمي مؤثر لا يقتصر حضوره على البعد العسكري أو الاقتصادي فقط.

أما بالنسبة إلى صوماليلاند، فإن أي اعتراف إماراتي سيُعد مكسبًا دبلوماسيًا بالغ الأهمية، خصوصًا بعد أن أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بها رسميًا العام الماضي. ويرى محمود أن لحاق الإمارات بإسرائيل في هذا المسار سيمنح صوماليلاند زخما إضافيا تعتقد أنه قد يفتح الباب أمام دول أخرى لاتخاذ خطوات مماثلة. كما يمكن أن ينعكس ذلك في صورة انخراط اقتصادي وفني أوسع، سواء عبر استثمارات جديدة أو تبادل للخبرات، وهو ما قد تستخدمه هرجيسا لتعزيز مؤسساتها وترسيخ سرديتها السياسية القائمة على أنها كيان مستقر وقابل للحياة، رغم استمرار غياب الاعتراف الدولي الواسع بها.

حسابات معقدة وكلفة دبلوماسية

مع ذلك، لا يبدو خيار الاعتراف الإماراتي الرسمي بصوماليلاند قرارا سهلا أو مضمونا، إذ تحيط به حسابات سياسية ودبلوماسية معقدة. فعند سؤاله عن مدى احتمال إقدام أبوظبي على هذه الخطوة، قال عمر محمود إن الأمر "يصعب الجزم به"، مشيرا إلى أن الاعتراف قد يرتب على الإمارات أثمانا محتملة، من بينها تعريض علاقاتها لتوترات مع الدول الرافضة لاستقلال صوماليلاند، أو دفعها إلى نوع من العزلة الدبلوماسية في هذا الملف. وتزداد المسألة تعقيدًا لأن الإمارات عضو في أطر إقليمية ودولية، مثل جامعة الدول العربية، سبق أن أعلنت رفضها لأي خطوة تمس وحدة الصومال وسيادته، وهو ما يجعل قرارا من هذا النوع محفوفًا بحسابات دقيقة.

ورغم ما قد يحمله الاعتراف من مكاسب سياسية واقتصادية لأبوظبي وهرجيسا، حذر محمود من التعامل معه بوصفه حلًا نهائيًا لتحديات صوماليلاند. فالإقليم، حتى في حال حصوله على اعتراف إماراتي، سيظل يواجه معارضة من أطراف إقليمية ودولية تعتبر انفصاله عن الصومال مساسًا بسيادة الدولة الصومالية ووحدة أراضيها. وبذلك، قد يبقى عالقا في منطقة رمادية: فهو يدير شؤونه عمليا بصورة مستقلة عن مقديشو منذ عقود، لكنه لا يزال خارج منظومة الاعتراف الدولي الكامل، ولا يُعامل كدولة عضو في النظام الدولي على نحو طبيعي.

هذا الاعتراف قد يحقق مكاسب متبادلة للطرفين؛ إذ يمنح الإمارات موقعا أكثر رسوخا في معادلة النفوذ الإقليمي، فيما يتيح لصوماليلاند اختراقا دبلوماسيا جديدا يعزز مسعاها الطويل نحو الاعتراف الدولي

من هذا المنطلق، يرى محمود أن الاعتراف الأحادي أو الانحياز إلى طرف بعينه قد يؤدي إلى تعميق التوتر بدلا من تسويته، ما لم تُعالج الخلافات الجوهرية بين الصومال وصوماليلاند عبر مسار سياسي مباشر ومستدام. فالحل الأكثر فاعلية، بحسب هذا التصور، لا يكمن في أن يختار الحلفاء الخارجيون الوقوف إلى جانب مقديشو أو هرجيسا، بل في ممارسة ضغط منسق على الطرفين للعودة إلى حوار جاد يحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بينهما، وينهي حالة الجمود التي تحكم هذا الملف منذ سنوات.

وقد ظهرت حساسية هذه المسألة بالفعل في علاقات الإمارات مع الحكومة الصومالية، إذ أثارت تعاملات أبوظبي مع صوماليلاند غضب مقديشو في أكثر من مناسبة. وشهدت العلاقات بين الجانبين واحدة من أكثر مراحلها توترًا بعدما ألغت الصومال، في كانون الثاني/يناير الماضي، اتفاقيات رئيسية مع الدولة الخليجية، في خطوة عكست حجم القلق الصومالي من أي ترتيبات خارجية تُبرم مع صوماليلاند بمعزل عن الحكومة المركزية.

تقارب إسرائيلي ـ صوماليلاندي يثير القلق

تتزايد المخاوف من التقارب المتسارع بين إسرائيل وصوماليلاند، وهو تقارب يضيف بعدا جديدا إلى تعقيدات المشهد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فقد أعلنت صوماليلاند أنها ستفتتح رسميا سفارة لها في القدس المحتلة، في حين تعتزم إسرائيل فتح سفارة في هرجيسا. وتأتي هذه الخطوة بعد زيارة أول سفير لصوماليلاند لدى إسرائيل، محمد حاجي، إلى تل أبيب، حيث قدّم أوراق اعتماده إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

إن الاعتراف قد يرتب على الإمارات أثمانا محتملة، من بينها تعريض علاقاتها لتوترات مع الدول الرافضة لاستقلال صوماليلاند، أو دفعها إلى نوع من العزلة الدبلوماسية في هذا الملف

تحمل هذه الخطوة دلالات سياسية ورمزية بالغة الحساسية، إذ ستكون المرة الأولى التي تفتتح فيها صوماليلاند، التي يُعد الإسلام دينها الرسمي، سفارة لها في الخارج. وتزداد حساسية القرار بسبب اختيار القدس المحتلة مقرا لهذه السفارة، في ظل المكانة الدينية للمدينة لدى المسلمين، ووضعها المتنازع عليه بموجب القانون الدولي. ومن شأن ذلك أن يفاقم الانتقادات الموجهة إلى هرجيسا، خصوصا في العالمين العربي والإسلامي، وأن يربط مسعاها نحو الاعتراف الدولي بملف بالغ الاستقطاب إقليميا ودوليا.

كانت صوماليلاند، التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 عقب الحرب الأهلية، قد عادت إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد اعتراف إسرائيل الرسمي بها في كانون الأول/ديسمبر الماضي. وقد أثار ذلك الاعتراف موجة إدانات واسعة من الصومال والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ودول أخرى عديدة، اعتبرت أن الخطوة تمثل انتهاكا لسيادة الصومال، وتشجع على إعادة رسم الحدود في منطقة تعاني أصلا من الهشاشة والصراعات.

من جهتها، أدانت مقديشو الاعتراف الإسرائيلي بشدة، ووصفته بأنه انتهاك صريح لسيادة الصومال و"غزو سافر" للبلاد. كما تؤكد الحكومة الصومالية أن صوماليلاند لا تزال جزءا لا يتجزأ من الأراضي الصومالية، وتتعامل معها باعتبارها من ضمن الكيانات الفيدرالية التابعة للدولة. كما اتهم الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بارتكاب "أكبر إساءة" لسيادة الصومال، في إشارة إلى ما تعتبره مقديشو تجاوزا خطيرًا لوحدة البلاد، ومحاولة لاستثمار ملف صوماليلاند في صراعات النفوذ الإقليمي.

مترجم من هذا المصدر