الاثنين 13 أبريل 2026
في ظل التوترات السياسية والأمنية التي تمر بها بوركنا فاسو الدولة الواقعة غرب أفريقيا، عاد الجدل مجدداً إلى الواجهة عقب ظهور تقارير صحفية تتحدث عن طلب الرئيس البوركينابي من تشاد إرسال 200 جندي لتقوية جهازه الأمني. يأتي ذلك بعد أسابيع من إحباط محاولة انقلابية دبرها عدد من الضباط المشتبه بتورطهم في مؤامرة داخلية، لكن تشاد سارعت إلى نفي تلك المزاعم، عبر بيان عن إدارة الإعلام في الرئاسة، والذي أكد أن هذا الموضوع لم يطرح بين الرئيسين واصفاً التقارير الصحفية بالزائفة.
بينما تخوض بوركينا فاسو الدولة التي عانت كثيراً من الصراعات حرباً مهمة في إقليمها الشمالي ضد المجموعات الإرهابية، تواجه عاصمتها واغادوغو صراعاً على السلطة منذ فترة، ويتجلى ذلك في سلسلة من محاولات الانقلاب الفاشلة التي تعلن عنها الحكومة بشكل دوري، وسط كثير من الغموض وقليل من الأدلة بحسب مراقبين. منذ صعوده إلى سدة الحكم في بوركينا فاسو نهاية 2022واجه الرئيس الشاب إبراهيم تراوري ما لا يقل عن خمس محاولات انقلابية بحسب بينات رسمية؛ كانت الأولى عام 2022، تليتها ثلاث محاولات عام 2024، وكانت الأخيرة نهاية أبريل/نيسان الماضي.
لكن بعض المراقبين يثيرون الشكوك في الرواية الرسمية، ويرون في ذلك لغزاً محيراً، وذلك بسبب التغييب المقصود لوسائل الإعلام المستقلة، والتضييق المفروض على حرية التعبير، تحت ما يطلق عليه "إعلام وطني التوجه". فكل محاولات الانقلاب الأخيرة تم الإعلان عنها من قبل الحكومة دون أدنى تسرب للمعلومات في وسائل الإعلام قبل ذلك، وهو ما يثير الشكوك أكثر حول ما إذا كانت فعلاً حقيقية أم مجرد ذريعة لتصفية بعض الضباط داخل الجيش.
بينما تخوض بوركينا فاسو الدولة التي عانت كثيراً من الصراعات حرباً مهمة في إقليمها الشمالي ضد المجموعات الإرهابية، تواجه عاصمتها واغادوغو صراعاً على السلطة منذ فترة
لقد تم توقيف العديد من الضباط والمدنين الذين تتهمهم الحكومة بالتواطئ، من بينهم القائد السابق للجيش إيفراد سومداه الذي شطب اسمه من الجيش، كما أن هناك قيادات أخرى برتب أدنى، إضافة إلى شخصيات مدنية على رأسهم وزيرة الخارجية السابقة التي تم إقالتها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حيث تتحدث الروايات عن أن إقالته ذات صلة بمحاولات الانقلاب المزعومة. قام النقيب تراوري منذ وصوله إلى الحكم باعتقال العديد من الضباط، وتسريح آخرين، خاصة ذوي الرتب العليا ممن يعتبر نفوذهم في الجيش امتداداً للجيل الأول من العسكريين المرتبطين بعلاقات وطيدة مع فرنسا.
الثابت في الرواية الرسمية لكل محاولات الانقلاب المعلنة في بوركينا فاسو هو وجود أصابع اتهام خارجية، غالباً ما يشار إليها دون تسميتها. لكن الجميع يعلم أن المقصودة هي فرنسا؛ القوة الاستعمارية السابقة التي كانت قبل ثلاثة سنوات فقط تتحكم في دول الساحل الأفريقي، بما فيها بوركينا فاسو. لكنها اليوم فقدت الكثير من نفوذها في هذه المنطقة، لصالح قوى صاعدة مثل روسيا والصين.
قالت الحكومة في بيان الانقلاب الأخير، الذي صدر الاثنين 21 أبريل/نيسان2025، أن منظمات من المجتمع المدني تلقت تمويلاً خارجياُ لدعم الانقلاب، في إشارة لدعم فرنسي خفي للانقلاب، وفق رأي أنصار الرئيس تراوري الذين دائما ما يوجهون أصابع الاتهام لفرنسا بسبب سياساتها السابقة، وتدهور علاقتها مع بوركينا فاسو منذ وصوله إلى السلطة، والتقارب الكبير الذي بدأه مع روسيا.
تاريخياً، تعرف فرنسا بدعمها للانقلابات في الدول الأفريقية، أبررها الانقلاب الذي كان عام 1987 في بوركينا فاسو، والذي أودى بحياة الرئيس البوركينابي توماس سانكارا (1983-1987)، كان أشهر الرؤساء الذين حكموا البلاد. اليوم يسوق تراوري نفسه امتداد لسانكارا، في مسعى لتكرار نموذج القائد الثوري الراديكالي الذي يعادي الغرب، ويعتمد على سياسات وطنية.
يثير هذا التضارب الحاصل في المعلومات بشأن طلب بوركينا فاسو جنود تشاديين لتعزيز أمنها الداخلي، العديد من التساؤلات حول دقة التقارير الصحفية من جهة وطبيعة العلاقات الأمنية بين دول منطقة الساحل، لا سيما وأن المنطقة تعيش تحت وطأة التهديدات الأمنية والانقلابات العسكرية منذ عقد من الزمن، فبوركينا فاسو تحاول، منذ وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى سدة الحكم، إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني، وتطهير الجيش من المواليين للنظام السابق وحليفته فرنسا، الأمر الذي واجهت فيه مقاومة شرسة، أدت إلى تعرضها لأكثر من محاولة انقلاب منذ 2022.
الثابت في الرواية الرسمية لكل محاولات الانقلاب المعلنة في بوركينا فاسو هو وجود أصابع اتهام خارجية، غالباً ما يشار إليها دون تسميتها. لكن الجميع يعلم أن المقصودة هي فرنسا؛ القوة الاستعمارية السابقة التي كانت قبل ثلاثة سنوات فقط تتحكم في دول الساحل الأفريقي
ربط تراوري لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة بلاده بتحالف سياسي وعسكري مشترك، أطلق عليه "تحالف دول الساحل" ضم بجانب بوركنا فاسو دول النيجر ومالي، وكلها دول تعيش أوضاعا سياسية وأمنية متشابهة، وتمر أيضا بفترات انتقالية وقطيعة عسكرية ودبلوماسية مع فرنسا. يوفر هذا التحالف تعاونا أمنيا ودفاعيا مشتركا، فضلاً عن التنسيق في القضايا السياسية والاقتصادية والتنموية للدول الأعضاء. كما يُمثل ذلك إعادة تشكيل جديد للتحالفات الأمنية والعسكرية في المنطقة، ورسم للتقاطعات والمصالح الدولية فيها، بعدما كانت لعقود تحت تأثير قوى دولية معينة.
لكن الزج باسم تشاد داخل الأزمة الأمنية التي تشهدها بوركنا فاسو، بالرغم من أنها خارج "تحالف دول الساحل" قد يعكس دورها المحوري في ترتيب الوضع الأمني في المنطقة، باعتبارها فاعلا رئيسيا في مجموعة الساحل الخمس "سابقاً"، وكذا الدور الذي كانت تضطلع به داخل العمليات الدولية المشتركة لمكافحة الإرهاب. لكن نفي السلطات التشادية السريع لأي مشاركة أمنية لها في السياق البوركينابي الراهن يثير عدة تساؤلات، وهي ما عبّر عنه رئيس الوزراء الأسبق وزعيم المعارضة في البرلمان التشادي الحالي باهيمي باتاكي البيرت، الذي طالب السلطات التشادية بتوضيحات دقيقة حول المعلومات الصحفية المتعلقة بإرسال جنود إلى بوركينا فاسو.
يرى باهيمي أن ما يثير الشك أكثر ليس فقط المعلومات المنشورة، بل سرعة نفي السلطات التشادية لتلك المعلومات، بالرغم من أن بوركينا فاسو المعني الأول بذلك لم تبادر إلى الرد أو التأكيد، مضيفاً أن طريقة تعاطي الحكومة التشادية مع المسألة تفتح الباب أمام التكهنات والتساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
من غير المستبعد أيضاً أن يأتي نفي تشاد في سياق حرصها على عدم الزج باسمها في مواقف قد تفسر بأنها دعم لطرف من الأطراف داخل بوركينا فاسو، كما هو حاصل في الاتهامات التي تطالها من السودان. فتشاد الآن تبحث عن توازن في علاقاتها مع مختلف الدول، بالرغم من أنها قد أنهت علاقاتها العسكرية والأمنية مع فرنسا، إلا أنها لا زالت تحافظ على علاقات تعاون في المجالات الأخرى بجانب تعزيز تعاونها مع الصين وتركيا والإمارات، ومحاولة التقارب مع روسيا.
بذلك تختلف كثيراً في توجهها مع دول "تحالف الساحل" التي اتخذت موقفاً أكثر صرامة مع فرنسا، ووضعت حدوداً في تعاملاتها مع بعض الدول الغربية. هكذا، يبدو الرد التشادي السريع محاولة للنئي بالنفس عن النزاعات والصراعات الداخلية التي قد تضعها في موقع إحراج مع بعض الأطراف داخل بوركنا فاسو أو حتى خارجها.
يثير التضارب الحاصل في المعلومات بشأن طلب بوركينا فاسو جنود تشاديين لتعزيز أمنها الداخلي، العديد من التساؤلات حول دقة التقارير الصحفية من جهة وطبيعة العلاقات الأمنية بين دول منطقة الساحل
لا ننفي أيضاً حدوث تقارب مؤخراً في العلاقات بين أنجمينا وواغادوغو عقب إنهاء تشاد لتعاونها الأمني والعسكري مع فرنسا، وتكلل ذلك بتتويجها ضيف شرف في الدورة التاسعة والعشرين للمهرجان الأفريقي للسينما والتلفزيون بواغادوعو "فيسباكو"، الذي أقيم في 9 فبراير/ شباط 2025 في العاصمة واغادوغو. كما التقى الرئيسين إبراهيم تراوري ومحمد إدريس ديبي على هامش المهرجان، حيث جرت بينهما محادثات حول قضايا استراتيجية، بما فيها السيادة ومكافحة الاستعمار الجديد والتعاون الأمني، وهي قضايا مشتركة بين البلدين، ورحب الطرفان في ختام اللقاء بالتقارب الحاصل في وجهات النظر حول مختلف ملفات التباحث، ودعوا إلى ضرورة عقد لجنة التعاون المشترك في أقرب وقت ممكن.
بالرغم من أن اللقاء بين الرجلين حصل فيه تقدم مهم، خصوصا في تنسيق المواقف في القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلا أن هذا التنسيق لم يصل بعد مرحلة التحالف الاستراتيجي بل يبقي رهينا لتقلبات في الأوضاع السياسية الداخلية والخارجية لكلا البلدين.
كما أنه لم يعد إرسال تشاد لقوات عسكرية إلى بوركينا فاسو أمراً جديداً بل كانت قد أرسلت سابقاً كتيبة قوامها 1200 جنديا إلى المثلث الحدودي بين بوركنا فاسو ومالي والنيجر، لمكافحة الجماعات الجهادية في المنطقة في سياق نشاط مجموعة دول الساحل الخمس سابقاً، التي كانت تضم خمس دول: تشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا. كما أرسلت تشاد أيضا قوات إلى النيجر والكاميرون لمحاربة جماعة بوكو حرام، فضلاً عن مشاركتها بقوة بجانب قوات حفظ السلام الدولية في مالي منذ 2013.
على الرغم من التقارب اللافت بين البلدين في الملفات المشتركة عقب اللقاء الأخير الذي جمع الرئيسين إبراهيم تراوري ومحمد إدريس ديبي في واغادوغو، إلا أن التقارير الأخيرة بغض النظر عن عن صحتها من عدمه ستلغي بظلالها على علاقة البلدين، وتطرح تساؤلات جادة حول مدى مصداقية التنسيق الأمني بين الطرفين، ويبدو ان هذا الواقع يضع العلاقة الثنائية أمام اختبار حقيقي خاصة في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة.