تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 16 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

هل تكون تركيا بديلا عن فرنسا في تشاد؟

2 مارس, 2025
الصورة
geeska cover
Share

عقب الانتكاسة المفاجئة في العلاقة بين تشاد وفرنسا، وعلى إثر ذلك أغلقت الأخيرة كامل قواعدها العسكرية في تشاد، وفي ظل تنامي التحديات الأمنية والعسكرية وضعف الإمكانيات والمقدرات الدفاعية والاستخباراتية لتشاد، أثير تساؤل حول القوة التي يحتمل أن تصبح بديلا عن فرنسا، ومن بين اللاعبين على الساحة، تظهر تركيا خياراً قوياً لتغطية الفراغ الفرنسي.

يعزز ذلك حضورها الكبير واللافت في عموم أفريقيا، والساحل الأفريقي على وجه الخصوص، حيث استطاعت أنقرة، خلال السنوات الأخيرة، تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، ودفعها إلى مستوى متقدم، من خلال إبرام اتفاقيات مختلفة، بما فيها الاقتصادية والعسكرية. ويعكس هذا التحرك التركي عدة دلالات بعضها يرتبط بالوضع الأمني في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، والبعض الأخر يتعلق بالأهداف التركية في المنطقة.

عن العلاقة بين البلدين

يعود تاريخ العلاقات بين تشاد وتركيا إلى حقبة الإمبراطورية العثمانية والممالك الإسلامية التي قامت في تشاد في عصر ما قبل الاستعمار، ويضم الأرشيف العثماني العديد من الوثائق التي تتحدث عن العلاقات بين الشعبين. تشير المصادر التاريخية إلى مشاركة قوة تركية مكونة من 100 جندي في مناهضة الاستعمار الفرنسي، ما بين عامي 1911و1913. كما تظهر في الواقع العديد من الآثار العثمانية في بعض المناطق في تشاد، بما في ذلك استخدام بعض الأسماء التركية خاصة في مناطق شرق تشاد، حيث كانت ممالك إسلامية قائمة سابقاً.

تسعى تركيا من خلال تعاونها مع تشاد إلى البحث عن منافذ خارجية، ودعائم جديدة لتعزيز اقتصادها، في ظل الثروات المعدنية الهائلة التي تمتلكها تشاد فضلا عن ثروات حيوانية وأراضي زراعية خصبة

شهدت العلاقة بين البلدين، مع مجيء فترة الاستعمار، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، فترة انقطاع، استمر حتى استقلال تشاد 1960، حيث اعترفت تركيا باستقلالها في نفس اليوم. بعد تسع سنوات على الاستقلال، عينت سفيرها في نيجيريا سفيراً لها في تشاد أيضاً.

اكتسبت العلاقات زخماً، وزاد عدد الزيارات المتبادلة بين الدولتين، بشكل ملحوظ، بعد افتتاح السفارة التركية في العاصمة أنجمينا، في مارس/آذار 2013، وسفارة تشاد في أنقرة في ديسمبر/كانون الأول 2014.

كانت أول زيارة رفيعة المستوى بين البلدين عام 2000، حين زار رئيس وزراء تشاد الأسبق كالزيبي باهيمي أنقرة، فيما أجرى رجب طيب أردوغان، أول زيارة لرئيس تركي إلى تشاد، عام 2019، ضمن جولة أفريقية ضمت السودان وتشاد وتونس.

جبهات تعاون مختلفة

تنوعت مجالات التعاون القائمة بين البلدين في السنوات الأخيرة، وركزت بصورة رئيسية على المجال الاقتصادي والتبادل التجاري والنقل والمساعدات الإنسانية والتعليم والصحة والزراعة والثروة الحيوانية، فضلاً عن التعاون العسكري والأمني. وقد وقع البلدان في أكتوبر/تشرين الأول 2021 خلال زيارة رئيس المجلس العسكري في تشاد محمد إدريس ديبي لتركيا، عدة اتفاقيات وبروتوكولات في مجال الطاقة والطيران والدفاع والأمن والبنية التحتية والبحث العلمي والإعلام، ما مثل أساساً للتعاون القائم، كما أنها حددت المجالات الرئيسية للشراكة.

تسعى تركيا من خلال تعاونها مع تشاد إلى البحث عن منافذ خارجية، ودعائم جديدة لتعزيز اقتصادها، في ظل الثروات المعدنية الهائلة التي تمتلكها تشاد (النفط والذهب وغيرها من المعادن). فضلا عن ثروات حيوانية وأراضي زراعية خصبة، فتشاد تتبوأ مراتب متقدمة بين أكبر الدول امتلاكاً للثروة الحيوانية، برقم يناهز 150 مليون رأس من الماشية.

تمثل تشاد في أفريقيا منطقة جوسياسية مهمة، لموقعها الاستراتيجي الرابط بين دول جنوب وشمال القارة وبين دول غرب وشرق القارة، وأيضا لقدرتها على التأثير في الصراعات الإقليمية، وامتلاكها لاحتياطي كبير من المواد الخام ، جعل منها محط أنظار الدول الكبرى

تريد تشاد الاستفادة من الخبرات والإمكانيات التركية المختلفة في استغلال مواردها، وتحسين وضعها الاقتصادي، ومعالجة أزماتها الداخلية. وهذا ما يكشفه المنحى التصاعدي للأرقام، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين تركيا وتشاد إلى 112 مليون دولار في 2023، بعد ما كان بين 40 و50 مليون دولار في السنوات الخمس الماضية، يأمل البلدان رفعه إلى 500 مليون دولار.

افتتحت وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" مكتبها في تشاد، في يناير/ كانون الثاني 2013، ونفذت أكثر من 80 مشروعاً، منذ عام 2017 حتى 2020، ويبقى مجمع الصداقة التشادية التركية أكبرها هذه المشاريع. فضلا عن تقديم تركيا منحاً دراسية لكثير من الطلاب التشاديين للدراسة في الجامعات التركية.

أبعاد التعاون العسكري

لم يقتصر التعاون التركي التشادي على المجال الاقتصادي والإنساني فحسب، بل شمل أيضاً المجال الأمني والعسكري، ويرتبط البلدان باتفاقيات عسكرية تتضمن إطار عمل يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات المشتركة والتدريب واللوجستيات، فضلاً عن التسليح الحربي. تشهد المنطقة الأفريقية عموماً والساحل الأفريقي على وجه الخصوص دوراً تركياً متنامياً، في وقت يلاحظ فيه تراجع النفوذ الغربي، وتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية والحركات المسلحة، ما يفتح الباب أمام أنقرة لتأكيد حضورها هناك، وهو ما حذر منه في السابق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي اتهم تركيا علانية بالاستفادة من موجة الغضب الأفريقية تجاه بلاده، لتقويض علاقاتها مع مستعمراتها السابقة.

تمثل تشاد في أفريقيا منطقة جوسياسية مهمة، لموقعها الاستراتيجي الرابط بين دول جنوب وشمال القارة وبين دول غرب وشرق القارة، وأيضا لقدرتها على التأثير في الصراعات الإقليمية، وامتلاكها لاحتياطي كبير من مواد الخام المتنوع، جعل منها محط أنظار الدول الكبرى. كما أنها، في ذات الوقت، هدف مناسب للترويج للصناعات العسكرية على خلفية تنامي حركات التمرد والصراعات الداخلية، فمنذ إنهاء تعاونها العسكري مع فرنسا تبحث تشاد التي تواجه حتى الآن تمردات مسلحة في الخارج، عن مقاربات عسكرية وأمنية جديدة لسد الفراغ الذي تركته فرنسا، وتعتبر تركيا القوة التي من المحتمل أن تشغل هذا الدور.

في السياق، يقول الدكتور إسماعيل طاهر، الباحث المتخصص في الشـأن الأفريقي "أن تركيا تعتبر قوة كبيرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي وحتى العسكري، ومع ذلك لا يمكن مقارنة وجودها في تشاد مع الوجود الفرنسي". ويرى إسماعيل أن فرنسا كانت أكثر دراية بجغرافية المنطقة وجيرانها، وحتى السلوك السياسي والعسكري لأبنائها، حيث الوجود العسكري الفرنسي في تشاد كان يغطي كامل الإقليم، من خلال القواعد العسكرية الفرنسية المثبتة في تشاد. لكن مع ذلك يعتقد إسماعيل أن أفضل الأدوار التي يمكن أن تلعبها تركيا في سياق المقاربة الأمنية والعسكرية الجديدة مع تشاد، هو انخراطها في مجال تسليح الجيش التشادي بالمعدات العسكرية، حيث يقول: "أنها بارعة جداً في هذا المجال" فقد اشترت تشاد مؤخراً معدات تركية منها طائرات بدون طيار وذخيرة ومدرعات حربية.

تستعد تركيا أيضاً استخلاف القواعد الفرنسية في تشاد، وكشف موقع  "تي آر هابر" التركي أن السلطات التشادية منحت قاعدة أبشة العسكرية شرق تشاد لأنقرة، في إطار اتفاقية أبرمت بين البلدين منتصف الشهر الماضي، بعد مفاوضات جرت بين الطرفين

وقع البلدان في عام 2022 تعاوناً عسكرياً في المجال البحري، ما أثارت تلك الاتفاقية تساؤلاً بشأن الأبعاد الحقيقية لهذا التقارب، خاصة وأن الاتفاق يتضمن تعاون بحري بين الدولتين في حين أن تشاد تصنف دولة حبيسة، وهو ما قد يفسر إلى عدة دلالات، بعضها يتعلق بمصالح تركيا في غرب أفريقيا، والبعض الآخر يتعلق بليبيا التي تعتبر مركز تواجد رئيسي بالنسبة للمصالح التركية، حيث تسعى أنقرة من بوابة تشاد إلى تأمين مصالحها هناك، ومواصلة التمدد في العمق الأفريقي من أجل اختراقات جديدة.

تستعد تركيا أيضاً استخلاف القواعد الفرنسية في تشاد، وكشف موقع "تي آر هابر" التركي أن السلطات التشادية منحت قاعدة أبشة العسكرية شرق البلاد لأنقرة، في إطار اتفاقية أبرمت بين البلدين، منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد مفاوضات جرت بين السفير التركي لدى تشاد ومسؤولين تشاديين. وتداولت وسائل إعلام بأن تركيا قد ثبتت مسيرات في محيط قاعدة فايا لارجو على الحدود مع ليبيا ضمن مساعيها لاستثمار الفراغ الفرنسي، بهدف تعزيز حضورها العسكري في منطقة الساحل والصحراء.

وبالرغم من التقارب الأمني والعسكري المذهل لأنقرة مع أنجمينا، إلا أن مراقبين للوضع يحذرون من احتمال تقاطع مصالح الدولتين في سياق التطورات الجارية بالمنطقة، لاسيما الحرب في السودان والصراع في ليبيا، حيث لهما مواقف متباينة في التعاطي مع تلك الأحداث، في حين تتعاطف تركيا مع الجيش في السودان وتدعم حكومة طرابلس في ليبيا، تُتهم تشاد بقربها من الدعم السريع، وتعاونها مع حكومة شرق ليبيا من بوابة خليفة حفتر الرجل الأقوى في الشرق والجنوب الليبي.

حضور متزايد في الإقليم

اعتمد الحضور التركي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا في السابق على المقاربات الاقتصادية والدينية، إلا أن التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة دفعت أنقرة إلى البحث عن دور أكثر فاعلية يتجاوز الفرص الاقتصادية والدينية، من خلال أدوار عسكرية وأمنية في منطقة تعاني من اضطرابات وقلاقل متواصلة.

مثلت التحولات العميقة التي شهدتها دول الساحل إبان الانقلابات العسكرية التي نتج عنها تقويض النفوذ الفرنسي والأمريكي- فرصة ثمينة لتركيا لرفع حظوظها في تعميق شراكاتها العسكرية والأمنية مع دول المنطقة، وتعزيز حضورها بديلا يمكن الاعتماد عليه إلى جانب روسيا والصين.

في النيجر مثلاً برزت مؤخراً شركة "سادات" كفاعل قوي في تلك الدولة باعتبارها أحد أدوات النفوذ التركي الخارجي، ويمثل توسع عمليات الشركة في الساحل علامة بارزة على تنامي الدور التركي في المنطقة، بالإضافة لتقديم المساعدات العسكرية للحكومات، وتأمين المقرات الحيوية وتدريب الجيوش، وتتولى "سادات" أيضا دور تأمين المصالح التجارية التركية، مثل: مشاريع التعدين والبنية التحتية، وأيضاً حماية عمليات الشركات التركية في النيجر ومنطقة الساحل.

بالرغم من التقارب الأمني والعسكري المذهل لأنقرة مع أنجمينا، إلا أن مراقبين للوضع يحذرون من احتمال تقاطع مصالح الدولتين في سياق التطورات الجارية بالمنطقة، لاسيما الحرب في السودان والصراع في ليبيا، حيث لهما مواقف متباينة في التعاطي مع تلك الأحداث

وسعت تركيا من تواجدها في دول الساحل من خلال المساعدات الإنسانية والتنمية والتجارة، بينما العنصر الدفاعي بات الأكثر أهمية في الفترة الأخيرة، فتركيا رابع أكبر مورد للأسلحة في أفريقيا، بمبيعات قدرت عام 2023 بنحو 328 مليون دولار، ما يجعل من التحدّي الأمني (الجرائم المنظّمة، التنظيمات المسلحة...) سببا يعزز الاندفاع نحو المنطقة، حيث البيئة خصبة لصفقات الأسلحة، وترويج الصناعة العسكرية التركية. وهذا ما أكده رئيس الوزراء النيجري علي الأمين زين، خلال زيارته لتركيا العام الماضي، "التحدّي الأمني المفروض علينا يتطلب أن تكون لدينا كل الوسائل اللازمة لضمان دفاعنا، ونعلم أنكم قادرون على ضمان ذلك".

قدمت تركيا خلال الثلاث سنوات الماضية، الكثير من المعدات العسكرية، لا سيما الطائرات بدون طيار والمدرعات الحربية، وعمليات التدريب لجيوش دول الساحل، بما فيها النيجر ومالي وبروكنا فاسو وتشاد، وذلك في إطار نشاطها ضد الجماعات المسلحة. وقد سبق لقائد المجلس العسكري في بوركنا فاسو النقيب إبراهيم تراوري، أن أكد دعم الأتراك لبلده، وقال: "إن الدول الأوروبية منعتنا من شراء السلاح، لكن تركيا وروسيا فتحتا أمامنا كل الأبواب".

تطمع تركيا كثيراً في يورانيوم النجير، لتأمين صناعاتها النووية الناشئة، وتعزيز مستوى الطاقة. فالنيجر سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، ومنتج أساسي للذهب بصادرات بلغت 2,7 مليار دولار عام 2021. إضافة إلى امتلاكها احتياطيات مهمّة من الحديد والفوسفات والغاز الطبيعي. كما تسعى أيضاً للاستثمار في مجال التعدين في كل من تشاد ومالي، اللتان يمتلكان احتياطي كبير من الذهب والموارد الطبيعية الأخرى. نمت فرص التجارة التركية مع أفريقيا جنوب الصحراء بشكل ملحوظ، فالصادرات وصلت 7.1 مليار يورو، فيما بلغت الواردات 2.8 مليار يورو عام 2023.

هذا وتنخرط أنقرة في استراتيجية طويلة الأمد لبناء علاقات قوية مع دول الساحل وغرب أفريقيا، تعمل من خلالها على توسيع نطاق نفوذها وحضورها السياسي والاقتصادي والعسكري في الساحل الأفريقي، بعدما عززت وجودها في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي عبر بوابة الصومال، الأمر الذي قد يُعزز من حدة التوترات في المنطقة التي تعد مسرحاً للعديد من القوى الدولية والإقليمية الفاعلة.

وسوم
تشاد سياسة