تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 6 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

هل ستؤدي حرب 15 أبريل الى انفصال جديد في السودان؟

14 أغسطس, 2025
الصورة
هل ستؤدي حرب 15 أبريل الى انفصال جديد في السودان؟
Share

لن تفضي حرب 15 أبريل/نيسان إلى انفصالٍ مُعترفٍ به لدارفور في المدى المنظور، لكنّها تدفع السودان نحو تفككٍ فعلي عبر حكومةٍ موازيةٍ، أعلنها تحالف «تأسيس» بقيادة حميدتي والحلو، وهي خطوةٌ أدانها الاتحاد الأفريقي ودعا إلى عدم الاعتراف بها. جوهر المشهد ليس «استفتاءً» واعترافًا دوليًا كما جرى في الجنوب، بل «حُكمٌ بحكم الواقع» يتغذى على اقتصاد الذهب وشبكات التهريب وسط مجاعةٍ وحصارٍ في الفاشر ومجازر كالتي شهدها معسكر زمزم. في المقابل، يربط «ميثاق نيروبي» الوحدة بـ«العلمانية»، ويمنح جميع شعوب السودان حق تقرير المصير إذا انتُهِكت مبادئه، ما يرفع كلفة رفض الإصلاح الدستوري دون أن يضمن انفصالًا قانونيًا. النتيجة الأقرب: كيان ذو نفوذ محلي واسع داخل دولةٍ اسميةٍ واحدة، لا دارفور مستقلة.

رجح العديد من الصحفيين والباحثين سيناريو قريب من سيناريو جنوب السودان، حيث أدى توقيع اتفاقية نيفاشا التي أنهت الحرب إلى انفصال الجنوب. كما يشير البعض إلى أن أي مسار بعد إعلان حكومة تأسيس يوقف الحرب، يمكن أن يؤول إلى تقسيم السودان.

لفهم هذا التعقيد سنحاول أولا أن نقف على انفصال جنوب السودان، ومن ثم موقع الشخصية المؤثرة في هذا الانفصال، ومقاربة نظرته مع نظرة حميدتي وتركيبة قواته، ومن ثم واقع الحال في دارفور، وهل يمكن أن تنفصل دارفور على قرار جنوب السودان؟ ولماذا انفصال دارفور لن يحدث إلا بإنهيار كلي للدولة بحيث تتفكك إلى دويلات من بينها إقليم دارفور؟

انفصال جنوب السودان

كان انفصال جنوب السودان عام 2011 نتاج تاريخ طويل من الصراعات وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في السودان. فجذور المشكلة تعود إلى الفترة الاستعمارية عندما حكمت بريطانيا السودان، لكنها اتبعت سياسة فصل الجنوب عن الشمال، حيث منعت انتشار الإسلام والعربية في الجنوب، وشجعت البعثات التبشيرية المسيحية. فقد ركزت على تطوير الشمال وأهملت الجنوب، مما زاد من حجم التباين الاقتصادي والاجتماعي.

بعد استقلال السودان عام 1956، بدأت التمردات في الجنوب قبل الاستقلال، ثم تحولت إلى حرب أهلية طويلة بقيادة "حركة أنيانيا" الجنوبية. انتهت الحرب الأولى باتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا محدودًا، لكنها لم تحل المشكلة من جذورها. في عام 1983، ألغى الرئيس جعفر النميري اتفاقية أديس أبابا وطبق قوانين الشريعة الإسلامية، ما أشعل الحرب الأهلية الثانية. ظهرت الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA) بقيادة جون قرنق، لتصبح الممثل الرئيسي للجنوب، مدعومة من دول أفريقية وغربية.

وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية (SPLA) تحت ضغط دولي، وخاصة من الولايات المتحدة والنرويج، اتفاقية نيفاشا عام 2005، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا، لمدة 6 سنوات ومشاركة في الثروة، خاصة النفط، وحق تقرير المصير عبر استفتاء بعد 6 سنوات. في يناير/كانون الثاني 2011، صوت 98.83٪ من الجنوبيين لصالح الانفصال، وأعلن استقلال جنوب السودان في 9 يوليو/تموز 2011، ليصبح أحدث دولة في العالم، معترفًا بها دوليًا، بما في ذلك السودان.

رؤية جون قرنق لجنوب السودان

ظلّ جون قرنق يدفع برؤية «السودان الجديد» (وحدة على أسس مواطنة وعلمانية)، مع قبول حق تقرير المصير؛ حيث عمل على هيكلة الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA)، من مجموعة ميليشيات متفرقة إلى جيش نظامي قادر على مواجهة حكومة الخرطوم، مستفيداً من خبرته العسكرية التي اكتسبها كضابط في الجيش السوداني قبل انشقاقه. طور استراتيجية حرب عصابات مرنة، اعتمدت على السيطرة على المناطق الريفية، وتجنب المواجهات المباشرة مع القوات الحكومية في المدن الكبرى، كما نجح في تأمين دعم إقليمي ودولي عبر تحالفات مع دول مثل: إثيوبيا وأوغندا والولايات المتحدة.

تختلف مطالب دارفور عن مطالب الجنوب، حيث لا توجد حركة موحدة تطالب صراحة بالانفصال، بل تتركز المطالب بشكل أساسي حول الحكم الذاتي الفيدرالي، وتقاسم السلطة والثروة

سياسياً، طرح قرنق رؤية متطورة تجاوزت المطالب التقليدية للحكم الذاتي، حيث بدأ مدافعا عن سودان موحد علماني. لكنه تحول تدريجياً نحو خيار الانفصال، بعد إدراكه استحالة تحقيق المساواة. حيث قاد المفاوضات التي أدت إلى اتفاقية نيفاشا 2005 التي ضمنت حق تقرير المصير، وأخذ الميل العلني يتعزّز إتجاه إلى انفصال بعد وفاته مع قيادة سلفا كير للحركة الشعبية.

أثر جون قرنق على حركات دارفور

لقد ترك جون قرنق تأثيراً واضحاً على حركات دارفور، وإن اختلفت طبيعة هذا التأثير عن دوره في جنوب السودان. أصبح نشاط الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادته نموذجاً يحتذى به، حيث رأت حركات دارفور في الكفاح المسلح وسيلة فعالة للمطالبة بحقوقها. حاول قرنق قبل وفاته توسيع نشاط الحركة ليشمل دارفور، وأجرى اتصالات مع بعض زعمائها، لكن وفاته المفاجئة عام 2005 حال دون اكتمال هذه المحاولة. تبنت بعض جماعات دارفور، مثل حركة العدل والمساواة، خطاباً مشابهاً لخطاب قرنق حول "السودان الجديد" القائم على العدالة والمساواة، لكن مع اختلاف جوهري يتمثل في تركيز حركات دارفور على القضايا الاقتصادية والاضطهاد العرقي أكثر من التركيز على الهوية الدينية والثقافية، كما كان الحال في الجنوب.

كلا الاتفاقيتين ورد فيهما حق تقرير المصير، لكن ذلك في أسمرا كان مرتبطًا بجنوب السودان كقضية جغرافية وقومية، أما في نيروبي فقد وسّع المفهوم ليشمل كل الشعب السوداني، وجعله مشروطًا بعدم الالتزام بالعلمانية أو انتهاك المبادئ فوق الدستورية

بعد انفصال الجنوب، استخدمت حركات دارفور هذه السابقة التاريخية مبررا لمطالبها، لكنها لم تصل إلى مستوى التنظيم العسكري والسياسي الذي حققته الحركة الشعبية. تختلف مطالب دارفور عن مطالب الجنوب، حيث لا توجد حركة موحدة تطالب صراحة بالانفصال، بل تتركز المطالب بشكل أساسي حول الحكم الذاتي الفيدرالي، وتقاسم السلطة والثروة. يعود هذا الاختلاف إلى عدة عوامل، منها الانقسامات الداخلية في دارفور بين القبائل المتنافسة، وعدم وجود دعم دولي لفكرة الانفصال، وإصرار حكومة الخرطوم على اعتبار دارفور جزءاً لا يتجزأ من السودان.

رغم أن بعض الجماعات المسلحة في دارفور رفعت شعارات انفصالية في بعض الأحيان، إلا أنها تفتقر إلى الدعم الشعبي والدولي الكافي لتحقيق هذا الهدف. المجتمع الدولي، الذي دعم انفصال الجنوب، يبدو غير مستعد لتكرار السيناريو نفسه مع دارفور، خشية تفكك السودان كلياً، وتأثير ذلك على الاستقرار الإقليم. لذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار النزاع حول قضايا الحكم الذاتي وتقاسم السلطة والثروة، دون الوصول إلى مرحلة المطالبة بالاستقلال، على الأقل في المدى المنظور.

ما بين أسمرا 1996 ونيروبي 2025

في سياق المقارنة بين اتفاق نيروبي 2025 بين الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وقوات الدعم السريع، واتفاق أسمرا 1996 بين التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، تبرز مجموعة من القواسم المشتركة والاختلافات التي تعكس تطورًا في الخطاب السياسي السوداني، وتبدلًا في طبيعة التحالفات. كلا الاتفاقيتين ورد فيهما حق تقرير المصير، لكن ذلك في أسمرا كان مرتبطًا بجنوب السودان كقضية جغرافية وقومية، أما في نيروبي فقد وسّع المفهوم ليشمل كل الشعب السوداني، وجعله مشروطًا بعدم الالتزام بالعلمانية أو انتهاك المبادئ فوق الدستورية، ما يعكس تحولًا في أدوات الضغط السياسي من الجغرافيا إلى القيم الدستورية.

فضلا عن كون إعلان أسمرا جزء من المفاوضات التمهيدية التي سبقت «اتفاق مشاكوس» للترتيبات الأمنية، التي جاءت برعاية من الإيغاد والاتحاد الأفريقي، ما مهد إلى إتفاق السلام الشامل. في حين أن موقف الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن مختلف الآن، فقد عارض أي خطوة تعمل على التفكيك، وقد جاء ذلك صريحا في نص بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي. كما يرفض أي حكومة موازية، إذ ذكر  البيان التزام الاتحاد الأفريقي بسيادة السودان وسلامة أراضيه ووحدته. وأدان تحركات ما وصفها بـ”القوات شبه العسكرية” – في إشارة إلى قوات الدعم السريع – إضافة إلى التدخلات الخارجية، وما يُسمى بـ”الحكومة الموازية”.

اتفاق أسمرا جاء في سياق دولي داعم لوحدة السودان مع الاعتراف بحق الجنوب في تقرير المصير، وكان جزءًا من جهود إقليمية للسلام، فيما جاء اتفاق نيروبي في ظل حرب بين الجيش والدعم السريع، واعتُبر من قبل الحكومة إعلان عداء، ولم يحظَ بشرعية دولية واضحة.

كما أن طبيعة الأطراف تختلف جذريًا؛ ففي أسمرا كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان حركة ذات مشروع سياسي واضح، أما في نيروبي فالدعم السريع هو قوة شبه عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات، مما يثير جدلًا حول أهليتها السياسية والأخلاقية لقيادة مشروع سلام، خصوصا بعد فرض الولايات المتحدة الأمريكية في (7 يناير/كانون الثاني 2025) على محمد حمدان حميدتي، و تصنيف قوات الدعم السريع و المليشيات المتحالفة معها بإرتكابها لجرائم حرب.

مستقبل دارفور في ظل حرب أبريل

فتحت حرب 15 أبريل/نيسان 2023 الباب أمام احتمالات متعددة لمستقبل دارفور، لكن انفصال الإقليم يبقى سيناريو معقداً وغير مؤكد للأسباب التالية:

أولاً، الوضع الميداني الحالي يشهد تحولات جذرية، فالقتال المستعر بين الجيش والدعم السريع خلق فراغاً أمنياً استغلته حركات دارفور المسلحة القديمة والميلشيات القبلية الجديدة. لكن هذا التفتت لا يعني بالضرورة رغبة موحدة في الانفصال، فالحركات المسلحة الرئيسية مثل حركة تحرير السودان لا تزال منقسمة بين فصائل تريد الحكم الذاتي وأخرى مختلف مع الخرطوم.

اتفاق أسمرا جاء في سياق دولي داعم لوحدة السودان مع الاعتراف بحق الجنوب في تقرير المصير، وكان جزءًا من جهود إقليمية للسلام، فيما جاء اتفاق نيروبي في ظل حرب بين الجيش والدعم السريع، ولم يحظَ بشرعية دولية واضحة

ثانياً، العوامل المعيقة للانفصال تبقى قوية. لأن المجتمع الدولي يرفض علناً أي تقسيم جديد للسودان بعد تجربة الجنوب، كما أن القوى الإقليمية مثل مصر وإثيوبيا تشعر بقلق بالغ من تأثير ذلك على استقرار المنطقة. اقتصادياً، دارفور تفتقر للموارد التي جعلت انفصال الجنوب ممكناً (خاصة النفط)، كما أن بنيتها القبلية المعقدة تجعل أي كيان انفصالي غير مستقر بطبيعته.

ثالثاً، الديناميكيات الجديدة للحرب تخلق معادلات مختلفة. تصاعد النزاع العرقي بين العرب وغير العرب في دارفور، قد يدفع نحو مزيد من التقسيمات الداخلية أكثر من الوحدة المطلوبة للانفصال. بعض التحليلات تشير إلى أن قوات الدعم السريع تحاول إنشاء مناطق نفوذ لها في دارفور قد تتحول إلى كيانات شبه مستقلة، لكنها ستظل مرتبطة بشكل ما بالخرطوم.

رابعا، التحالفات التي بنت مسار إعلان نيروبي  متعددة وهشة، مما يجعل الاتفاق عرضة للتفكك، حيث  شمل أكثر من 23 جهة، بينها حركات مسلحة وأحزاب مدنية، في محاولة لتشكيل جبهة سياسية بديلة، بينما في اتفاقية مثل أسمرا مثلا كان التجمع الوطني الديمقراطي مظلة لتحالفات معارضة تقليدية.

خامسا، مضمون الدولة المقترحة أيضًا يختلف عن بقية الاتفاقيات؛ فبينما لم يتحدث اتفاق أسمرا عن علمانية الدولة بشكل مباشر، فإن ميثاق نيروبي نص صراحة على تأسيس دولة علمانية لا مركزية، واعتبر العلمانية شرطًا لبقاء الوحدة، مما يعكس تطورًا في الخطاب السياسي للحركة الشعبية شمال.

إن تقرير المصير لم يعد مجرد مطلب جغرافي بل أصبح أداة تفاوضية مشروطة بالقيم الدستورية، والحركة الشعبية شمال أعادت إنتاج خطاب قرنق، ولكن في سياق مختلف، حيث لم تعد القضية جنوبية بل أصبحت متعددة الهويات والمناطق. أما الدعم السريع، فيسعى لتوظيف هذا الخطاب لتأسيس شرعية سياسية في مواجهة الجيش، مما يفتح الباب أمام تحالفات غير تقليدية، لكنها محفوفة بالمخاطر الأخلاقية والسياسية، وقد تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها.

لأن دقلو ليس جون قرنق

محمد حمدان دقلو "حميدتي" يختلف جذرياً عن جون قرنق في المسار والأهداف، مما يجعل احتمال قيامه بدور مشابه لانفصال الجنوب ضعيفاً للغاية. قرنق قاد حركة مدعومة شعبياً ودولياً، بينما ينتمي حميدتي إلى الميليشيات التي قمعت دارفور، ويفتقر إلى الشرعية الثورية أو القاعدة الشعبية الواسعة.

السياق التاريخي يختلف تماماً أيضاً. فخطاب جنوب السودان ارتكز على هوية ثقافية ودينية، مع إجماع شبه كامل على حق تقرير المصير، بينما دارفور تعاني من انقسامات عرقية وسياسية عميقة دون توافق حول الانفصال. كما أن العوامل الخارجية تعاكس أي انفصال محتمل، فالمجتمع الدولي يعارض بوضوح تقسيم السودان مرة أخرى، ودول الجوار مثل تشاد ومصر ستعارض أي تغيير في الحدود.

من الناحية العملية، يفتقر تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة الحلو إلى المقومات التي جعلت انفصال الجنوب ممكناً. فدارفور تخلو من الموارد الاقتصادية الكافية مثل النفط، وقوات الدعم السريع تبقى ميليشيا مسلحة دون بنية سياسية أو إدارية قادرة على إدارة دولة. الأكثر ترجيحاً أن يسعى لإنشاء منطقة نفوذ شبه مستقلة داخل السودان، مع الحفاظ على ارتباط شكلي بالخرطوم، خاصة أن حلفاءه الإقليميين لن يدعموا خطوة انفصالية صريحة.

باختصار، من الصعب جدا أن نواجه سيناريو انفصال دارفور، بسبب التكلفة الاقتصادية لهذه الخطوة، فقد شجعت عائدات النفط النخبة في جنوب السودان على ت الانحياز نحو الانفصال، و الحصول على استقلالهم بعيدا عن الحكومة المركزية،في الخرطوم حيث فقد السودان 75٪ من احتياطياته النفطية لصالح جنوب السودان.

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تحول دارفور إلى كيان هجين: حكم ذاتي موسع بحكم الواقع تحت سيطرة قوى محلية مسلحة، مع استمرار الاعتراف القانوني بتبعيتها للسودان. أي محاولة لإعلان الانفصال ستواجه معارضة شديدة من القوى الدولية والإقليمية، ونفوراً حتى من بعض فصائل دارفور نفسها التي تفضل الحل الفيدرالي. الحرب قد تكون نقطة تحول في وضع دارفور، لكنها على الأرجح لن تكون البوابة لانفصالها الكامل.