تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

هل ستصبح القاعدة الروسية على ساحل السودان واقعًا؟

26 أغسطس, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

في عام 2017، التقى الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي، عقب إخفاق محاولته إقناع الإدارة الأميركية برفع العقوبات عن السودان بالكامل. جاء اللقاء في ذروة اندفاع روسيا إلى مناطق عدّة، من بينها سوريا، حيث كرّست موسكو نفسها داعمًا رئيسيًا لحكومة بشار الأسد المُنهَكة.

لم تكن سوريا الهدف الوحيد للكرملين؛ فخلال الفترة نفسها تقريبًا بدأت روسيا تدخلها في جمهورية أفريقيا الوسطى (CAR)، في ما شكّل تضخمًا غير مسبوق في النفوذ الروسي على الساحة الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. من جانبه، طلب البشير صراحة توسيع العلاقات مع روسيا بصورة تمكّن بلاده من تحمّل الضغوط الخارجية والداخلية على حدّ سواء. من هنا وُلدت فكرة إقامة قاعدة عسكرية روسية في شرق السودان على ساحل البحر الأحمر. في فبراير/شباط من هذا العام، أعلن وزير الخارجية السوداني علي يوسف من موسكو أنّ روسيا والسودان اتفقا على جميع المسائل المتعلقة بالقاعدة الروسية المزمع إنشاؤها على الساحل السوداني. ظاهريًا، لا يوحي التصريح بأي نية سودانية للتأجيل أو التراجع عن مسار بناء القاعدة، لكنه، على مستوى أعمق، خلا من تأكيد قاطع على عزم الخرطوم المضي قدمًا في ذلك.

تعود صلات البلدين إلى القرن التاسع عشر، قبل قيام الجمهورية السودانية، حين ساعدت بعثة من روسيا القيصرية في إنشاء مصنع لمعالجة الذهب خلال حكم محمد علي باشا. وبعد الاستقلال ظلّت العلاقات عمومًا مستقرة، قبل أن يعززها مطلع الستينيات وصول الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف إلى الخرطوم، في زيارة دعّمت التعاون في مجالات التعليم والبنية التحتية والشؤون العسكرية، بعد أشهر قليلة من زيارة إبراهيم عبود، الحاكم العسكري للسودان حينها، إلى موسكو. شكّل استيلاء العقيد جعفر نميري على السلطة، بدعم من تيارات يسارية، نقطة تحوّل. تلاه في العام نفسه انقلاب معمر القذافي في ليبيا، ثم سياد برّي في الصومال. وباستثناء إثيوبيا، كانت جيوش ذات نزعة يسارية قد أمسكت بالحكم في كل بلدان القرن الأفريقي الممتد من المتوسط على طول البحر الأحمر حتى المحيط الهندي. دعم الاتحاد السوفييتي النظام الجديد بقوة، رغم العلاقة المتوترة بين نميري والشيوعيين السودانيين، إذ توعّد بـ«سحق وتدمير» الحزب. وعلّقت مجلة «تايم» في حينها بالقول: "وجد رجال السلطة في السودان أنّ الشيوعيين الأجانب أسهل بكثير في التعامل من نظرائهم المحليين". وقد ساعد خبراء روس وشرقيون ألمان في تأسيس جهاز الأمن الداخلي، وتحديث القوات المسلحة بأسلحة سوفياتية، وقيل إنهم شاركوا في تصفية خصم نميري الأبرز آنذاك، الإمام الهادي المهدي، في جزيرة أبا بوسط السودان. وامتد الدعم السوفييتي إلى القتال إلى جانب الجيش ضد متمردي الجنوب، مع إرسال نحو مئة مستشار.

مع أن التحالف بين روسيا وحفتر متين نسبيًا، فمن غير المرجّح أن يصل إلى حد السماح لموسكو ببناء قاعدة دائمة على الساحل الليبي المواجه لأوروبا ودول الناتو

لكن هذه العلاقة الاستثنائية لم تدم طويلًا. فبعد محاولة انقلاب شيوعي منتصف عام 1971، مال نميري إلى الولايات المتحدة حليفًا رئيسيًا، مهمّشًا السوفيات الذين غدوا لاحقًا خصومًا إقليميين للخرطوم. يومها عنونت «نيويورك تايمز»: «السودان يتجه إلى الأصدقاء». وفي ما بعد استقرت العلاقات مع موسكو، وسعى نميري إلى تحسينها في الثمانينيات. غير أنّ غورباتشوف نظر إلى علاقات بلاده الأفريقية باعتبارها غير مجدية، واستمر هذا المزاج في عهد يلتسين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

في عهد الرئيس السابق عمر البشير عاد الدفء إلى العلاقات، خصوصًا بعد تولي بوتين السلطة، إذ توافق الطرفان في ملفات إقليمية عدّة، وتقاسما موقفًا مناوئًا للنفوذ الأميركي. وعقب اندلاع الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية التي تلت 2014، انتهجت موسكو استراتيجية للتوسع في أفريقيا. تقدّمت على حساب مناطق النفوذ الفرنسية السابقة، مثل: مالي وأفريقيا الوسطى، في محاولة لمقارعة الهيمنة الغربية. وكان الوصول إلى ثروات القارة المعدنية دافعًا آخر؛ ففي أفريقيا الوسطى تسيطر قوات «فاغنر» - التي باتت تُعرف اليوم بـ«فيلق أفريقيا» - على مناجم للذهب والماس.

واستقبلت موجة الانقلابات في الساحل - ابتداءً من مالي ثم بوركينا فاسو فالنيجر - النفوذ الروسي بترحيب، فيما قوبلت فرنسا باتهامات واسعة بتحمّل مسؤولية عدم الاستقرار في الإقليم. دعمت روسيا الأنظمة الجديدة، وضاعفت استثماراتها في الطاقة والتعدين والأمن، وتولّى «فيلق أفريقيا» إدارة عمليات مكافحة التمرد. ورغم الترحيب المحلي في أماكن كثيرة، برزت أيضًا مخاوف من انتهاكات لحقوق الإنسان.

ملامح القاعدة وخيارات موسكو: البحر الأحمر، ليبيا وسوريا

تؤكد موسكو أنّ القاعدة البحرية المقترحة ليست موجهة ضد أي طرف ثالث، لكنها تبقى القوة العالمية الكبرى الوحيدة التي لا حضور عسكريًا لها على البحر الأحمر، حيث تمتلك الصين والولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى قواعد في جيبوتي.

ومن المخطط أن تكون القاعدة في السودان محطة لوجستية صغيرة قوامها نحو 300 عنصر، يُعهد إليها بمهام التزوّد بالوقود والصيانة لعدد محدود من السفن الصغيرة والمتوسطة. وستمنح روسيا منفذًا عسكريًا استراتيجيًا على البحر الأحمر - الذي يمر عبره ما بين 11 و15٪ من التجارة الدولية - وتُحسّن عملياتها في الساحل، فضلًا عن أنشطة «فيلق أفريقيا» العسكرية والتجارية.

عاد النقاش حول القاعدة إلى الواجهة في 2019 عقب الانتفاضة السودانية والإطاحة بالرئيس البشير. وقد عارضت قوى الحرية والتغيير (FFC)، ذات التوجه الأقرب إلى الغرب، المشروع، فيما أبقى القادة العسكريون الباب مواربًا. وتُطرح ليبيا أيضًا موقعًا محتملًا لقاعدة روسية، نظرًا لتنسيق موسكو مع خليفة حفتر الذي حارب الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس. وتشير تقارير إلى أنّ روسيا بدأت بالفعل باستخدام قاعدة الخادم الجوية، على بعد نحو 100 كلم شرق بنغازي. وقالت لو أوزبورن من مجموعة «أول آيز أون فاغنر» لإذاعة فرنسا الدولية: "شهدنا ما يشبه باليهًا لوجستيًا لطائرات روسية باتجاه ليبيا". وقد قدّم مرتزقة «فاغنر» الدعم لحفتر منذ 2018 في حملته ضد المليشيات الإسلامية والقوات المتمركزة في طرابلس.

تؤكد موسكو أنّ القاعدة البحرية المقترحة ليست موجهة ضد أي طرف ثالث، لكنها تبقى القوة العالمية الكبرى الوحيدة التي لا حضور عسكريًا لها على البحر الأحمر

ومع أن التحالف بين روسيا وحفتر متين نسبيًا، فمن غير المرجّح أن يصل إلى حد السماح لموسكو ببناء قاعدة دائمة على الساحل الليبي المواجه لأوروبا ودول الناتو. فالقارة الأوروبية - وفرنسا خصوصًا - تتواصل مع روسيا في الملف الليبي، لكنها لن ترحّب بوجود قاعدة روسية ثابتة على المتوسط «على مسافة ساعتين إبحارًا فقط».

يهدّد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا قواعد روسيا البحرية في طرطوس وحميميم - وهما ركنا حضورها العسكري الخارجي. وقد سعت موسكو إلى استرضاء السلطات الجديدة في دمشق التي أبدت بدورها رغبة في استمرار العلاقات. وحتى الآن يعلن الطرفان عزمهما مراجعة الاتفاقات الموقعة مع الحكومة السابقة. وإذا اضطرت روسيا إلى إخلاء تلك القواعد، فسوف تبحث عن بدائل عاجلة، ما يضاعف الجاذبية الاستراتيجية لساحل البحر الأحمر السوداني.

الخرطوم بين الحاجة والضغوط

على الضفة الأخرى، يحتاج السودان اليوم إلى حليف قوي على وجه السرعة، ولا سيما بعد تمرد قوات الدعم السريع (RSF) ووهن مؤسسات الدولة. كما يحتاج إلى مزوّد موثوق للسلاح كي يحافظ على تفوّقه على قوات الدعم السريع ويدعّمه. تعلن روسيا دعمها العلني لحكومة السودان ومعارضتها تمرد الدعم السريع. وقد زار نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الخرطوم العام الماضي متعهدًا "دعمًا بلا سقف" لجيشها. غير أن حلفاء موسكو في أفريقيا - حفتر وأفريقيا الوسطى - يحافظون على صلات قوية بالدعم السريع. ففي ليبيا قاتل عناصر من هذه القوات إلى جانب حفتر، بما في ذلك خلال هجوم طرابلس عام 2019. وتفيد تقارير بأن عناصر من «الجيش الوطني الليبي» (LNA) يساعدون الدعم السريع في السودان، خصوصًا في تشغيل العربات المدرعة والدبابات، كما كُشف عن قاعدة للدعم السريع في جنوب شرق ليبيا.

وتتشابك علاقات موسكو مع الفاعلين الأفارقة بطرائق غير مألوفة تتجاوز مركزية الكرملين. ففي أفريقيا الوسطى، يحتفظ الدعم السريع بعلاقة عمل مع حكومة بانغي، مستخدمًا أراضيها ممرًا للإمداد، وتجاوزًا لتشاد التي تعارض أطراف في حكومتها تقديم دعم للدعم السريع. وعلى الرغم من الاتفاقات الثنائية، أصبح السودان أيضًا ملاذًا لمرتزقة من أفريقيا الوسطى من الموالين للحكومة والمعارضة على حد سواء.

تعطي القيادة السودانية الحالية أولوية قصوى لعلاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، كما يظهر من سياستها الخارجية منذ سقوط البشير. وإذا وقفت واشنطن أو حلفاؤها بقوة ضد القاعدة الروسية، فقد يُعطّل ذلك المخططات، إذ ترى الولايات المتحدة التمدد الروسي في أفريقيا والشرق الأوسط تهديدًا.

تتشابك علاقات موسكو مع الفاعلين الأفارقة بطرائق غير مألوفة تتجاوز مركزية الكرملين. ففي أفريقيا الوسطى، يحتفظ الدعم السريع بعلاقة عمل مع حكومة بانغي، مستخدمًا أراضيها ممرًا للإمداد

ومع ذلك، قد لا يُبدي الرئيس ترامب - الذي يُتَّهم كثيرًا بعدم الاهتمام بأفريقيا - قلقًا كبيرًا. فانسجامه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي عززته اختراقات أخيرة في ألاسكا بشأن أوكرانيا، قد يقلّل من أهمية إنشاء قاعدة روسية محتملة في السودان.

بالنسبة لروسيا، ستُحسّن القاعدة التنسيق اللوجستي عبر أفريقيا، وترفع كفاءة عمليات «فيلق أفريقيا». أمّا السودان فسيحصل على نفاذ أفضل إلى السلاح الروسي، بما يعزّز موقفه في مواجهة الدعم السريع. وقد يفتح تحسين تبادل المعلومات مع الرباعي الجديد من الأنظمة العسكرية في الساحل - المتحالف مع موسكو - فرصًا لإعاقة التجنيد في صفوف الدعم السريع، وتشديد الخناق المالي والاقتصادي عليه. ومع ذلك، لطالما اتُّهمت روسيا في الماضي بـ«اللعب على الحبلين» في حرب السودان الأهلية.

لا تزال الخرطوم تخشى أن تمارس موسكو لعبة مزدوجة، فتُبقي على قنوات مع الدعم السريع رغم إعلانها دعم الحكومة المركزية. وتغذّي هذه المخاوف علاقات روسيا الجيدة مع الإمارات وحفتر - وهما متّهمان بمساندة الدعم السريع.

تحد الهشاشة الذاتية من قدرة موسكو على دعم السودان والتي فاقمتها حرب أوكرانيا. ويرى بعض المحللين أنّ روسيا تتبع استراتيجية "صديق للجميع، حليف لا أحد"، مع بيلاروسيا بوصفها شريكها الموثوق الوحيد. كما أن براغماتيتها قصيرة الأمد، مقترنة بعقوبات ما بعد 2014، تقوّض صدقيتها كحليف ثابت. مع ذلك، تعرض روسيا نفسها شريكًا جديرًا بالثقة يحترم السيادة - خلافًا لفرنسا المتهمة كثيرًا بالاستغلال في أفريقيا، والولايات المتحدة التي تُرى مهيمنة في الشرق الأوسط ومتدخلة.

خلاصة الأمر أنّ بناء القاعدة لن يكون مهمة يسيرة لأي من الطرفين. وتحديد شروط التعاون وإرساء إطار مستقر ينبغي أن يتقدّما على غيرهما. ومع ذلك، قد تفرض التحديات التي يواجهها الجانبان تعاونًا جديًا يتجاوز القاعدة نفسها، ليشمل التنسيق في مجلس الأمن ومسارات أوسع من التفاهم الاستراتيجي رفيع المستوى.