السبت 7 فبراير 2026
تجدد الجدل بشأن تثبت الحضور في أفريقيا بين الولايات المتحدة والصين، فالأرقام لا تروي دائما القصة الكاملة، وإن كانت بدورها تؤكد عودة واشنطن إلى تصدر قائمة الاستثمارات في القارة، فيما يمكن عده تجسيدا عمليا لشعار "أمريكا أولا".
حافظت بكين على مركز الصدارة منذ عام 2012، قبل أن تتراجع إلى المركز الثاني في عام 2023، وفقا لبيانات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)، بعد نجاح الولايات المتحدة في تجاوزها بهدوء، عقب استثمار 7٫8 مليارات دولار في أفريقيا، ما يمثل تقريبا ضعف ما استثمرته الصين.
تسائل هذه الأرقام مقولة طالما ترددت في أوساط الخبراء والمراقبين عن انسحاب الولايات المتحدة من أفريقيا، وتعزز موقف أنصار هذا القول أكثر بعد صدور استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025، إذ لم تحظ القارة سوى بنصف صفحة من التقرير مقارنة مع ما تسميه الوثيقة النصف الغربي من الكرة الأرضية وآسيا والمحيط الهادئ.
لكن هل فعلا إدارة ترامب الثانية صرفت وجهها عن أفريقيا؟ وأي تفسير للحضور المستمر لمسعد بولس؛ مستشار الرئيس الأمريكي، في عدد من جبهات الصراع المشتعلة بالقارة؛ في شرق الكونغو وفي الملف الليبي وقضية الصحراء الغربية...؟ فضلا عن حضور أفريقيا الدائم في أحاديث ترامب من جنوب أفريقيا إلى نيجيريا مرورا بالسودان.
كشفت الإدارة الأمريكية يوم 5 ديسمبر/ كانون الأول الجاري عن استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، حيث رسمت واشنطن رؤيتها الجديدة للعالم، فهذه أول وثيقة أمريكية منذ أربعة عقود تعيد ضبط موقع الولايات المتحدة ومصالحها بشكل صريح ومباشر في العالم، حتى إن خبراء وصفوا الوثيقة بالإعلان المعبر عن قناعة أمريكية عن أفول العولمة بصيغتها القديمة التي لم تعد في خدمة الاقتصاد الأمريكي.
لم يعد للعولمة مكان في هذه الاستراتيجية، والتي وصفتها ب"المفهوم الأجوف" الذي تم تصميمه لخدمة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وليس لمصلحة الدول والشعوب، ما يفرض إعادة النظر بتقديم المصالح الوطنية على أي اعتبار آخر؛ أي الانتصار للمنطق القومي الصرف.
أول وثيقة أمريكية منذ أربعة عقود تعيد ضبط موقع الولايات المتحدة ومصالحها بشكل صريح ومباشر في العالم، حتى إن خبراء وصفوا الوثيقة بالإعلان المعبر عن قناعة أمريكية عن أفول العولمة بصيغتها القديمة التي لم تعد في خدمة الاقتصاد الأمريكي
تعد الوثيقة مرجعا لفهم الكثير من التفاصيل في السياسية الأمريكية، فهي أقرب ما تكون لنسخة حديثة من "مبدأ مونرو"، لكن بصيغة اقتصادية تجارية واضحة هذه المرة، فترامب لا يتوانى في ترديد شعار "الاقتصاد أولا" الذي يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن "القوة الأمريكية تبدأ من الداخل"، لكن برؤية اقتصادية وليس سياسية.
تعلن الوثيقة عن انقلاب جذري في مركزية المناطق لدى واشنطن، فمنظورها للشرق الأوسط اليوم غير ما كان عليه الحال قبل بضعة عقود خلت، بعد اقتراب الولايات المتحدة من تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط، بإنتاج نحو 13 مليون برميل يوميا. ما يخرج المنطقة من دائرة اهتمام واشنطن، فهي بحسب الوثيقة "منطقة شراكة لا منطقة التزام عسكري طويل الأمد".
تدشن الولايات المتحدة بهذه الوثيقة، وبشكل "رسمي"، عصر ما بعد العولمة، بإرساء استراتيجية للأمن القومي على أسس اقتصادية عوضا عن السياسية؛ فالأولوية وفق مضمون الوثيقة تكون للاقتصاد الوطني على حساب المصالح الخارجية، فانخراط أمريكا خارجيا بالدفاع والحماية وغيرها من أدوات التدخل الأمريكي يبقى مرهونا بعوائد ذلك على الداخل الأمريكي.
يضع ترامب بهذه الاستراتيجية، وبعيون رجل الأعمال، حدا لمرحلة الدعم الأمريكي المفتوح، بمراجعة الالتزامات التقليدية لواشنطن بأكثر من جهة في العالم، فأمريكا تخلت عن وظيفة "دركي العالم" التي رافقت العولمة، لصالح التزامات تدار بمرونة وبأقل تكلفة ممكنة. فلم تعد أمريكا تقبل في تحالفاتها غير من يستطيع تقديم قيمة اقتصادية حقيقة، فمعيار المنافع الاقتصادية أولى من ضابط القيم والمبادئ السياسية في البيت الأبيض اليوم.
يمكن أن نفهم جيدا الأرقام الواردة في مطلع المقالة، ونفهم أيضا مبررات عودة الولايات المتحدة إلى أفريقيا بمنطق التجارة وليس الصدقة، فسعي إدارة ترامب نحو استعادة القوة الأمريكية والحفاظ على هيمنتها يمر حتما عبر أفريقيا
واضح أن السياسية الخارجية الأمريكية بعد هذه الوثيقة باتت تابعة للاقتصاد، فالبوصلة التي تضبط إيقاع الدبلوماسية الأمريكية هي الصفقات التي يعود ريعها سريعًا على الخزينة الأميركية المرهقة بالعجز والدين الداخلي. هكذا تؤسس سياسية "مجهود أقل وعائد أكبر" لتحول تاريخي من شأنه أن يعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي خلال العقد القادم في العالم، ما يؤكد إصرار الإدارة الأمريكية على ربط الأمن القومي الأمريكي بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي، من خلال ضمان الهيمنة في مجال الطاقة وحماية سلاسل التوريد الحيوية، وتقليل الاعتماد على الخصوم في مجال التكنولوجيا الحساسة.
تعترف الولايات المتحدة صراحة بتخليها عن الأهداف الفضفاضة من قبيل "نشر الديمقراطية" التي حكمت السياسة الأمريكية عقودا من الزمن، من خلال المحاولات الفاشلة لتغيير النظم السياسية من الخارج، معتبرا أن مفتاح العلاقة الناجحة هو قبول المنطقة وقادتها وشعوبها كما هي مع التركيز على المصالح المشتركة.
انتهى زمن الحلفاء والاصطفاف الإيديولوجي لصالح معيار الشراكة والقدرة على تقديم منافع مباشرة لواشنطن، ما يجعل أمريكيا صديقة للجميع وبلا أصدقاء في نفس الوقت. وهذا ما تبيّن في السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، حيث تظهر نزعة انتقائية واضحة في التعامل مع القضايا والأجندات في ربوع القارة.
خلافا لوثيقة الأمن القومي الأمريكي تحضر أفريقيا بقوة في أحاديث دونالد ترامب، فصنف من دول القارة الأفريقية بات مادة دسمة يمتح الرئيس الأمريكي من معينها في كل خطبه الشعبوية، فهي ذاك الحائط القصير التي أتقن رياضة القفز عليه متى احتاج إلى عنتريات كلامية أو إثارة الحدث في وسائل الإعلام.
ألم يحول ترامب جنوب أفريقيا؛ الشريك التقليدي وحليف واشنطن الأكبر في النصف الجنوبي من القارة، إلى "عدو" بسبب مزاعم تعامل عنصري مع مواطنين بيض، وتفاقم الأمر ليصبح أزمة دبلوماسية بين البلدين، وامتدت تداعياته لتشكل سابقة في التاريخ تمثلت في مقاطعة إدارة ترامب لأشغال قمة العشرين في جنوب أفريقيا.
لم تعد أمريكا تقبل في تحالفاتها غير من يستطيع تقديم قيمة اقتصادية حقيقة، فمعيار المنافع الاقتصادية أولى من ضابط القيم والمبادئ السياسية في البيت الأبيض اليوم
تشغل الصومال بدورها حيزا من كلام ترامب، لا سيما الجالية الصومالية في الولايات المتحدة التي تتعرض باستمرار لعنصرية مقيتة وعنف لفظي من الرئيس، فلم يتردد الشهر الماضي عن وصف المهاجرين الصوماليين في مينيسوتا ب "العصابات الصومالية" التي تقوم بترهيب الولاية من دون تقديم أدلة، كل ذلك في سياق سجاله مع النائبة بالكونغرس إلهان عمر.
من دون سابق إندار دخلت نيجيريا في دائرة أهداف ترامب، فقد استيقظ العالم فجأة على تلويح الرجل بإمكانية تنفيذ "هجمات" داخل نيجريات ردا على ما اعتبره "فظائعا ضد المسيحيين" معلنا أنه وجه وزارة الحرب إلى الاستعداد لعمل محتمل، مهددا بقطع المساعدات الأمريكية متى "ظلت الحكومة النيجيرية متسامحة مع قتل المسيحيين".
تحظى دول أخرى في المقابل بعناية خاصة من قبل ترامب، فحرص إدارته الشديد على ضمان الأمن والاستقرار فيها، على غرار مساعيه إلى إنهاء الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية، بل وحتى اتهام أطرافا على حساب أطراف أخرى بتهديد الاتفاق، ما يؤكد أن اهتمام واشنطن بشؤون دول أفريقية مادامت هناك مصالح اقتصادية أمريكية. أكثر من ذلك واشنطن على استعداد للتحرك وحتى التدخل من أجل ضمان استدامة مصالحها. يتكرر الأمر ذاته في شمال أفريقيا بين الفرقاء الليبيين وبين المغرب والجزائر، حتى قيل حيثما وجد مسعد بولس وجدت المصالح الاقتصادية الأمريكية.
يظهر إذن أن شعار أمريكا أولا مجرد محاولة لتدارك انهيار "الإمبراطورية الأمريكية" بالسعي إلى إصلاح "القلعة القومية" ما يجعل أفريقيا، وتحديدا دولا بعينها في مرمى الاهتمام الأمريكي، فترميم البيت الذاتي لوقف الانهيار يحتاج إلى اقتصاد قوامه الثروة المعدنية الحيوية في بواطن القارة الأفريقية.
لكل ذلك يمكن أن نفهم جيدا الأرقام الواردة في مطلع المقالة، ونفهم أيضا مبررات عودة الولايات المتحدة إلى أفريقيا بمنطق التجارة وليس الصدقة، فسعي إدارة ترامب نحو استعادة القوة الأمريكية والحفاظ على هيمنتها يمر حتما عبر أفريقيا.