تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

هل قطف العسكر ثمار ثورة "جيل زد" في مدغشقر؟

20 أكتوبر, 2025
الصورة
هل قطف العسكر ثمار ثورة جيل زد في مدغشقر؟
Share

جرت مراسيم تعيين العقيد مايكل راندريانيرينا، يوم الجمعية 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في المحكمة الدستورية العليا بالعاصمة أنتاناناريفو، رئيسا انتقاليا لمدغشقر، وأدى اليمين الدستورية بعد الإعلان عن تخلى الرئيس السابق أندريه راجولينا عن الحكم. ساهم تدخل المحكمة الدستورية العليا في تطويق الأزمة السياسية عقب مغادرة الرئيس للبلد، وفشله في إنهاء الاحتجاجات الشبابية. وقد شكل ذلك فرصة مثالية لأطراف عسكرية داخلية لغلق الحساب مع النظام، فاستثمرت دعم المحتجين مطلقة فترة انتقالية، كفلت لها الاستحواذ على السلطة.

الجيل زد، شرارة البداية

انطلقت تظاهرات مجموعات شبابية تحمل اسم "جيل زد مدغشقر"، يوم 25 سبتمبر/أيلول الماضي، استجابة لنداءات في وسائل التواصل الاجتماعي، توجت بالخروج احتجاجا على الانقطاع المتكرر للمياه والكهرباء، وتطورت إلى انتفاضة ضد الفساد وسوء الإدارة، في بلاد يصنف أكثر من 80٪ من ساكنته تحت خط الفقر، البالغ عددهم حوالي 30 مليون نسمة، وتصنف هي ضمن الدول الأربعين الأكثر فسادا في العالم. وتصاعدت للمطالبة بتنحي الرئيس، وإسقاط النظام الملغاشي، بعد فشله في الوفاء بالتزاماته بإصلاح الأوضاع الاجتماعية، التي كان وعوده منذ الولاية الرئاسية الأولى، واعتبرت هذه التحركات استمرارا لعدوى الانتفاضات الشبابية للجيل زد المماثلة في دول أخرى والممتدة عالميا.

وصل قطار الاحتجاجات إلى مدغشقر مفاجئا حكامها، فبعد أسابيع من التظاهر والانفجار الشبابي، اضطر النظام في البداية إلي استخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وحظر التجوال، ثم استخدام القوة المفرطة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصا، وإصابة المئات من المتظاهرين بجروح وفق المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. أضحت تلك التحركات تحديا حقيقيا للنظام، بعد ولايته الجديدة التي بدأت قبل سنتين، فحاول الرئيس تقديم برنامج إصلاحي، استهله بإقالة عدد من المسؤولين وحل الحكومة، دون أن يفضي ذلك لتهدئة الشارع المشتعل.

أعادت هذه الاحتجاجات الشبابية تعقيد المشهد السياسي، وأظهرت هشاشة النظام السياسي الذي كانت ثلاثة أسابيع كافية لإنهائه بفرار الرئيس، وللمفارقة أن نهايته تبدو إعادة لسيناريو وصوله للسلطة بعد احتجاجات وانقلاب عسكري

لم يترك استمرار هذا الحراك للنظام أية فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، كما لم تسعفه قراراته المرتجلة للتهدئة، وفشلت رسائل الطمأنة الرئاسية للمحتجين باستكمال مسيرته الإصلاحية، فتوسعت الاحتجاجات إلى خارج العاصمة رافعة شعار جديدا يطالب باستقالته، فغادر العاصمة إلى وجهة غير معلومة، وبث فيما بعد خطابا مسجلا عبر الفايسبوك، أكد فيه بأنه غادر إلى مكان آمن خوفا على حياته، معتبرا هذه الأحداث تشكل "انقلابا".

تحاكي الحركة الشبابية الملغاشية حركات أخرى تفجرت بدء من كينيا والنيبال وإندونيسيا وبنغلاديش وغيرها، وإن كانت هذه الحركات لا تشترك في نفس الأسباب، لكنها تتمتع بخصائص متشابهة؛ فمطالبها اجتماعية غير سياسية، وتستثمر منصات التواصل الاجتماعي منبرا للتواصل والحشد. غير أن ذلك لا يعني بأن مدغشقر كانت بمنأى عن الاحتجاجات الشعبية، فبعد استقلالها شهدت احتجاجا للحركة طلابية في مايو/أيار 1972، وانتهت بسقوط النظام، وتجددت الأزمة السياسية والاستقطاب الشعبي في سنوات 1991 و2002 و2009، دون أن تساهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية، والتي شكلت يافطة للاحتجاجات الأخيرة.

مهما يكن من أمر، فقد أعادت هذه الاحتجاجات الشبابية تعقيد المشهد السياسي، وأظهرت هشاشة النظام السياسي الذي كانت ثلاثة أسابيع كافية لإنهائه بفرار الرئيس، وللمفارقة أن نهايته تبدو إعادة لسيناريو وصوله للسلطة بعد احتجاجات وانقلاب عسكري. ومن الواضح أن دعم قوات النخبة للمتظاهرين كان مؤشرا على نهايته الوشيكة، فبخسارته لدعمها تأكدت ملامح نهايته القريبة، وأكدها بمغادرته للبلاد.

وحدة كابسات، صانعة الرؤساء

كانت مشاركة الوحدة إلى جانب الاحتجاجات مؤشرا على استعدادها لإنهاء حكم الرئيس السابق، وهو ذات التحذير الذي أطلقه قبل مغادرته للبلد، فانحيازها للمتظاهرين أرفق مباشرة بقرار قيادة الجيش تعيين قائد جديد، ثم انشقت قوات الدرك والشرطة معجلة بإنهاء حكم الرئيس. وتوالت الأحداث ليعلن قائد الوحدة راندريانيرينا في خطاب عبر الإذاعة الوطنية القرار النهائي بالاستيلاء على السلطة، وحل جميع المؤسسات.

لم يترك استمرار هذا الحراك للنظام أية فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، كما لم تسعفه قراراته المرتجلة للتهدئة، وفشلت رسائل الطمأنة الرئاسية للمحتجين باستكمال مسيرته الإصلاحية، فتوسعت الاحتجاجات إلى خارج العاصمة

تعرف وحدة الكابسات "CAPSAT" اختصارا بأنها فيلق الأفراد والخدمات الإدارية والفنية بالجيش، وتصنف كوحدة للنخبة، ورغم أنها ليست وحدة قتالية، لكنها تلعب دورا محوريا في الحياة السياسية، لعلاقاتها مع النخب الاقتصادية والسياسية ورجال الدرك والأمن، وسيطرتها على الجوانب الإدارية واللوجستية والتقنية للجيش. تؤهلها هذه التقاطعات للمساهمة في المشهد السياسي، إذ لم تكن هذه المرة الأولى لانخراطها في العمل السياسي، فقد تكررت تحركاتها على ذات المنوال مع الرئيس الأسبق مارك رافالومانانا عام 2009، بعد احتجاجات دامت أشهر توجت برحيله، وحسمت دعمها لغريمه، الرئيس السابق أندريه راجولينا، للوصول إلى السلطة، وحافظت على دعمها له إلى غاية الاحتجاجات الأخيرة.

دفعت مخرجات هذه التحركات الشبابية، والمشهد السياسي المعقد بعد رحيل الرئيس المفاجئ، قائد الوحدة العقيد مايكل راندريانيرينا الذي يبلغ من العمر 51 عاما، إلى صدارة المشهد العام؛ فظهر معلنا تولي الوحدة السلطة وتشكيل لجنة عسكرية لقيادة البلاد. ومعها تسارعت التحقيقات لاستقصاء دوافع ومسيرة هذا القائد، ورغم قلة المعطيات حوله، فهي تشير لشغله سابقا منصب حاكم إقليم أندروي الجنوبية التي ينحدر منها، ويعرف بأنه معارض لنظام راجولينا، وسجن سابقا بعد اتهامه بالتحريض على التمرد العسكري عام 2023 قبيل الانتخابات المتنازع عليها، وبعد حكم بالسجن سنة مع وقف التنفيذ بتهمة تقويض أمن الدولة، سارع للتنديد بقمع احتجاجات جيل زد، وفي بيان مقتضب أعلن "لقد استولينا على السلطة".

تثير العلاقة الملتبسة بين النظام والوحدة تحفظات الكثيرين، وتؤشر على دهاء قادة الوحدة في استثمارهم لتحولات المشهد، لإعادة ترتيب المرحلة وفق تقديراتهم، وحجتهم في ذلك، أن الاحتفاظ بالجمعية العامة كان من أجل التصويت على عزل الرئيس، إذ كان التحدي السياسي هو إضفاء الشرعية على قراراتهم بعد الانقلاب الناعم. ومن أجل تبريرها للتدخل وتلافي وصم تحركاتها بالانقلاب، سارع العقيد لرفض وصف تدخلاته بالانقلاب، معتبرا ما وقع استجابة لنداء الشعب، فقد كُلِف من المحكمة العليا لتولي مهام تسيير البلاد خلال الفترة الانتقالية.

مدغشقر، ماذا بعد؟

أعلن عن انتهاء عهد الرئيس الملغاشي السابق دون أن يحسم سؤال التوازنات بين الثورة الشبابية والقيادة العسكرية، لكن المؤكد بأن هذه المعركة لم تنته بعد مغادرته البلاد، فلئن كان تدخل العسكر حاسما في إنهاء الأزمة بخروج الرئيس، غير أن الرهان هو مدى استعداده للتخلي عن السلطة مستقبلا، إذ أن تحدي الانتقال السياسي، وتدبير الفترة الانتقالية تؤكده صعوبة تنظيم الانتخابات في ستين يوما، كما جاء في قرار المحكمة العليا، وتزكيه المطالب العسكرية بتمديد الفترة إلى ما بين 18 و24 شهرا.

تتعالى المخاوف من المستقبل بعد الانتقال للحكم العسكري، ويتأكد هذا التحدي بعدم قدرة الشباب على تغيير المنظومة، فغياب قيادة تنظيمية لهذه الحركة يشكل عائقا للتحرك والترافع على قضايا حركتهم، إذ يفتقرون إلى تنظيم ورؤية أمام القوة التنظيمية للنخب السياسية والعسكرية التي تحاول إعادة ترتيب الأوراق للفترة المقبلة. وفي هذا يتوزع نشطاء الحراك بين الترحيب والتوجس من تدخل العسكر، لكن يؤكدن بأنهم حذرون من هذه التحولات، ويراقبون تطور الأوضاع، وسط مشاورات من أجل تحويل الحركة إلى منظمة اجتماعية قادرة على تحقيق مطالبها.

تسارع النخب العسكرية لإعادة تشكيل الساحة الداخلية وترتيب التوازنات، ويبقى الرهان قدرتهم على الإصلاح، وتجاوز التحديات الحقيقية التي حركت الاحتجاجات الأخيرة، بتحسين الأوضاع المعيشية والتنموية

إلى حين إعادة ترتيب المعادلات الداخليةّ، سارعت المنظمات الدولية والإقليمية معلنة رفضها للانقلاب العسكري، فنددت الأمم المتحدة بالتغير غير الدستوري للسلطة، كما عقد مجلس السلم والأمن الأفريقي اجتماعا طارئا طالب بالعودة للحكم المدني، وأقر تعليق عضوية البلد داخل مؤسسات الاتحاد بمفعول فوري.

من جانبها، أدانت فرنسا الانقلاب، المستعمر السابق، والمرتبطة بعلاقات مع البلد، فيما يتأكد على مستوى آخر بأن النفوذ الفرنسي على المحك بعد دلائل عن الدور الفرنسي في خروج الرئيس على متن طائرة عسكرية فرنسية. كما كانت الاحتجاجات الشبابية ترفع شعارات ولافتات تطالب برحيل "راجولينا وماكرون" و"بخروج فرنسا"، وهي مؤشر على المشاعر المعادية لفرنسا، فهل ستفتح ملف إنهاء الوجود الفرنسي بالمنطقة، كما في منطقة الساحل، أم تكرر باريس مقاربتها كما في الكونغو بالانحناء للعاصفة حفاظا على مصالحها.

بالمحصلة، تسارع النخب العسكرية لإعادة تشكيل الساحة الداخلية وترتيب التوازنات، ويبقى الرهان قدرتهم على الإصلاح، وتجاوز التحديات الحقيقية التي حركت الاحتجاجات الأخيرة، بتحسين الأوضاع المعيشية والتنموية، فيما يتأكد حتى هذه اللحظة بأن التاريخ يعيد نفسه بمدغشقر، فالإنزال العسكري كان لترتيب المشهد وبقاء الوضع على حاله، فهل يفي راندريانيرينا بوعده بالاستجابة لمطالب الشعب، أم أن تنصيبه رئيسا انتقاليا كان رسالة واضحة لحسم الصراع بين القوى الشبابية والجيش لصالح هذا الأخير؟