الأربعاء 15 أبريل 2026
تحدّثت وسائل إعلام كبرى - من الجزيرة إلى نيويورك تايمز وأسوشيتد برس ورويترز - عن أن احتمال إعادة توطين عدد كبير من الفلسطينيين في جنوب السودان طُرح في محادثات ثنائية بين تل أبيب وجوبا، مع تبادل زيارات رفيعة شملت نائبة وزير الخارجية ووزير الخارجية. وقد فجّرت هذه الأنباء نقاشًا محتدمًا وغضبًا واسعًا في أوساط الجنوبيين والفلسطينيين على السواء، كما عبّرت دول عربية عن رفضها الشديد لهذا المقترح.
مع ذلك، أصدرت الحكومتان بيانات رسمية تنفي تلك التقارير، ورحّب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بموقف جوبا الرافض. لكن النفي لم يُهدِّئ الجدل، ولم يُبدِّد الشكوك الشعبية، ولا سيما في جنوب السودان، حيث سارع الكثيرون إلى إدانة المقترح من حيث المبدأ. ووجّه سياسيون بارزون وأكاديميون وطلاب وناشطون مدنيون ومسؤولون حكوميون انتقادات حادّة للحكومة لمجرّد موافقتها على مناقشة ما اعتبروه طرحًا صادمًا ومستهجَنًا. وتساءل كثيرون عن مصدر الفكرة أصلًا؛ إذ أشارت مصادر إلى أنّها انطلقت من حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة، مستشهدةً بسابقة قرار أميركي يقضي بترحيل أجانب مدانين يقضون أحكامًا في الولايات المتحدة إلى جنوب السودان، وهو ملف ما يزال مثار جدل.
جوبا قد تربط ملف العقوبات الأميركية وحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة بملف إعادة التوطين، كورقة تفاوضية لرفع العقوبات وإعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن
ورُبط التصعيد العسكري الإسرائيلي ومساعي إفراغ غزة من سكانها - الذين يُقدَّر عددهم بنحو مليوني نسمة - بإحياء فكرة إعادة التوطين في جنوب السودان ودول أفريقية أخرى؛ وقد ذُكرت ليبيا وصوماليلاند وإثيوبيا ضمن خيارات محتملة. وتكرّرت هذه الأنباء لأشهر، مع تسريبات عن محادثات مزعومة تبعها نَفيٌ متلاحق. ولفت مراقبون إلى أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدّثا يومًا عن تحويل غزة إلى "ريفيرا الشرق الأوسط" بعد "إزالة" سكانها.
يبدو أنّ الأطراف المعنية - جنوب السودان وإسرائيل والولايات المتحدة - تتعامل مع هذا المقترح كأداة لتحقيق أهداف أخرى في السياسة الخارجية. ففي حالة جنوب السودان، طُرح أنّ جوبا قد تربط ملف العقوبات الأميركية وحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة بملف إعادة التوطين، كورقة تفاوضية لرفع العقوبات وإعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، التي فترت خلال سنوات الحرب الأهلية وتعثّر تنفيذ اتفاق السلام.
تفيد تقارير غير رسمية بأنّ المحادثات إمّا بادرت إليها واشنطن أو أنّها، في الحد الأدنى، منخرطة في نقاشات تجري خلف الكواليس، وأنّ البيانات الرسمية المُفنِّدة ليست دقيقة بالكامل. ومع إقرار كثيرين في جنوب السودان بأنّ جذور الفكرة خارجية، سارعوا إلى تحميل حكومة جوبا المسؤولية، مرجّحين أنّها تسعى إلى اتفاق سرّي مع تل أبيب مقابل مساعدات تمسّ حاجات ملحّة في البنية التحتية والتنمية الزراعية والتعاون العسكري.
عبّر جنوبيون عن معارضة للمقترح على أساس أنّ الفلسطينيين المعنيين لن يصلوا بصفة لاجئين مؤقّتين، بل سكانا دائمين جرى اقتلاعهم من وطنهم ولا ملاذ آخر لهم
يتغذّى الرفض الجنوبي للمقترح من وقائع سابقة. فقد طُرحت أفكار مشابهة خلال السنة الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزة، عندما احتشد نازحون فلسطينيون على الحدود بين مصر وغزة وإسرائيل وتكاثرت الدعوات لفتح الحدود أمام الفارّين من القصف. ورفضت مصر المقترح رفضًا قاطعًا، معتبرةً أنّ خروجًا جماعيًا بهذه الصورة سيؤدّي إلى تهجير دائم للفلسطينيين، ويهدّد أمنها القومي، وقد يقوِّض كفاحهم من أجل تقرير المصير، مع الاستشهاد بسوابق تاريخية مثل نكبة 1948 حين حُرم من غادروا أو طُردوا من العودة. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لشبكة "سي إن إن" إنّ مثل هذه النتيجة تمثّل "خطًا أحمر" لبلاده، فيما أوضح الرئيس عبد الفتاح السيسي أنّ نقل سكان غزة إلى مصر يُعدّ سعيًا لتصفية القضية الفلسطينية وانتهاكًا للقانون الدولي.
كما عبّر جنوبيون عن معارضة للمقترح على أساس أنّ الفلسطينيين المعنيين لن يصلوا بصفة لاجئين مؤقّتين، بل سكانا دائمين جرى اقتلاعهم من وطنهم ولا ملاذ آخر لهم. وأثيرت اعتبارات تاريخية: فجنوب السودان لم ينل استقلاله إلا حديثًا بعد عقود من حروب التحرير التي وضعت الشماليين العرب المسلمين في السودان في مواجهة الجنوبيين الأفارقة وغير المسلمين، مع ما يستتبعه ذلك من هواجس أمنية متوارثة.
وكان الصوت الفلسطيني الأقل حضورًا في هذا السجال، باستثناء أفراد رفضوا المقترح بوصفه "نكبة ثانية". ونقلت "رويترز" عن واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رفضه القاطع لأي خطة من هذا النوع، مؤكّدًا أنّ القيادة والشعب الفلسطينيين "يرفضان أي خطة أو فكرة لترحيل أيٍّ من أبناء شعبنا إلى جنوب السودان أو إلى أي مكان آخر"، وشدّد قادة وزعماء فلسطينيون آخرون على أنّ أي "إعادة توطين" قسري ستكون مأساة جماعية. كما أدانت منظمات حقوقية وجهات في المجتمع الدولي هذه الطروحات، ووصفتها بأنها ترقى إلى التهجير القسري والتطهير العرقي، بمن فيهم مسؤولون في الأمم المتحدة.