الأحد 19 أبريل 2026
خلافا للسردية السائدة عن الانسحاب الأمريكي من أفريقيا عقب عودة الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، يظهر بمرور الوقت أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى إلى تصحيح أخطاء الولاية الأولى للرئيس، لكن على طريقتها الخاصة، فواشنطن لم تنسحب من القارة كما يبدو بل تراجعت خطوة إلى الوراء، حتى تفسح المجال لمنظور أمريكي جديد - لا يزال قيد التشكل - يسمح للولايات المتحدة بضمان تموضع جيد على الساحة الأفريقية.
بدا الرئيس دونالد ترامب في موقع المنسحب من القارة حين سارع، في 21 يناير/ كانون الثاني المنصرم، إلى التوقيع على الأمر التنفيذي الرامي إلى وقف عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، في سابقة بلا نظير في التاريخ الأمريكي، منذ تأسيس هذه الوكالة عام 1963، لتصبح القوة الناعمة لواشنطن في مختلف مناطق العالم، بما في ذلك أفريقيا التي تحظى بحصة معتبرة من أموال الوكالة.
تكرر الأمر عقب إعلان الرئيس عن سياسة مراجعة الرسوم الجمركية كإطار لخطته الاقتصادية من أجل رؤيته "أمريكا أولا"، والتي شملت عددا من دول القارة الأفريقية، بزيادة تتراوح نسبتها ما بين 10٪ و50٪، بحسب تصنيفها في القائمة من قبل الإدارة الأمريكية، بما في ذلك تلك الدول التي كانت دوما في خانة حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.
ثم جاء ملف الهجرة ليدفع الأكثرية إلى تشكيل قناعة بوجود رغبة أمريكية واضحة في استبعاد أفريقيا من دائرة اهتمام الإدارة الحالية، فقد حضرت دول هناك في سياق حديث الإعلام الأمريكي عن وجود مفاوضات، وحتى اتفاقيات، بين عواصم أفريقية وواشنطن من أجل مساعدتها في تنفيذ خطتها الجديدة بشأن الهجرة، وذلك باستقبال مهاجرين غير نظاميين تخطط الولايات المتحدة لترحيلهم، في خطوة يرجى بتنفيذها بث رسالة لإنهاء "زحف" المهاجرين نحو بلد أسس أمجاده على فكرة الهجرة.
تبنت الإدارة الأمريكية في عودتها إلى أفريقيا سياسة محكومة بخلفية رجل الأعمال، فالرئيس ترامب ينظر إلى العلاقات الخارجية مع مختلف الدول بميزان التجارة، ما جعل عددا من المراقبين يتحدثون عن استراتيجية أمريكية جديدة، تعيد ترتيب أولويات واشنطن ومصالحها في أفريقيا استناد إلى "دبلوماسية التجارة محل المعونات والمساعدات".
يظهر أن دونالد ترامب استصحب منطق وقواعد عالم المال والأعمال إلى مجال السياسة والعلاقات الدولية، فتوالي القرارات الأمريكية التي توحي بخروج أفريقيا من دائرة الاهتمام الأمريكي، كان تطبيقا لمبدأ الغموض الاستراتيجية الذي أطر تحركات الإدارة الأمريكية في مختلف مناطق العالم منذ عقود، فهو مجرد تكتيك يرمي التحول من نظام المساعدات إلى استراتيجية الاستثمار، ما يعني أن واشنطن ترى في القارة سوقا ذات إمكانيات تجارية هائلة.
إمكانية توفر كل سفارة في أفريقيا على "فريق للصفقات"، خصوصا بعد اعتماد وزارة الخارجية الأمريكية للتوجه التجاري في رؤيتها الجديدة، بإنشاء أكاديمية لتدريب السفراء على التعامل مع تعقيدات الأسواق في أفريقيا
تستند استراتيجية واشنطن في أفريقيا على ستة جوانب رئيسية، تشكل البوصلة التي توجه التحرك الأمريكي في القارة الأفريقية. كما تشكل معيارا يحدد حكومات الدول الأفريقية التي تحظى بالأولوية في الأجندة الأمريكية. فبخلاف نظام المعونة الذي يقوم على مدى حاجة الدول في أفريقيا للمساعدة، ينبني التوجه الجديد على مدى قدرة الدول الأفريقية على إثارة الرأس المال الأمريكي وإغرائه، وكذا مرونة الحكومات الأفريقية لتنفيذ إصلاحات سوقية، تعبد الطريق للشركات الأمريكية لكسب الصفقات مع الإقبال المتزايد للشركات من دول أخرى على أفريقيا.
بروز معالم هذه الاستراتيجية مكّن مراقبين من فهم وتفسير ما وصف ب"الانغلاق الأمريكي"، بعد تسريب وثيقة داخلية تفيد عزم إدارة ترامب تقليص البعثات الأمريكية في أفريقيا باعتماد هيكلة دبلوماسية جديدة، بعدما أضحى تقييم الأداء الدبلوماسي للسفراء في أفريقيا مقرونا بمدى نجاحهم في الدفاع عن المصالح التجارية الأمريكية، وحجم الاتفاقيات التي ينجحون في التخطيط لها. وهنا حديث عن إمكانية توفر كل سفارة في أفريقيا على "فريق للصفقات"، خصوصا بعد اعتماد وزارة الخارجية الأمريكية للتوجه التجاري في رؤيتها الجديدة، بإنشاء أكاديمية لتدريب السفراء على التعامل مع تعقيدات الأسواق في أفريقيا.
اختبرت الإدارة الأمريكية الاستراتيجية الجديدة التي تروم من خلالها إعادة التموقع في سياق اشتداد التنافس على موارد وأسواق أفريقيا الواعدة، مطلع أبريل/ نيسان الماضي، بتدشين مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا العودة إلى القارة بجولة دبلوماسية، شملت أربع دول في منطقة الشرق الأفريقي، وهي: جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا.
بعد أقل من شهرين على واقعة الزيارة، تعلن الإدارة الأمريكية رعايتها اتفاقا تاريخيا بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، بناء على وساطة قطرية، في العاصمة الأمريكية واشنطن، بتاريخ 27 يونيو/ حزيران الماضي، ينهي صراعا دمويا دام أكثر من ثلاثين عاما في شرق الكونغو الديمقراطية. اتفاق وصفته مجلة "جون أفريك" التي أجرت مقابلة حصرية مع مسعد بولس، بالشامل الذي يحظى بدعم مباشر من الولايات المتحدة، لأنه يشمل آلية أمنية مشتركة بين كينشاسا وكيغالي إلى جانب إطار تكاملي اقتصادي إقليمي.
هل تتجه الولايات المتحدة نحو تكرار نفس الأمر في قضية الصحراء، فالرئيس ترامب انخرط في هذا النزاع على الأقل مع الجانب المغربي، منذ ولايته الأولى حين عبّر عن تأييده مخطط الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب حلا متفاوضا بشأنه
يبدو أن الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي أدرك مبكرا مرامي الإدارة الأمريكية الجديدة، حين طرح في شهر مارس/ آذار الماضي، على الولايات المتحدة احتياطات بلاده من المعادن الحيوية مقابل الحصول على الأمن والاستقرار. فقد سبق للرئيس ترامب التأكيد، حسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، على أن "بلاده ستحصل على كثير من حقوق المعادن في الكونغو"، مشيرا أن الاتفاق السياسي بين الطرفين قد يكون بوابة لاستثمارات أمريكية موسعة في قطاع التعدين هناك.
أثارت صفقة "الأمن مقابل المعادن"، كما يحلو للكثير من الأصوات الأفريقية وصفها، سيلا من الأسئلة، مع اقتراب موعد التنفيذ الفعلي للاتفاق، من قبيل ثمن السلام الأمريكي في الكونغو الديمقراطية؟ وهل الاتفاق طريق حقيقي نحو السلام بالمنطقة أم امتداد لسياسة ترامب القائمة على تأمين الموارد بالقوة الدبلوماسية؟
وفاء لوعد قطعه مسعد بولس صهر الرئيس الأمريكي، قبل ثلاثة أشهر، على هامش زيارته للشرق الأفريقي، قام الرجل بدءا من 22 يوليو/ تموز الجاري بجولة في المنطقة المغاربية، شملت تونس وليبيا والجزائر والمغرب، في خطوة رأى فيها الكثيرون إصرارا من جانب واشنطن على تكرار سيناريو الشرق بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في شمال القارة، مع وجود أكثر من بؤرة توتر في المنطقة؛ بين الإخوة الأعداء في ليبيا، وبين الرباط والجزائر في نزاع الصحراء، أحد أقدم النزاعات في القارة الذي أعلن بولس، شهر أبريل/ نيسان الماضي، عزم إدارة ترامب إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الذي طال أمده.
تأتي جولة مسعد فارس ذي الأصول اللبنانية المتقن للغة العربية إلى المغرب الكبير في توقيت دقيق للغاية، فالمنطقة تشهد فراغا استراتيجيا نتيجة تراجع الدور الأوروبي، وانشغال القوى الإقليمية بأزماتها الداخلية. ما يشكل لحظة مثالية لواشنطن لاستعادة حضورها في شمال أفريقيا، وضبط المشهد الإقليمي من بوابة الاستثمار والدبلوماسية المباشرة.
وكان ذلك واضحا في ليبيا حيث أمضى المسؤول الأمريكي يومين متنقلا بين طرابلس وبنغازي، لشرح أولويات واشنطن للفرقاء هناك، وأعقب ذلك التوقيع على مشروع شراكة اقتصادية مع حكومة الوحدة الوطنية بقيمة 70 مليار دولار، ما يعكس رغبة أمريكية واضحة في الدخول المباشر إلى السوق الليبية. يفتح ذلك الباب على مصراعيه أمام الشركات الأمريكية لانتزاع حصتها في سوق النفط، كما يتيح لها فرصا لجني ثمار مشاريع إعادة الإعمار. كما أن الحضور هناك يعزز من فرص واشنطن في منافسة النفوذ الروسي والتركي المتغول في المشهد الليبي.
خلافا لتونس التي اكتست زيارة المسؤول الأمريكي فيها طابعا روتينيا، أخر حضوره إلى الجزائر ليوم كامل في انتظار عودة الرئيس الجزائري من روما، ما يعطي أكثر من مؤشر على رغبة واشنطن تسجيل حضورها في عواصم محسوبة على الحلف المضاد. ناهيك عن كون الجزائر طرفا محوريا في قضية الصحراء التي تطمح إدارة ترامب إلى تطبيق خطة شرق الكونغو عليها.
تشهد المنطقة فراغا استراتيجيا نتيجة تراجع الدور الأوروبي، وانشغال القوى الإقليمية بأزماتها الداخلية. ما يشكل لحظة مثالية لواشنطن لاستعادة حضورها في شمال أفريقيا، وضبط المشهد الإقليمي من بوابة الاستثمار والدبلوماسية المباشرة
بدا لافتا التكتم الذي رافقا تفاصيل الزيارة، فتصريحات الطرفين تلوك عبارات عامة مفتوحة على كل التأويلات، فأبرز ما جاء في كلمة بولس بعد لقائه المسؤولين في الجزائر تأكيده على أن الطرفين "يعملان معا لمواجهة بعض من أصعب المشاكل في العالم"، ما قرأ فيه كثيرون إشارة إلى نزاع الصحراء الذي تجنب مستشار ترامب الحديث عنه أمام وسائل الإعلام، رغم سابق تصريحاته بشأنه حين الإعلان عن الزيارة.
يبدو أن السرية عنصر مهم في تحركات الإدارة الأمريكية، فبينما كان الأنظار متجهة نحو الدوحة في صراع شرق الكونغو كانت المفاجئة اتفاق واشنطن. فهل تتجه الولايات المتحدة نحو تكرار نفس الأمر في قضية الصحراء؟ فالرئيس ترامب انخرط في هذا النزاع على الأقل مع الجانب المغربي، منذ ولايته الأولى حين عبّر عن تأييده مخطط الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب حلا متفاوضا بشأنه، وكان الثمن تطبيع الرباط لعلاقاته مع إسرائيل في سياق ما يعرف باتفاقية أبراهام.
أيا تكن نتائج الجولة الأخيرة لمسعد في شمال القارة وتلك التي سبقتها إلى الشرق، وبينهما القمة المصغرة للرئيس الأمريكي مع عدد من رؤساء منطقة غرب أفريقيا (موريتانيا والسنغال وليبريا وغينيا بيساو والغابون) في واشنطن، رغم ما رافق اللقاء من استعلاء وغطرسة ضاع في ثناياها الكثير من التفاصيل، فإن القارة الإفريقية حاضرة وبقوة في أجندة إدارة الرئيس دونالد ترامب، لكن بمنظور الاقتصاد والأعمال والتجارة وليس الولاء والمن والمساعدة.
لا يمكن لعاقل القول بأن إدارة ترامب؛ الملياردير المهوس بالصفقات ومؤلف كتاب "فن الصفقة"، وفاء لشعار "أمريكا أولا" سوف تنسحب بهذه السهولة من أفريقيا، لأنها من ناحية محور منافسة شديدة مع غرماء واشنطن (بكين وموسكو)، ومن ناحية أخرى تتخلى عن قارة تشكل مواردها المعدنية النادرة عصب الثورة التكنولوجيا التي تحاول واشنطن جاهدة التفرد بامتلاك أسرارها بعيدا عن الصين.