السبت 14 مارس 2026
أطرح هذا السؤال بغرض التفكير، وهو سؤال لا يكمن تعقيده في صعوبة إيجاد الإجابة، وإنما في كونه يجبرك على مواجهة حقيقة ربما كنا نحاول أن نتجاوزها، على الرغم مما تحمله من دلالات. هذه الحقيقة تقول إنه إذا كان الإنكليز هم من صاغوا حدود بلادنا بشكلها المعروف، فهذا يعني أنهم من جعلوها وطناً، وبالتالي هم من ولّدوا لنا مفهوم الوطنية.
ربما يبدو هذا المنطق غريباً، وبحاجة لتفكيك، لتسهيل ذلك أطلب أن تضع أمام ناظريك خريطة السودان الحالية، ثم تفكر ماذا لو لم يضم الإنكليز إقليم دارفور مثلاً، أو ماذا لو كانوا أعطوه استقلاله بشكل منفصل، كما فعلوا مع مصر، التي كانت هي والسودان بلداً واحداً قبل أن يرى المستعمر أن خريطتها بهذا الشكل، الذي يمنحها سيطرة شبه مطلقة على مياه النيل، سوف تكون أكبر من اللازم؟ ماذا لو كانوا احتفظوا بحلفا، كمدينة جنوبية تابعة إدارياً للإقليم المصري، أو إذا ما كانوا، على العكس، مدوا خط الحدود السودانية أعلى قليلاً؟
في رسمها للحدود اختارت بريطانيا أن تضم إقليم جنوب السودان للسودان وليس إلى أي دولة أفريقية أخرى من مستعمراتها، وذلك على الرغم من علمها بالتباين الثقافي الحاد. لسبب أو لآخر ارتأى المستعمر أن يضم تلك البقعة المنتمية لفضاء مختلف لجغرافيا البلد المسلم، الذي تغلب عليه التقاليد والثقافة العربية.
جعل هذا ذلك الإقليم يحافظ بشكل أكبر من غيره على مفهوم الولاءات القبلية، التي يكون في القلب منها نظار القبيلة ورموزها، الذين يتحلون بين أبنائها بمكانة تقترب من التقديس
لا يتسع المقام هنا لمناقشة ما إذا كان ذلك الضم قد تم بسوء نية، على اعتبار أنه كان واضحا منذ البداية أن الجمع بين ثقافات متناقضة في بلد بظروف السودان سوف يقود للصدام. سوف نكتفي فقط بالإشارة إلى أن من الباحثين السودانيين من يصر على أن كل شيء كان وفق ترتيب، ومن أجل صناعة وضع نهائي بمواصفات خاصة. من أبرز أصحاب هذا الرأي حسن مكي أستاذ الدراسات الأفريقية، الذي يتبنى نظرية المؤامرة حينما يتعلق الأمر بالسودان، لدرجة قوله إن مشروع الاستقلال نفسه، بالشكل الذي تم به، لم يكن سوى مخطط ماسوني. يمضي مكي أكثر من ذلك لاعتبار أن كثيراً من الأسماء الوطنية، التي برزت في تلك الفترة، كانت أيضاً مرتبطة بالماسونية.
ما يهمنا هنا هو الاتفاق على أن الخريطة الجاهزة، التي تم استلامها في خاتمة المطاف، لم يكن للمواطنين يد في اختيارها، بل بدوا أشبه بالذي يطلب وجبة جاهزة يتملكها ويفرح بها، لكن دون أن يكون قد شارك فعلياً في اختيار مكوناتها.
هذا الأمر لا يتعلق بالسودان فقط، بل بأغلب دول المستعمرات السابقة، وبكل الدول الناتجة عن اتفاقات أوروبية حول تقاسم النفوذ، مثل اتفاق سايكس بيكو الشهير، المتعلق بالحدود العربية، واتفاق برلين المتعلق بالحدود الأفريقية، وغيرها.
المواطنون جنباً إلى جنب مع القادة الجدد ورثة الاستعمار لم يستلموا فقط هذا الإرث، الذي هو عبارة عن الدولة الجديدة، ولكنهم استلموا أيضاً مفهوم الوطن، حيث يتوقف الولاء والتعلق والانتماء عند الحدود السياسية المصنوعة بشكل اعتباطي.
إذا كانت خريطة الحدود وتعريفات الوطن قد وضعت بمعزل عن سكان هذه الجغرافيا، فإنه لا بأس من إعداد التفكير فيها أو إعطاء أصحاب المصلحة الحرية والخيار في أن يقرروا مستقبلهم
كثيراً ما كنت أفكر، ما الذي يجعل شخصاً من أقصى شمال السودان يتفاعل وجدانياً مع حدث مأساوي في دارفور البعيدة مثلاً أكثر من تفاعله مع ما يحدث في أسوان أو في محافظات جنوب مصر، التي لا تفصله عنها إلا بضع ساعات؟
السبب هو ذلك هو مجرد الخيال، الذي يصور لك أن ذلك القابع في أقصى الجنوب أو أقصى الغرب هو أقرب إليك، لأنه يشاركك نفس الوطن، حتى وإن كان بعيداً عنك في الثقافة والتصورات والمظهر والهيئة. بالمقابل، فإن الخيال نفسه يجعلك تتعامل مع الأشخاص خلف الحدود الوهمية باعتبارهم مواطنين لدولة أخرى، ما يجعلهم غريبين عنك.
تجربة مثل تجربة انتقال عشرات الآلاف من السودانيين إلى مصر بسبب الحرب ربما تكون قد ساعدت الكثيرين على فهم ما يعنيه الكلام. مر أغلب هؤلاء بالجنوب المصري، حيث الثقافة المتشابكة والسحنات المتشابهة، التي تجعل من الصعب التفريق بين مواطني البلدين، ليبقى الفارق الوحيد فقط هو ما تعلق بالحدود وبالاختلاف في جوازات السفر.
الحالة السودانية مهمة وجديرة بالتفكير، فعلى الرغم من وجود تراث غنائي ثري حول الوطن وترابه، الذي أوصانا الأجداد عليه، وغيرها من المفردات، التي حاولت التكريس، كما في دول كثيرة حولنا، لمفهوم الحدود المقدسة، التي لا يجب أن تمس أو تنتقص، إلا أن كل ذلك لم يمنع انفصال إقليم بمساحة كبيرة في جنوب السودان، ليصبح دولة مستقلة بجيشها وعلمها وروايتها عن نفسها وتعريفها للوطن.
خلال العقود، التي فرضت فيها بريطانيا ظلها الكئيب على السودان، كان موظفوها يحاولون أن يعيدوا صياغة المجتمع، وأن ينقلوه من الانتماءات القبلية والولاءات العشائرية إلى فضاء الدولة الحديثة المركزية. الذي حدث هو أن ذلك نجح بشكل كبير في مناطق وسط وشمال السودان بسبب الانخراط المكثف في التعليم وفي بنية الوظائف الحكومية، بينما فشل في غرب البلاد، بسبب التحاق دارفور بالدولة في وقت متأخر أولاً، وأيضاً بسبب زهد الحكام الإنكليز في تلك المناطق البعيدة عن النيل.
إن الخريطة الجاهزة، التي تم استلامها في خاتمة المطاف، لم يكن للمواطنين يد في اختيارها، بل بدوا أشبه بالذي يطلب وجبة جاهزة يتملكها ويفرح بها، لكن دون أن يكون قد شارك فعلياً في اختيار مكوناتها
جعل هذا ذلك الإقليم يحافظ بشكل أكبر من غيره على مفهوم الولاءات القبلية، التي يكون في القلب منها نظار القبيلة ورموزها، الذين يتحلون بين أبنائها بمكانة تقترب من التقديس. لاحقا، سوف يتسبب هذا بتعقيدات كبيرة أبرزها الحرب الحالية، التي كان وقودها الأساس هو الحمية والمناصرة القبلية. بشكل عام، فإن كل ما سبق يفسر بشكل واضح أسئلة ظلت تحيّر الكثيرين من قبيل: لماذا ما يزال كثير من أهل دارفور لا يستطيعون النظر إلى أي مسألة إلا من خلال منظور القبيلة؟
منذ الاستقلال، بل قبيل الحصول عليه، كانت هناك رؤيتان تتصارعان في السودان. رؤية أولى تبنتها السلطة ومن يدافعون عن خطابها، الذي يرى أنه، وبغض النظر عن الطريقة التي نتجت بها هذه الحدود، فإن يجب الحفاظ عليها كما هي، ورؤية ثانية كان يتبناها عدد من السياسيين في أقاليم وأوقات مختلفة، ومفادها أنه إذا كانت خريطة الحدود وتعريفات الوطن قد وضعت بمعزل عن سكان هذه الجغرافيا، فإنه لا بأس من إعداد التفكير فيها أو إعطاء أصحاب المصلحة الحرية والخيار في أن يقرروا مستقبلهم.
أنهى انفصال الجنوب في 2011 عقوداً من محاولات الممانعة، التي كانت ترفض بشكل مبدئي مجرد السماح باستفتاء حول مستقبل الإقليم المتمرد، أو حول منح حق تقرير المصير للجنوبيين، بل كانت ترى في التسامح مع هذه الأفكار أمراً أشبه بالخيانة.
الصدمة الكبيرة، التي حققها ذلك الانفصال، الذي جاء بعد عقود طويلة من حرب أهلية مدمرة خلفت الكثير من الضحايا والنزف الاقتصادي، كانت تتمثل في أنها ذكّرت بالحقيقة، التي كان الجميع يهرب من مواجهتها، وهي أن الحدود القديمة، التي كان الشاعر يغني لها "من حلفا إلى نمولي" ليست شيئاً صلباً، وإنما أمراً فيه كثير من السيولة، التي تجعله قابلاً لإعادة التشكل وفق المصلحة على غرار ما حدث في القارة الأفريقية، التي لم يفلح إعلان إتحادها رفضه الصارم لانقسام الدول والأقاليم في منع ولادة دول جديدة مستقلة.