الأربعاء 12 أغسطس 2026
أصدرت محكمة سودانية في بورتسودان حكماً بالإعدام غيابياً بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى جانب شقيقه ونائبه عبد الرحيم حمدان دقلو و14 متهماً آخرين من قادة القوات وزعماء مجموعات قبلية، بعد إدانتهم في قضية اغتيال والي ولاية غرب دارفور السابق خميس عبد الله أبكر، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية على خلفية الأحداث التي شهدتها مدينة الجنينة في يونيو/حزيران 2023. ويعد هذا الحكم أول إدانة قضائية تصدر بحق القيادة العليا لقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني والقوات في أبريل/نيسان 2023.
جاء الحكم بعد محاكمة جرت غيابياً أمام محكمة تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، حيث اعتبرت المحكمة أن المتهمين مسؤولون عن التخطيط والمشاركة في الهجوم الذي استهدف والي غرب دارفور عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الجنينة. وفقا لما أوردته وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا)، فقد أدانت المحكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، إضافة إلى تنفيذ هجمات ضد المدنيين والمنشآت العامة خلال العمليات العسكرية في غرب دارفور.
تعود القضية إلى 14 يونيو/حزيران 2023، عندما قُتل والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر بعد ساعات من ظهوره في تسجيل مصور اتهم فيه قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بتنفيذ "إبادة جماعية" بحق المدنيين في مدينة الجنينة. وبعد انتشار التسجيل، أعلنت السلطات العثور على جثمان الوالي، بينما أظهرت مقاطع فيديو متداولة آنذاك احتجازه قبل مقتله، وهو ما أثار إدانات إقليمية ودولية واسعة. وقد نفت قوات الدعم السريع في ذلك الوقت مسؤوليتها عن اغتياله، وألقت باللوم على "عناصر خارجة عن السيطرة"، إلا أن السلطات القضائية السودانية حملتها المسؤولية المباشرة عن الجريمة.
شمل الحكم أيضاً عدداً من قادة قوات الدعم السريع وزعماء عشائر عربية في غرب دارفور، إذ رأت المحكمة أن الجرائم المنسوبة إليهم جاءت في سياق حملة منظمة استهدفت المدنيين، خاصة أبناء إثنية المساليت في مدينة الجنينة والمناطق المحيطة بها. واستندت المحكمة إلى ملفات التحقيق والأدلة التي جمعتها النيابة، معتبرة أن الهجمات لم تكن أحداثاً معزولة، بل جزءاً من نمط واسع من الانتهاكات التي صاحبت سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من ولاية غرب دارفور.
يتوافق الحكم مع تقارير صدرت عن خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، التي خلصت إلى أن أعمال العنف التي شهدتها الجنينة في عام 2023 أسفرت عن مقتل ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص، غالبيتهم من أبناء المساليت، وسط اتهامات لقوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها بارتكاب عمليات قتل جماعي وتهجير قسري واعتداءات واسعة النطاق على المدنيين. كما سبق أن وصفت منظمات دولية ما جرى في غرب دارفور بأنه قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بينما نفت قوات الدعم السريع مراراً ارتكابها جرائم إبادة جماعية أو استهداف المدنيين على أساس عرقي.
أعلنت المحكمة أنها ستحيل الحكم إلى المحكمة العليا السودانية لاستكمال الإجراءات القانونية المنصوص عليها في التشريعات السودانية، كما طلبت من الجهات المختصة اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ أوامر القبض بحق المحكوم عليهم، والسعي إلى ملاحقتهم عبر الإنتربول والقنوات القضائية الدولية إذا اقتضى الأمر. ونظراً لأن جميع المدانين حوكموا غيابياً، فإن تنفيذ الحكم يبقى مرتبطاً بإلقاء القبض عليهم أو مثولهم أمام القضاء السوداني.
يأتي هذا التطور في وقت تستمر فيه الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو للعام الرابع على التوالي، وهي الحرب التي تسببت في مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص، فيما تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة نزوح وجوع يشهدها العالم في الوقت الراهن. ويرى مراقبون أن الحكم يحمل بعداً قانونياً وسياسياً في آن واحد، إذ يمثل محاولة من السلطات السودانية لإثبات المسؤولية الجنائية لقادة قوات الدعم السريع عن الانتهاكات المرتكبة في دارفور، في وقت لا تزال فيه المعارك مستمرة في عدة ولايات سودانية، الأمر الذي يجعل تنفيذ الأحكام القضائية تحدياً عملياً وقانونياً معقداً.