السبت 11 أبريل 2026
يُشكّل كتاب «حكايات سوداء من الغرب الأفريقي: شهادات كبرى في الإنسانية» ترجمة عربية للعمل الفرنسي للباحث والأنثروبولوجي رولان كولين، الذي صدرت النسخة الأصلية لأوّل مرّة في باريس عن دار Présence Africaine عام 1957، مرجعا أساسيا في دراسة الحكاية الشفهية الأفريقية وتحليلها من منظور أنثروبولوجي وأدبي، قبل أن تصدر إعادة طبع لاحقة في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، بعد تقديم ليوبولد سيدار سنغور وتعقيب جان بيير جاكمان، لتبلغ صفحات النسخة الفرنسية حوالي 206 صفحة.
صدرت النسخة العربية التي عن المركز القومي للترجمة في مصر، وترجمها توحيدة علي توفيق وراجعتها سهير فهمي، جاءت في طبعتها الأولى عام 2016، وبلغ عدد صفحاتها نحو 192 صفحة، ما يجعلها إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال الدراسات الإنسانية والأدب المقارن، مع التركيز على التراث الشفهي كوثيقة معرفية حقيقيّة.
ينطلق كولين من فرضية مفادها أنّ الحكاية الشفهية الأفريقية ليست مجرّد نصوص متداولة شفهيا، بل هي ذاكرة ثقافية متكاملة، تحمل في طيّاتها قيما اجتماعية وأخلاقية عميقة، وتشكّل منظومة معرفية تستحق التحليل النقدي والمنهجي. من هذا المنطلق، يقدّم الكتاب قراءة دقيقة للحكايات الشعبية كمرآة لوعي الجماعة، وليس مجرّد مادة للترفيه أو التجميع الفلكلوري.
كما يُمكن النظر إلى هذا العمل على أنّه جزء من نقاشات منتصف القرن العشرين حول الهوية والثقافة وحقوق الإنسان، خاصّة في سياق ما بعد الاستعمار، حيث يحاول كولين كشف المعنى الإنساني الكامن في التراث الشفهي وربطه بالقيم الأخلاقية والاجتماعية المتجذّرة في المجتمعات الأفريقية، بعيدا عن النظرة الاستشراقية التي كانت سائدة في تلك الفترة.
لا يمكن قراءة كتاب حكايات سوداء من الغرب الأفريقي: شهادات كبرى في الإنسانية بوصفه تجميعا نصّيا للحكايات أو تعليقا إثنوغرافيا عليها فحسب؛ بل هو بناء مركّب يقوم على تداخل ثلاثة مستويات دلالية ومنهجية، تتساند فيما بينها لتنتج خطابا معرفيا مضادا للمركزية الأوروبية. إنّ هذا التداخل هو ما يمنح الكتاب قيمته التأسيسية في حقل الدراسات الأنثروبولوجية للأدب الشفهي.
الحكايات التي يوردها كولين ليست مادّة خاما يسبقها أو يتلوها تفسير؛ بل هي الأساس الذي يُبنى عليه المشروع كلّه. وتتمتّع هذه الحكايات بعدّة خصائص بنيوية:
الاقتصاد السردي المكثف: لا تقوم الحكاية الشفهية على الإسهاب، بل على تكثيف الدلالة، حيث تُختزل التجربة الإنسانية في صورة رمزية (حيوان، شيخ، مطر، غابة). وهذا التكثيف يجعل النص قابلا للحفظ وإعادة التداول، وهو ما يضمن استمراريّته عبر الأجيال.
يحاول كولين كشف المعنى الإنساني الكامن في التراث الشفهي وربطه بالقيم الأخلاقية والاجتماعية المتجذّرة في المجتمعات الأفريقية، بعيدا عن النظرة الاستشراقية التي كانت سائدة في تلك الفترة
الترميز الاجتماعي: الشخصيات الحيوانية مثل: الأسد أو الأرنب أو الضبع لا تُقرأ بوصفها عناصر تخيليّة فحسب، بل تمثل أنماطا سلوكية داخل المجتمع. فالحكاية تؤدي وظيفة "التصنيف الأخلاقي" للسلوكيات: المكر والطمع والشجاعة والحكمة.
الزمن الدائري: الحكاية لا تؤرّخ لحدث فريد، بل تستدعي زمنا متكرّرا؛ زمن "كان يا ما كان" الذي يتجاوز التاريخ الخطي. وبهذا المعنى، يصبح الماضي حاضرا دائما، وتغدو الذاكرة الجماعية مرجعية أخلاقية مستمرّة.
الطابع الأدائي: الحكاية الشفهية لا تُقرأ، بل تُؤدّى. وهي بذلك حدث اجتماعي تشاركي، يُنتج المعنى في لحظة السرد نفسها. هذا البعد الأدائي يجعل الحكاية ممارسة ثقافية لا نصا ثابتا.
من هنا، فالمتن الحكائي في الكتاب لا يُعدّ مقدّمة للتحليل، بل هو "المختبر" الذي تُستخلص منه الرؤية الفلسفية والاجتماعية.
لا يكتفي كولين بعرض الحكايات، بل يمارس عليها قراءة تأويليّة تتجاوز الوصف الإثنوغرافي التقليدي. ويمكن تحديد معالم منهجه في النقاط التالية:
الحكاية كنظام معرفي: ينطلق كولين من فرضية أنّ الحكاية الشفهية تؤدّي وظيفة معرفية مماثلة لما تؤديه الفلسفة في الثقافات المكتوبة. فهي: تضع تصوّرا للخير والشر، وتنظّم علاقة الفرد بالجماعة، وتؤسّس لمفهوم العدالة والتوازن.
بهذا، ينتقل النص من كونه "مادة فلكلورية" إلى كونه "نصا نظريا غير مباشر".
البنية الاجتماعية في الرمز: يرى كولين أنّ الرمز ليس استعارة جمالية فقط، بل تمثيل لبنية اجتماعية. فمثلا:
الحيوان القوي يمثّل السلطة التقليدية. والحيوان الصغير الذكي يمثّل الفرد الذي يتحرّك داخل منظومة قوى. والطبيعة تمثّل المجال الكوني الذي يضبط التوازن الأخلاقي.
التحليل هنا لا يفسّر الحكاية من خارجها، بل يستخرج من داخلها منطقها الاجتماعي الكامن.
الحكاية الشفهية لا تُقرأ، بل تُؤدّى. وهي بذلك حدث اجتماعي تشاركي، يُنتج المعنى في لحظة السرد نفسها. هذا البعد الأدائي يجعل الحكاية ممارسة ثقافية لا نصا ثابتا
إعادة الاعتبار للشفهي: كانت الأنثروبولوجيا الأوروبية، في سياق القرن العشرين، تميل إلى اعتبار المجتمعات غير المكتوبة "ما قبل تاريخية". لكن كولين يعترض ضمنيا على هذا التصوّر، ويبيّن أنّ غياب الكتابة لا يعني غياب التفكير؛ بل إنّ الشفاهة تؤسّس نمطا مختلفا من تنظيم المعرفة.
هنا تتقاطع أطروحته مع السياق الفكري الذي دعمه Léopold Sédar Senghor في مشروعه الثقافي حول "الزنوجة"، حيث يتمّ تثمين الوجدان الأفريقي بوصفه نمطا معرفيا مشروعا.
لا يعلن الكتاب صراحة أنّه عمل "ما بعد استعماري"، لكنّه يؤدّي وظيفة نقدية واضحة تجاه الخطاب الاستشراقي. ويتجلّى ذلك في ثلاث نقاط:
قلب معادلة المركز والهامش: بدل أن تُقرأ أفريقيا كموضوع للدراسة من الخارج، يجعلها كولين مصدرا للمعرفة الإنسانية. الحكاية ليست دليلا على بدائية، بل شهادة على إنسانية متجذّرة.
نقد فكرة "التقدم الخطي": الفكر الاستعماري ربط التقدّم بالتدوين والمؤسّسات الحديثة. أمّا هذا الكتاب، فيُظهر أنّ المجتمعات الشفهية تمتلك نظما أخلاقية معقّدة دون الحاجة إلى الأرشيف المكتوب.
إعادة تعريف الإنسانية: العنوان الفرعي "شهادات كبرى في الإنسانية" ليس توصيفا أدبيّا، بل موقف معرفي. فالحكاية الشفهية تُقدّم هنا كشهادة على أنّ القيم الكبرى - التضامن، العدالة، التوازن - ليست حكرا على ثقافة بعينها.
كانت الأنثروبولوجيا الأوروبية تميل إلى اعتبار المجتمعات غير المكتوبة "ما قبل تاريخية". كولين يعترض ضمنيا على هذا التصوّر، ويبيّن أنّ غياب الكتابة لا يعني غياب التفكير؛ بل إنّ الشفاهة تؤسّس نمطا مختلفا من تنظيم المعرفة
يمكن القول إنّ الهدف العميق للكتاب يتمثّل في: إعادة إدراج الحكاية الشفهية داخل حقل الدراسات الإنسانية بوصفها خطابا فلسفيّا. وتفكيك الثنائية بين "المكتوب/المتقدم" و"الشفهي/البدائي". وإظهار أنّ المعرفة يمكن أن تُبنى عبر السرد والرمز بقدر ما تُبنى عبر المفهوم المجرّد.
بهذا المعنى، يتحوّل الكتاب إلى دفاع إبستمولوجي عن التعدّد المعرفي، وإلى دعوة لقراءة التراث الأفريقي من داخله، لا من خلال مقاييس خارجيّة.
إنّ تداخل المستويات الثلاثة - المتن الحكائي، التحليل الأنثروبولوجي، والسياق الفكري - يجعل من هذا العمل نصا مركّبا يتجاوز التصنيف البسيط. فهو ليس كتاب حكايات، ولا دراسة نظرية صرفة، بل مشروعا تأويليا يعيد تعريف العلاقة بين السرد والمعرفة.
في ضوء هذا التحليل، يمكن اعتبار الكتاب مساهمة مبكّرة في إعادة التفكير في مفهوم الثقافة ذاتها: هل هي ما يُكتب فقط؟ أم ما يُروى ويُعاد إنتاجه شفهيا في الذاكرة الجماعية؟ هذا السؤال هو - في جوهره - السؤال الذي يفتحه كولين، ويجعله مدخلا لإعادة الاعتبار لصوت أفريقيا داخل الخطاب الإنساني العالمي.