الجمعة 13 مارس 2026
شمل هجوم الحركة مدينة بلعد، الواقعة على بعد 30 كلم من العاصمة مقديشو، حيث تمكن مقاتلوها من السيطرة عليها لساعات قبل انسحابهم، مما أثار ارتباكا كبيرا في صفوف قوات الحكومة الفيدرالية، وزاد من المخاوف بشأن احتمالية استمرار تقدمها، ووصولها إلى تخوم العاصمة بعد إحكام سيطرتها على البلدات والمدن المحاذية. ورغم أن الجبهات الأكثر سخونة تتركز في محافظة شبيلي الوسطى، إلا أن القتال يمتد أيضا إلى محافظتي هيران وشبيلي السفلى، وإن كان بوتيرة أقل ضراوة. وقد شهدت مدينة أو ديغلي في شبيلي السفلى مواجهات عنيفة بين الجانبين، في 15 مارس/آذار الجاري، فقد ادعت الحركة مقتل 60 جنديًا من القوات الحكومية فيها، وهو ما نفته الحكومة.
مع ذلك، أفادت وسائل إعلام محلية، نقلًا عن شهود عيان، برصد تسلل عناصر من حركة الشباب إلى مناطق في ضواحي مقديشو، من بينها عيلشا بيها وحاوى عبدي، بهدف تنفيذ هجمات على نقاط التفتيش والمراكز الأمنية هناك.
وضعت الحكومة في محاولة لتدارك الأمر، وإيقاف تقدم مقاتلي الحركة، كامل ثقلها لمواجهة الهجوم، وذلك عبر استنفار جميع وحدات الجيش، ونقلها إلى الجبهات. إضافة إلى توزيع القيادات العسكرية، بمن فيهم القائد العام للقوات المسلحة، الجنرال أذوا يوسف راعي، على الخطوط الأمامية للإشراف على العمليات، وتعزيز معنويات القوات.
لم تكتفِ الحكومة الفيدرالية باستنفار وحدات الجيش وقواتها النظامية الأخرى، بل لجأت إلى العشائر لحشد أبنائها، أو ما يُعرف بـ"معويسلي" - الميليشيات غير النظامية - للقتال إلى جانب الجيش، بل وحتى تولي أدوار قيادية في المعارك، لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها حركة الشباب. في هذا السياق، عقد الرئيس حسن شيخ محمود، خلال الأيام الماضية، لقاءات مكثفة مع بعض السياسيين ووجهاء العشائر في محافظة شبيلي الوسطى، التي تُعد محور عمليات الحركة، لحشد مقاتلي العشائر ودفعهم للانضمام إلى الجيش، مقابل تقديم الدعم اللازم، بما في ذلك الإمداد اللوجستي والتسليح.
أصبحت إثيوبيا جزءا من الدول المساهمة في الغارات الجوية، مدعية أنها كبّدت مقاتلي حركة الشباب خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، فقد نفّذ الطيران الإثيوبي غارات متعددة على مواقع وتجمعات تابعة للحركة، وذلك بطلب وتنسيق مباشر مع الحكومة الفيدرالية
لكن رغم كل ذلك، لم يتمكن الجيش، مدعوما بمسلحي العشائر، من وقف تقدم مقاتلي الحركة أو استعادة المناطق التي سيطروا عليها. ونتيجة لذلك، طلبت الحكومة الفيدرالية غطاءً جويًا من الشركاء الدوليين، حيث باتت حاليا في هذه المواجهات تعتمد بشكل أكثر على الغارات الجوية، بدلا من خوض مواجهات مباشرة مع مقاتلي الحركة، في مؤشر واضح على عجزها عن تحقيق انتصارات ميدانية حاسمة عبر المواجهة المباشرة.
في ظل اعتمادها المتزايد على الضربات الجوية التي ينفذها شركائها، أصدر مجلس الوزراء الصومالي قرارا حذّر فيه السكان في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية من الاقتراب من المواقع التي يتواجد فيها مقاتلو الحركة، مبررا ذلك بعزم الحكومة على تكثيف العمليات الجوية والبرية ضدهم.
أصبحت إثيوبيا، ولأول مرة منذ سنوات، جزءا من الدول المساهمة في الغارات الجوية، والتي ادعت الحكومة الفيدرالية أنها كبّدت مقاتلي حركة الشباب خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، فقد نفّذ الطيران الإثيوبي غارات متعددة على مواقع وتجمعات تابعة للحركة، وذلك بطلب وتنسيق مباشر مع الحكومة الفيدرالية.
في ذات السياق، أكد وزير الدفاع في الحكومة الفيدرالية، عبد القادر محمد نور، أن إثيوبيا استجابت لطلب بلاده بالمساعدة في تنفيذ الغارات الجوية، مشيرًا إلى أن الطيران الإثيوبي نفّذ ضربات على المواقع التي حددتها الحكومة الفيدرالية. وتناقلت وسائل إعلام إثيوبية أنباء عن وصول تعزيزات عسكرية إثيوبية ضخمة إلى الحدود مع الصومال، تمهيدًا للتدخل داخل الأراضي الصومالية، خاصة في محافظتي هيران وشبيلي الوسطى، حيث تدور أعنف المواجهات، غير أن الحكومة الصومالية لم تصدر أي تعليق رسمي بشأن هذه الأنباء.
ساعد جفاف نهر شبيلي الحركة في اختيار هذا التوقيت، إذ كان يشكّل سابقًا حاجزا طبيعيا بين مقاتليها في وسط البلاد وفي الجنوب. لكن مع جفافه أصبح التنقل بين مقاتليها أسهل، ما مكّنها من إدخال تعزيزات عسكرية من مناطق سيطرتها نحو جبهات القتال
بالرغم من الجهود المتعددة التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لمنع هجمات حركة الشباب، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى صعوبة تحقيق ذلك، عبر استعادة المناطق التي توغلت فيها الحركة التي تبدو عازمة على التمسك بسيطرتها، بل وتسعى لاستخدام تلك المناطق كنقطة انطلاق للتمدد نحو مناطق أكثر حيوية، مما قد يزيد الضغط على العاصمة مقديشو.
اختارت حركة الشباب توقيت هجومها بعناية، ويبدو أنها خططت له مسبقا، مستغلة الإرهاق الشديد الذي أصاب القوات الحكومية والمليشيات العشائرية جراء القتال المستمر معها، خلال السنوات الثلاث الماضية، وانشغال الحكومة الفيدرالية بالخلافات الداخلية الناجمة عن النظام الذي تتبناه، وترفضه المعارضة وبعض الولايات الإقليمية. إضافة إلى ذلك ساهم الجفاف الحاد الذي تشهده البلاد في إضعاف مسلحي العشائر، وإجبارهم على إخلاء مواقعهم الدفاعية، مما أتاح للحركة فرصة التقدم، واستعادة زمام المبادرة.
ومع ذلك، ساعد جفاف نهر شبيلي الحركة في اختيار هذا التوقيت، إذ كان يشكّل سابقًا حاجزا طبيعيا بين مقاتليها في وسط البلاد وفي الجنوب. لكن مع جفافه أصبح التنقل بين مقاتليها أسهل، ما مكّنها من إدخال تعزيزات عسكرية من مناطق سيطرتها في الجنوب إلى جبهات القتال، كما أن الصراعات العشائرية، التي شهدتها محافظة شبيلي الوسطى خلال العامين الماضيين، ساهمت في تأجيج الاحتقان ضد الحكومة الفيدرالية، حيث شككت بعض العشائر في حيادية الحكومة فيما يتعلق بالصراع العشائري.
فيما يتعلق بتنقل مقاتليها عبر نهر شبيلي، أنشأت الحركة، قبل إطلاق حملتها العسكرية، جسرا اصطناعيا مخصصا لنقل المقاتلين والإمدادات اللوجستية عبره، دون أن تنتبه الحكومة الفيدرالية لذلك، مما مكّنها من الاستمرار في إرسال التعزيزات إلى الجبهات، غير أن جهاز المخابرات الصومالي أكد مؤخرا تدمير الجسر عبر غارات جوية نُسّقت مع الشركاء الدوليين، معتبراً أن هذا التطور أدى إلى محاصرة مقاتلي الحركة وقادتها الميدانيين في مناطق شبيلي الوسطى، نتيجة قطع جميع الطرق التي تعتمد عليها في الإمداد والتعزيزات.
تناقلت وسائل إعلام إثيوبية أنباء عن وصول تعزيزات عسكرية إثيوبية ضخمة إلى الحدود مع الصومال، تمهيدًا للتدخل داخل الأراضي الصومالية، خاصة في محافظتي هيران وشبيلي الوسطى، حيث تدور أعنف المواجهات
في ظل إنشاء الحركة للجسر الاصطناعي، وجّهت المعارضة انتقادات لاذعة للحكومة بسبب عدم انتباهها للمشروع قبل وأثناء تنفيذه. وفي هذا السياق، أكد السياسي المعارض والنائب في البرلمان الحالي، عبد الرحمن عبد الشكور، أن الرئيس حسن شيخ محمود كان منشغلا بتعديلات دستورية مثيرة للجدل، والمصادقة على قوانين وإنشاء لجان انتخابية غير قانونية، إلى جانب رحلات خارجية بحثاً عن دعم مالي، متهماً إياه بحصر جميع مهام الدولة في يده.
تعكس الانتصارات الميدانية السريعة التي حققها مقاتلو الحركة نيتها لاستعادة السيطرة على المناطق التي حُررت منها قبل عامين، وتعتمد خطتها لذلك على وسيلتين: الأولى، استغلال عنصر المفاجأة في ظل انشغال الحكومة بالخلافات الداخلية، والثانية، حشد ثقلها العسكري من خلال تركيز قواتها على هذه الجبهة، وهو ما يبدو أنها نجحت نسبيا في تحقيق أهدافها من خلال هذه الاستراتيجية.
في ظل التقدم الذي أحرزه مقاتلو الحركة، وإخفاق الجيش والقوات المساندة له حتى الآن في صد الهجوم، واستعادة المناطق التي توغلوا فيها خلال الأيام الأولى، فإن ذلك سيترتب عليه تداعيات أمنية وسياسية واسعة، لا تقتصر على المستقبل السياسي للرئيس حسن شيخ محمود فحسب، بل قد تمتد إلى الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن، وتأمين انسحاب القوات الأجنبية بعد انتهاء مهامها، وتسلم القوات الصومالية مسؤولية حفظ الأمن.
سياسيا، يمثل الهجوم مسمارا في نعش خطة الانتخابات المثيرة للجدل التي يتبناها الرئيس حسن شيخ محمود، فهو يُفقده الحجة التي طالما استند إليها، وهي أن الوضع الأمني قد تحسن خلال فترة رئاسته، مما يسمح بإجراء الانتخابات. وبالتالي، فإن مشروعه الانتخابي قد يواجه خطر التلاشي، وقد يجد نفسه مضطراً للانصياع لمطالب المعارضة، نظراً لفقدانه إحدى أبرز الأوراق التي كان يعوّل عليها.
مع الإخفاق في استعادة المناطق التي توغلت فيها حركة الشباب، يتآكل رصيد الإنجازات المحسوبة للرئيس حسن شيخ محمود في الحرب ضد الإرهاب، وهو الملف الذي يُعد أبرز ما يُحسب له في نظر الشارع الصومالي. خصوصا، بعد تحرير مساحات واسعة في وسط البلاد، مما سيحسب في خانة الفشل على مختلف المستويات في نظر الرأي العام، ويفتح المجال أمام المعارضة لاستغلال هذا الإخفاق للضغط عليه من أجل التراجع عن خطته الانتخابية، والجلوس إلى طاولة الحوار لمناقشة النموذج الانتخابي والقضايا الخلافية الأخرى بينهما.
بدأت المعارضة تحركاتها مبكرًا لتوظيف الفشل الميداني للحكومة لصالحها سياسيًا، ومؤخرا طالب نواب معارضون في مجلس النواب الفيدرالي، خلال مؤتمر صحفي عقد في مقديشو، الرئيس حسن شيخ محمود بالاستقالة، متهمين إياه بالفشل في إدارة البلاد، وإعاقة عمل المؤسسات الحكومية بسبب استئثاره بالقرار، وهيمنته على صلاحيات المسؤولين في الحكومة الفيدرالية.
يمثل هذا الهجوم مسمارا على نعش خطة الانتخابات المثيرة للجدل التي يتبناها الرئيس حسن شيخ محمود، إذ إنه يُفقده الحجة التي طالما استند إليها، وهي أن الوضع الأمني قد تحسن خلال فترة رئاسته، مما يسمح بإجراء الانتخابات
لا تقتصر التداعيات المحتملة لفشل الحكومة في استعادة المناطق التي خسرتها على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد إلى الجانب الأمني أيضا، لأن ذلك يشكل ذلك تهديدًا أمنيا مباشرا للعاصمة مقديشو، حيث يعني تقدم مقاتلي الحركة نحو محيطها، تعزيز قدرتهم على تنفيذ هجمات إرهابية داخل المدينة. مما قد ينعكس سلبا على أمنها، ويفاقم حالة عدم الاستقرار فيها، ما قد يضعف ثقة الشارع الصومالي والمجتمع الدولي في قدرة الحكومة الفيدرالية على إدارة الملف الأمني، وهزيمة مقاتلي حركة الشباب، ويمهد لزيادة عدد قوات بعثة أوسوم التابعة للاتحاد الإفريقي في البلاد. كما أنه من المحتمل أن يدفع ذلك بعض الدول، خاصة الدول المجاورة، إلى إدخال قوات لها خارج إطار البعثة، تحت ذريعة مواجهة خطر حركة الشباب.
تواجه الحكومة الصومالية في ظل هذه التطورات اختبارا صعبا، فإما أن تجمع قوتها وتضع دفاعاتها في المناطق التي انطلقت منها حملتها العسكرية قبل عامين، والتي حررت خلالها مساحات واسعة في وسط البلاد، مما يعني اعترافا بخسارة ما تحقق، أو أن تسعى لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها الحركة مؤخرًا. وفي حال فشل الخيار الأخير، ستكون العواقب وخيمة، ليس فقط على الحكومة الحالية، بل على استقرار البلاد برمته.