تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

حدود السير على الحبل المشدود سياسياً: ملاحظات على مقابلة غيتاتشو رضا

2 ديسمبر, 2025
الصورة
حدود السير على الحبل المشدود سياسياً: ملاحظات على مقابلة غيتاتشو رضا
Share

يبدو أن محاولة غيتاتشو رضا الموازنة بين البقاء السياسي والتحفّظ الخطابي تحمل في طيّاتها خطراً حقيقياً، يتمثّل في تطبيع حالة الإفلات من العقاب ذاتها التي دمّرت إقليم تيغراي. قد يوفّر الغموض قدراً من الهامش السياسي، لكنه يفعل ذلك على حساب الحقيقة ــ وعلى حساب الضحايا الذين لا تزال معاناتهم بلا اعتراف من جانب من يملكون السلطة.

يعدّ برنامج وجهاً لوجه (Head to Head) على قناة الجزيرة واحداً من أكثر المنابر السياسية صعوبة في وسائل الإعلام المعاصرة. فالجلوس في مواجهة مذيع مثل مهدي حسن، بأسلوبه الاستجوابي الحاد الذي لا يترك مساحة تُذكر للمراوغة أو الانزلاق الخطابي. ويتطلّب في المقابل قدراً كبيراً من الشجاعة ورشاقة فكرية عالية. اختيار الظهور على هذا المنبر يعني القبول بخضوع صارم للتدقيق والمساءلة. وفي مثل هذه الظروف، قدّم غيتاتشو رضا أداءً لافتاً من حيث تماسكه، حيث حافظ على هدوئه تحت الضغط، وتعامل مع أسئلة مهدي حسن المتلاحقة بانضباط سياسي يحسد عليه. في أي سياق آخر تقريباً، كان يمكن اعتبار ظهوره أداءً قوياً بالمعنى التقليدي للكلمة.

السعي إلى العدالة بعد جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية لا يحتمل كثيراً من «فن الممكن» بالمعنى الضيق. العدالة ليست موضوع مساومة، بل هي التزام أخلاقي. وإذا أصبح الطريق المؤدي إليها مسدوداً أو مخفّفاً أو مستحيلاً سياسياً

لكن هنا تحديداً تبدأ مواطن القلق الأعمق، بالنسبة لمن عاشوا الحرب في تيغراي أو تتبّعوا آثارها على نحو معمّق، فقد كانت الضبابية المفاجئة في مواقف غيتاتشو بشأن الإبادة الجماعية مدعاة لاضطراب عميق. لم يكن الأمر مجرد تغيّر في النبرة، بل تراجعا عن مواقفه الواضحة السابقة. فحديثه عن وقوع «جرائم مرتبطة بالإبادة الجماعية»، مع الإحالة إلى المحاكم لتحديد المسؤولية دون تسمية الأشخاص أو الجهات المعنية، بدا وكأنه محاولة متعمّدة لطمس حدود سبق أن رُسمت بشكل واضح وحاسم.

يزيد الأمر إشكالية أن حجّته بشأن غياب تهديد وشيك باندلاع حرب جديدة في الإقليم استندت إلى القول إن القادة المتورطين باتوا اليوم يمتلكون «قلوباً» مختلفة. هذا المنطق ينهار عند أول احتكاك بتاريخ السنوات القريبة. فهؤلاء القادة أنفسهم لم يُبدوا مثل هذه «الإنسانية» المزعومة عندما كانت الفظائع تُرتكب، والمدنيون يُستهدفون، والإقليم يخضع لحصار إنساني خانق. فإذا لم يَحُل هذا «التحفّظ الأخلاقي» دون الانحدار الأول نحو العنف، على أي أساس يُطلب منّا الوثوق به الآن؟

الإصرار على أن السلام المستقبلي يمكن أن يُبنى على حسن نوايا من أشرفوا على دمار واسع النطاق هو فصل التحليل عن الوقائع، واستبدال الأدلة بتاريخ من التمنّي والنسيان الانتقائي. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود طبقة من التعقيد يجب أخذها في الحسبان. فغيتاتشو رضا يتحرّك في سياق سياسي لا تُعدّ فيه النجاة ــ بالمعنيين الجسدي والسياسي ــ أمراً مضموناً.

من الممكن تماماً أنه يحاول رسم مسار جديد لم يتشكّل بعد، لكنه يأمل أن يظهر إنْ بقي قريباً بما يكفي من مراكز صنع القرار. قد يعتقد أن بقاءه على قيد الحياة، واستمراره داخل بنية النظام السياسي الإثيوبي، سيسمحان له في مرحلة لاحقة بالتأثير في تنفيذ اتفاق بريتوريا، أو الدفع نحو شكل من أشكال المساءلة من داخل المنظومة نفسها.

هذا التفسير مفهوم من حيث منطق البقاء السياسي، لكنه لا يجعل من موقفه الراهن موقفاً مبدئياً، ولا يجعله ــ من منظور العدالة ــ مقنعاً. ففي التاريخ السياسي لحظات تصبح فيها البراغماتية أداة ضرورية، وأخرى تتحوّل فيها البراغماتية نفسها إلى ما يشبه التواطؤ. السعي إلى العدالة بعد جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية لا يحتمل كثيراً من «فن الممكن» بالمعنى الضيق. العدالة ليست موضوع مساومة، بل هي التزام أخلاقي. وإذا أصبح الطريق المؤدي إليها مسدوداً أو مخفّفاً أو مستحيلاً سياسياً، فإن الحل لا يكون بتحريك العتبة الأخلاقية أو بتنعيم اللغة المستخدمة لوصف الفظائع.

الحديث عن وقوع «جرائم مرتبطة بالإبادة الجماعية»، مع الإحالة إلى المحاكم لتحديد المسؤولية دون تسمية الأشخاص أو الجهات المعنية، بدا وكأنه محاولة متعمّدة لطمس حدود سبق أن رُسمت بشكل واضح وحاسم

في مثل هذه اللحظات، تفرض النزاهة خيارين لا ثالث لهما: إما تسمية الظلم بوضوح والاحتجاج عليه، حتى ولو كان الثمن باهظاً على الصعيد الشخصي؛ وإما الاعتراف بحدود الموقع الذي يشغله المرء، مع الاستمرار في الدفاع عن المبادئ ذاتها من موقع أقل قوة، لكنه أكثر اتساقاً مع الضمير.

محاولة غيتاتشو رضا الواضحة للموازنة بين البقاء السياسي والتحفّظ في الخطاب تحمل خطر تكريس حالة الإفلات من العقاب التي دمّرت تيغراي. صحيح أن الغموض قد يفتح هامشاً من المناورة السياسية، لكنه يفعل ذلك على حساب الحقيقة، وعلى حساب الضحايا الذين لا تزال معاناتهم مستبعدة من قاموس السلطة ولغتها. وحين تُؤجَّل العدالة إلى أجل غير مسمّى، يصبح خطر أن تُلغى عملياً خطراً قائماً وحقيقياً.

إن التعويل على مؤسسات مستقبلية غامضة، أو على حسن نوايا قادة سبق أن أثبتوا عدم انضباطهم بمعايير الحدّ الأدنى من المسؤولية الأخلاقية، لا يمكن أن يكون أساساً جاداً للعدالة. العدالة الانتقالية، في جوهرها، تحتاج إلى وضوح في الرؤية، وشجاعة في التسمية، واستعداد لمواجهة الحقائق السياسية دون الخضوع الكامل لها.

العدالة قد تبدو أحياناً هدفاً طموحاً بعيد المنال، لكنها في الوقت ذاته حجر الزاوية لأي مصالحة حقيقية، وأي سلام مستدام، وأي شرعية أخلاقية يمكن أن يدّعيها الفاعلون السياسيون بعد حرب مدمّرة كتلك التي شهدتها تيغراي

هذا ليس نداءً إلى التهور، ولا تجاهلاً لما يعتمل في المشهد الإثيوبي من أخطار على حياة الفاعلين السياسيين المنتقدين. لكنه تذكير بأن بعض المبادئ ــ وعلى رأسها تلك المتصلة بالجرائم الجماعية والانتهاكات واسعة النطاق ــ لا ينبغي أن تُختزل إلى اعتبارات مصلحة ظرفية أو مقايضات سياسية قصيرة الأمد. العدالة قد تبدو أحياناً هدفاً طموحاً بعيد المنال، لكنها في الوقت ذاته حجر الزاوية لأي مصالحة حقيقية، وأي سلام مستدام، وأي شرعية أخلاقية يمكن أن يدّعيها الفاعلون السياسيون بعد حرب مدمّرة كتلك التي شهدتها تيغراي.

قد يكون غيتاتشو رضا صادقاً حين يعتقد أنه يسير في طريق غير معبّد نحو السلام والعدالة. لكن الطرق المؤدية إلى العدالة لا تُشقّ بالصمت ولا بالالتباس ولا عبر الاقتصار على تحفّظ بلاغي محسوب. هذه الطرق تُعبَّد بمواجهة الحقيقة، وتسمية المسؤوليات، والإصرار على أن الأرواح التي أُزهقت في تيغراي ليست «تفصيلاً سياسياً» مزعجاً، بل التزاماً أخلاقياً لا يمكن القفز فوقه.

وإذا كانت العدالة قد أصبحت ــ في البنية الحالية للسلطة ــ هدفاً يبدو مستحيلاً أو بعيد المنال، فإن الرد لا يكون بتخفيف معاييرها أو تمييع خطابها، بل بالاستمرار في المطالبة بها، من أي موقع يتيسّر، مهما كان هذا الموقع هشّاً أو مهدَّداً. ما عدا ذلك، يهدّد بأن يتحوّل أصحابه، عن قصد أو عن غير قصد، إلى أدوات في عملية محو معاناة ينبغي أن تُستحضَر، وتُسجَّل، وتُواجَه بالمساءلة وجبر الضرر، لا أن تُطوى تحت غطاء الغموض السياسي أو حسابات البقاء في السلطة.