تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

هذه المرة، لا يتّسع كأس العالم للعالم

11 يونيو, 2026
الصورة
هذه المرة، لا يتّسع كأس العالم للعالم
Share

عادةً ما تسبق كأس العالم أجواء ومراسم ترحيب تنظمها الدول المضيفة، غير أن التحضيرات لنسخة هذا العام اتخذت مسارًا مختلفًا. فقد طغت على المشهد شروط الدخول المشددة التي فرضتها إدارة ترامب، بعدما طالت لاعبين ومشجعين وحكامًا، وحولت البطولة من مناسبة كروية عالمية إلى اختبار سياسي لحدود المشاركة والعبور.

بدأت القصة قبل أسابيع قليلة، حين واجه المهاجم السويسري الكاميروني الأصل، ونائب قائد منتخب بلاده، بريل إمبولو، مشكلات مفاجئة في طلبه عبر نظام التصريح الإلكتروني للسفر ESTA، ما اضطره إلى التخلف عن رحلة فريقه إلى الولايات المتحدة. وفي الفترة نفسها تقريبًا، وجد المدافع المغربي زكريا الواحدي، المتوَّج أفضل لاعب أفريقي في الدوري البلجيكي، نفسه أمام المشكلة ذاتها، فتخلف هو الآخر عن السفر مع فريقه.

لكن القضية الأبرز انفجرت في 7 يونيو/حزيران، عندما مُنع الحكم الصومالي عمر عرتين، أحد الحكام الأفارقة السبعة المختارين لإدارة مباريات في كأس العالم 2026، من دخول الولايات المتحدة عبر مطار ميامي الدولي. كان عرتن في طريقه إلى مقر معسكر إعداد الحكام، قبل أن يتحول وصوله إلى المطار إلى واقعة إقصاء أثارت أسئلة واسعة حول التمييز، وحدود سلطة الدولة المضيفة في بطولة يفترض أن تكون مفتوحة للعالم.

الصوماليون شعب فخور. لا نهتم بما يقوله ترامب أو غيره. ما يفطر القلب هو أن هذه الأجندة حرمت شابا مجتهدا ونزيهًا من حلمه

وللتوضيح، لم يكن منع عرتن من دخول الولايات المتحدة مرتبطًا بأي شكوك في كفاءته المهنية. فالحكم البالغ من العمر 33 عامًا يُعد واحدًا من أبرز الأسماء الصاعدة في التحكيم الأفريقي. في عام 2024، سجّل ظهوره الأول في كأس أمم أفريقيا، وفي عام 2025 كان الحكم الوحيد من أفريقيا جنوب الصحراء الذي شارك في إدارة مباريات كأس العالم تحت 20 عامًا. وقبل أسابيع قليلة فقط، أُسندت إليه واحدة من أهم المباريات على مستوى الأندية في القارة، وهو نهائي دوري أبطال أفريقيا 2025/2026 بين فريق ماميلودي صنداونز الضيف وفريق إيه إس فار المضيف.

في ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، وسط أجواء صاخبة وضغط جماهيري كبير، قدّم عرتن ما يفسر صعود اسمه السريع بين أفضل حكام القارة. فقد أدار المباراة بهدوء وثبات، وحافظ على نسقها في لحظات شديدة الحساسية، بما ترك الكلمة الأخيرة للاعبين داخل الملعب، وليس لقرارات التحكيم المثيرة للجدل.

لم تكن أوراقه الثبوتية موضع التباس، بحسب ما أكده عرتين نفسه. ففي حديثه إلى الصحافة، قال إنه كان يحمل الوثائق المطلوبة والتأشيرة الصحيحة، ومع ذلك احتُجز في مطار ميامي لمدة إحدى عشرة ساعة قبل أن يُعاد إلى إسطنبول.وقال: "كانت لدي الأوراق الصحيحة وكل شيء. كانت لدي التأشيرة الصحيحة".

خلال مرحلة الترشح لاستضافة كأس العالم 2026، شدد الاتحاد الدولي لكرة القدم، فيفا، على أن إجراءات التأشيرات في الدولة المضيفة يجب أن تُطبّق على نحو غير تمييزي. غير أن منع عرتن من دخول الولايات المتحدة بدا فعلًا واضحًا من أفعال التمييز على أساس الجنسية. وكما كان متوقعًا، جاء رد فيفا محدودًا وبلا أثر عملي.

فقد قالت المنظمة في بيانها إنها لا تتدخل في إجراءات الهجرة الخاصة بالدولة المضيفة، بما في ذلك البت في طلبات التأشيرات، مضيفة أنها أُبلغت من السلطات بأن وضع السيد عرتن لن يتغير في الوقت الحالي.في هذا السياق، لا يبدو أن ثمة تفسيرا أقرب لإبعاد عرتن من كونه امتدادًا للحملة السياسية العدائية التي قادها دونالد ترامب ضد الصوماليين والجالية الصومالية في الولايات المتحدة. وقد اختصر عرتن الأمر بجملة موجعة حين قال: "أعتقد أن لديهم مشكلة مع بلدي".

إلى متى سيواصل فيفا التساهل مع دولة مضيفة تفسد احتفالًا لا تملكه وحدها؟ وإلى متى يُترك لرجل واحد أن يحوّل لعبة العالم إلى امتداد لسياساته وعداواته؟

نكمن وجه قسوة هذه القصة في أنها لا تتعلق بحكم مُنع من دخول بلد فحسب، بل بنسف مسار كامل من العمل الشاق بمجرد قرار إداري تعسفي. فمشاركة عرتن في كأس العالم لم تكن إنجازًا شخصيًا له وحده، بل كانت أيضًا فرصة نادرة للصوماليين كي يشعروا بأنهم حاضرون فعلًا في بطولة يفترض أنها تمثل العالم كله.

يقول عبد الرزاق أحمد، مدير منصة Somali Athlete الرياضية، إن "عمر عرتن يفتح الباب أمام جيل يحتاج إلى أن يرى نفسه حاضرًا في هذه الرياضة". أما محمد صلاد، الصحفي الرياضي الصومالي، فيستعيد لحظة ظهوره الأول في كأس أمم أفريقيا قائلًا: "كانت أول مباراة له بين ناميبيا وتونس عام 2024. تابعها الآلاف منا لمجرد مشاهدته. كنا نبحث في جداول الحكام لنعرف موعد مباراته التالية. من يفعل ذلك؟".

بالنسبة إلى الدول ذات الحضور الكروي المحدود، مثل الصومال، لا تقتصر المشاركة في بطولة كبرى على اللاعبين وحدهم. فقد يكون وجود حكم في كأس العالم واحدًا من السبل القليلة التي يشعر عبرها بلد كامل بأنه جزء من المناسبة. وهذا ما عرفته جماهير سيشل، على سبيل المثال، حين وجدت في الحكم إيدي ماييه مصدر فخر وطني، بعدما ظل لأكثر من عقد بين أبرز حكام القارة الأفريقية.

وفي الصومال، تحوّل عرتن بالفعل إلى رمز للفخر الرياضي الوطني. فعندما اختير أفضل حكم في جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم لعام 2025، تلقى التهاني من رئيس البلاد ورئيس وزرائها، في لحظة بدت أكبر من إنجاز فردي عابر.

عمر عرتن يفتح الباب أمام جيل يحتاج إلى أن يرى نفسه حاضرًا في هذه الرياضة

يقول صلاد: "عندما اختير أفضل حكم أفريقي في العام، كانت تلك واحدة من أكثر اللحظات فخرًا في تاريخ الرياضة الصومالية. واحد منا، وُلد في الوطن، وشق طريقه بنزاهة داخل المنظومة، ومثلنا بفخر. كانت لحظة جميلة".

لكن أجندة سياسية قائمة على الكراهية انتزعت من عرتن فرصة مستحقة للتألق على المسرح الدولي، لا القاري فقط، وانتزعت من الصوماليين لحظة نادرة كانوا يستحقون أن يشاركوه فيها. ويختم صلاد قائلًا: "الصوماليون شعب فخور. لا نهتم بما يقوله ترامب أو غيره. ما يفطر القلب هو أن هذه الأجندة حرمت شابًا مجتهدًا ونزيهًا من حلمه".

لم يكن عرتن إذن حالة معزولة، بل واحدا من كثيرين في الجنوب العالمي حُرموا، بقرار سياسي أو إجراء تمييزي، فرصة الوصول إلى أحلامهم. وبالنسبة إلى مليارات يتابعون كأس العالم من بعيد، يبقي السؤال الأكثر إلحاحًا، إلى متى سيواصل فيفا التساهل مع دولة مضيفة تفسد احتفالًا لا تملكه وحدها؟ وإلى متى يُترك لرجل واحد أن يحوّل لعبة العالم إلى امتداد لسياساته وعداواته؟

المزيد من الكاتب