الثلاثاء 14 يوليو 2026
في روايته الجديدة «عائلة شجرة الليمون»، يواصل الروائي السوداني حامد الناظر انشغاله بأسئلة الحرب والذاكرة والإنسان، مغادرًا السرد التوثيقي المباشر للخراب إلى مساءلة أثره العميق في النفوس والعلاقات والذاكرة الجماعية. ففي عمله الجديد، تتحول الحرب من حدث سياسي إلى تجربة وجودية، تعيد تعريف مفهوم البيت والعائلة والانتماء، بينما تصبح المحبة والتشبث بالتفاصيل اليومية شكلًا من أشكال مقاومة الفناء.
في هذا الحوار، يتحدث حامد الناظر عن البذرة الفلسفية التي انطلقت منها الرواية، وعن الحرب بوصفها فكرة تبدأ في عقل واحد قبل أن تستقر في ذاكرة الجميع، كما يتوقف عند رمزية شجرة الليمون، وحدود العلاقة بين الخاص والوطني، والسؤال الذي ظل يرافق كتابة الرواية: كيف يواصل الإنسان الحياة بعد أن ينهار العالم الذي كان يعرفه؟ بين السرد والتأمل، يقدم الناظر رؤية تنفتح على التجربة السودانية، لكنها تتجاوزها إلى أفق إنساني أرحب، حيث يغدو الأدب محاولة لفهم ما يبقى من الإنسان بعد الكارثة، أكثر من كونه محاولة لتفسيرها.
نص الحوار
حامد الناظر: إلى حدٍّ كبير، نعم. هذه العبارة ليست مجرد جملة لافتة، بل هي المفتاح الذي يفتح باب الرواية كلها. هي مقولة بدر الدين الخواجة، الشخصية المحورية في العمل، وقد وضعتها عتبةً للنص في الصفحة التي تسبق بداية الرواية، ثم تعود في النهاية داخل شهادة شقيقته بدرية، وكأن معناها يكتمل بعد أن مرّ القارئ بكل ما جرى. لعلي أردت القول إن الحرب لا تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل قبل ذلك بكثير، بفكرة تجد طريقها إلى عقل إنسان، لكنها حين تنتهي لا تخرج من ذاكرة الناس بسهولة، بل تظل تعيش فيها، ربما لأجيال تالية، وهذه هي خطورة الحرب. لذلك جاءت هذه العبارة إطارًا فلسفيًا يربط بداية الرواية بنهايتها، ويختصر رؤيتها للحرب والذاكرة والإنسان.
حامد الناظر: أعتقد أن هذه قراءة ممكنة للرواية، بل إنها تلامس أحد أسئلتها المركزية. فالحرب في «عائلة شجرة الليمون»، كما في الواقع، هي مسار يبدأ بفكرة أو بخيال أو بقناعة تتسلل إلى عقل فرد، ثم تنتقل إلى الجماعة حتى تصبح واقعًا يفرض نفسه على الجميع. وحين تبلغ الحرب نهايتها، لا تنتهي آثارها بانتهاء القتال، بل تستقر في الذاكرة الجماعية، حيث يتحول الناجون إلى حَمَلة لذاكرة لم يختاروها، لكنها أصبحت جزءًا من تعريفهم لأنفسهم.
من هذا المنظور، يصبح التذكّر أكثر من مجرد استعادة للماضي؛ إنه مسؤولية أخلاقية تجاه المستقبل أيضًا. فالرواية تنظر إلى الذاكرة باعتبارها مساحة للتأمل والمساءلة، ومحاولة لفهم كيف تتحول الأفكار الصغيرة إلى كوارث كبرى إذا لم تُراجع وتُختبر. لذلك تبدو الكتابة نفسها فعلًا لمقاومة النسيان، لأن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر قابلية لإعادة إنتاج المآسي ذاتها بعناوين وشعارات مختلفة.
حامد الناظر: على نحوٍ ما، كنت حريصًا على أن أقدم شكلًا آخر من المقاومة، بعيدًا عن معناها التقليدي المباشر. فالحرب لا تدمّر المدن وحدها، بل تستهدف الذاكرة والعلاقات والثقة بين الناس، ولذلك فإن التمسك بالمحبة والعائلة والقيم يصبح فعلًا مقاومًا بحد ذاته. في الرواية، العائلة ليست مجرد مجموعة أفراد، بل استعارة للوطن بكل ما فيه من انقسامات وآمال ورغبة دائمة في الالتئام. أردت أن أقول إن الإنسان قد يخسر بيته أو مدينته، لكنه، ما دام قادرًا على الحفاظ على إنسانيته، وعلى روابطه مع الآخرين، فإنه يرفض أن يمنح الحرب نصرها الكامل. فالحب هنا ليس نقيض الحرب فقط، بل أحد أكثر أشكال الانتصار عليها عمقًا واستدامة.
حامد الناظر: يمكن قراءتها بهذه الطريقة. فالرواية تنشغل بما يبقى في الإنسان وسط العواصف الكبرى: قدرته على المحبة، وتمسكه بالعائلة، وإحساسه بالمكان، واستعداده لرؤية الآخر بوصفه شريكًا في المصير الإنساني. هذه القيم تمنح الشخصيات مساحة لاستعادة إنسانيتها، وتجعل الروابط الإنسانية والذاكرة والتعاطف عناصر تعيد تعريف معنى الحياة في أكثر اللحظات قسوة. بهذا المعنى، تصبح حماية القلب والهوية والعلاقة بالآخر شكلًا من أشكال الانتصار الإنساني الذي تتأمله الرواية، وتثير الأسئلة بشأنه.
حامد الناظر: لم أكتب هذه الرواية لتكون سجلًا مباشرًا لمأساة الحرب السودانية، فهذه مهمة التاريخ، ولا لتكون شهادة على الخراب، فذلك تفعله الأخبار كل يوم. ما أردته هو أن أقترب من اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه واقفًا فوق أنقاض عالمه، محاولًا أن يفهم ما الذي بقي منه، وما الذي يمكن إنقاذه.
السودان هو المكان الذي تنطلق منه الحكاية، لكنه ليس حدودها. ما يشغلني هو أسئلة الذاكرة، والهوية، والانتماء، والعائلة، وكيف يعيد الإنسان بناء نفسه بعد أن ينهار كل ما كان يعتقد أنه ثابت. لذلك أرى أن الرواية لا تتحدث عن الحرب بقدر ما تتحدث عن الحياة وهي تحاول أن تستعيد معناها بعد الحرب.
حامد الناظر: لأن الحروب نفسها تكسر منطق الواقع. في لحظات الخراب الكبرى تصبح الحدود بين الحقيقة والذاكرة، وبين الحلم واليقظة، أقل صلابة مما نتصور. لذلك شعرت أن الواقعية وحدها لن تستطيع أن تلتقط ما يحدث في الداخل الإنساني، ولا أن تعبر عن ثقل الفقد واستمرار حضور الغائبين في حياة من بقوا. أما النفحة الصوفية، فلم تأتِ للزخرفة، بل لأنها تفتح بابًا للتأمل في أسئلة المصير والمعنى والروح، وتمنح الشخصيات مساحة لمواجهة ما يتجاوز التفسير العقلي المباشر. لعلي أردت أن تبدو الرواية وفية للحقيقة الإنسانية، لا للحقيقة الواقعية فقط، لأن الأولى أوسع وأعمق، خاصة في زمن الحرب.
حامد الناظر: أظن أن الأمرين متداخلان إلى درجة يصعب الفصل بينهما. فالتكوين الثقافي السوداني، بتعدد روافده الأفريقية والعربية وغيرهما، وحضور التصوف والموروث الشفهي والأساطير المحلية، كوَّن مخيلة لا ترى العالم منقسمًا بحدود صارمة بين المرئي والخفي. في هذه المخيلة، يمكن للحلم أن يحمل حقيقة، وللروح أن تظل فاعلة في حياة الأحياء، وللذاكرة أن تكون كائنًا حيًا، لا مجرد سجل للماضي.
لكن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن التاريخ السوداني نفسه ممتلئ بتحولات عنيفة: حروب، ونزوح، وانقطاعات، وفقدان جماعي. في مثل هذه التجارب، يصبح الواقع الظاهر عاجزًا عن التفسير، فتبحث الرواية عن لغة أوسع من الوقائع المجردة. عندها لا تأتي الأشباح أو الرؤى أو العناصر الصوفية هروبًا من الواقع، بل وسيلة للاقتراب من أعماقه، وللتعبير عن آثار لا تُرى بالعين، لكنها تعيش في النفوس والذاكرة.
لذلك يبدو الأدب السوداني وكأنه يوسّع تعريف الواقع بدلًا من أن يغادره. فهو يتعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا يعيش في الزمن، لكنه يحمل أيضًا إرث الأسلاف، وأحلامه، ومخاوفه، وأصوات الغائبين. ومن هنا تصبح الحدود بين العالمين أقل صرامة، لأن التجربة الإنسانية نفسها، كما يقدمها الأدب السوداني، أوسع من أن تُختزل في ما هو مرئي أو قابل للتوثيق فقط.
حامد الناظر: أظن أن الأدب لا يملك أن يداوي جراح الحرب بالمعنى المباشر؛ فهناك خسارات لا تُمحى، وأرواح لا تعود، وبيوت لا يعيدها السرد إلى أصحابها. لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا لا يقل أهمية: أن يمنح الألم لغة، كما تفضلت، وأن يمنح الذاكرة صوتًا.
حين تُروى الحكاية، لا تختفي المأساة، لكنها تتحول من جرح معزول إلى تجربة إنسانية مشتركة، ومن معاناة فردية إلى ذاكرة يمكن للآخرين أن يصغوا إليها ويتعلموا منها. لذلك أؤمن أن مهمة الأدب ليست مداواة الجراح بقدر ما هي مقاومة آثارها على الوعي والذاكرة؛ أن يحفظ الإنسان من أن يُختزل إلى رقم في نشرات الأخبار، وأن يعيد له صوته وحكايته.
حامد الناظر: شجرة الليمون يمكن تأويلها هنا بوصفها «نقطة ثبات صغيرة» داخل كون مضطرب، وليست بالضرورة تمثيلًا لبلد كامل. فهي تعمل حدًّا فاصلًا بين الداخل والخارج: بين البيت والعالم، وبين الحميمي والعنيف، وبين ما يمكن حمايته وما لا يمكن التحكم فيه.
بهذا المعنى، تصبح الشجرة مساحة مقاومة من نوع مختلف: مقاومة عبر الاستمرارية اليومية، لا عبر البطولة أو المواجهة المباشرة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحرب بوصفها قوة تعيد تعريف معنى «المكان» نفسه، وإلى الشجرة كأنها تحاول تثبيت شيء رمزي أكثر من كونه ماديًا: فكرة أن الحياة تستمر حتى عندما يفقد العالم انتظامه.
لا أظنني أستطيع النظر إلى الشجرة بوصفها استعارة مباشرة للسودان، وأقول هذا الآن من خارج النص، كما لو كنت قارئًا. إذن يمكن النظر إليها بوصفها مرآة لتجربة الإنسان تحت الضغط: كيف يحاول أن يُبقي شيئًا بسيطًا ومألوفًا، مثل رائحة، أو ظل، أو عادة يومية، في مواجهة عالم يتفكك. هنا تصبح دلالتها أكثر إنسانية، وأقل «وطنية» بالمعنى الرمزي المباشر.
حامد الناظر: الرواية فضاء للسؤال أكثر منها مساحة للتفسير، ولعل دورها أن تضع القارئ داخل توتر مستمر بين ما ينهار وما يحاول أن يتشكّل من جديد، دون أن تُغلق هذا التوتر على معنى واحد.
الحياة بعد الانهيار تبدو نوعًا من محاولات الاستعادة، لحظة بلحظة: تفاصيل صغيرة تستعيد حضورها داخل فراغ كبير، وذاكرة تتقاطع مع الحاضر دون أن تندمج فيه تمامًا، وعلاقات تتكوّن تحت ضغط الفقد، لا خارجه. وما يبقى في الخلفية هو إحساس بأن كل محاولة للفهم تُعيد فتح السؤال من جديد.
شجرة الليمون، في هذا السياق، تتحول إلى علامة تقود النظر أكثر مما تقوده إلى إجابة: شيء ينمو في مكان هش، ويستمر في الظهور وسط ما يتبدّل، وكأنه يوجّه الانتباه إلى كيفية استمرار الحياة نفسها، بدلًا من تفسير سبب استمرارها.
بهذا الفهم، تنفتح الرواية على فكرة أن السؤال عن «كيف يُعاش ما بعد الانهيار؟» يظل حاضرًا في كل تفصيل سردي، وأن النص يشتغل على إبقاء هذا السؤال حيًّا، أكثر من اشتغاله على الوصول إلى نقطة إغلاق له.