تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

هاكونا ماتاتا والاقتصاد العاطفي للمشكلات الأفريقية

6 يناير, 2026
الصورة
هاكونا ماتاتا والاقتصاد العاطفي للمشكلات الأفريقية
Share

من خلال متابعتي للمنتخبات الأفريقية المشاركة في كأس أمم أفريقيا 2025، التي تحتضنها المملكة المغربية، اعتدتُ دائما أن أستعيد بعض الخصوصيات الثقافية للبلدان الحاضرة في هذا الموعد القاري. وكان مما استوقفني في حالة تنزانيا اعتماد اللغة السواحيلية لغة رسمية، قبل أن يقودني هذا الخيط الثقافي إلى استحضار أغنية شهيرة في فيلم "الأسد الملك" والذي عرض أول مرة في 15 يونيو/حزيران 1994، تتردّد فيها لازمة "هاكونا ماتاتا"، والتي تعني: "لا مشكلة". وليس من نافلة القول إنّ الألفاظ ليست بريئة؛ فكثيرا ما تختزن خلف بساطتها الظاهرية طبقات من المعاني، وتاريخا من التمثّلات والتعقيدات.

لا يبدو الرضى بالواقع في هذا الأفق، تعبيرًا عن سذاجة أو استسلام أو إنكار للمشكلات، بقدر ما يتجلّى بوصفه آلية ذهنية للبقاء: كيف يواصل الإنسان حياته حين تضيق إمكانات التغيير، أو تنغلق آفاق الفعل التنموي؟ ومن ثمّ، لا يصحّ التعامل مع عبارة "هاكونا ماتاتا" بوصفها مجرّد شعارٍ مرح أو فلسفةٍ ساذجة للاسترخاء. فهي، في أصلها التداولي، استجابة لغوية لوضعٍ ملموس، وطريقة لتخفيف ثقل اللحظة، لا لإنكار الواقع أو القفز عليه.

غير أنّ انتقال هذه العبارة من سياقها الأفريقي المحدَّد إلى الفضاء العالمي حوّلها من أداة تكيّف ظرفية إلى أيديولوجيا ترسخ منطق استدامة الرضى، مجرَّدة من شروطها التاريخية والاجتماعية. وهنا تبدأ المفارقة: حين تنفصل الكلمات عن عوالمها، لا تفقد معناها فحسب، بل يُعاد تشكيله على نحو يخدم توقّعاتٍ أخرى، وحاجات لا تمتّ بالضرورة إلى سياقها الأول بصلة.

لا تختلف "هاكونا ماتاتا" في هذا المعنى، كثيرا عن الخطاب التحفيزي العالمي الذي يعد بالسعادة الفردية، دون أن يقترب من شروط إنتاج التعاسة. فما يُستهلك عالميًا باسمها ليس تجربة أفريقية بقدر ما هو حاجة كونية إلى عواطف منخفضة الكلفة

وإذا كان من الممكن قراءة "هاكونا ماتاتا" بوصفها حالةً نموذجية، فإنّ قيمتها التفسيرية تتّضح أكثر حين نربطها بما يمكن تسميته الاقتصاد العاطفي العالمي، والذي نقصد به ذلك النظام غير المعلن الذي تُنتَج فيه المشاعر، وتُعاد صياغتها، وتُتداول عبر الحدود بوصفها موارد رمزية قابلة للاستهلاك. ففي عالم يتّسم بتزايد الضغوط الاقتصادية، وتسارع الإيقاع، وتآكل اليقين، لم تعد السلع وحدها هي ما يُصدَّر ويُستورد، بل المشاعر أيضًا: الطمأنينة والتفاؤل والأمل والفرح الخفيف الذي لا يطالب بشيء... والذي يمكن خلقه بأقل جهد وأتفه مشروع.

تؤدّي بعض السياقات الأفريقية دورا مركزيا، من حيث تطويرها تاريخيًا، أشكالا كثيفة من تدبير المشاعر الجماعية في ظل أزمات ممتدّة. فالكلمة والأغنية والشعر والمثل الشعبي لم تكن مجرّد أدوات تعبير، بل آليات لإعادة تدبير الغضب وتأجيل انفجاره، وتحويله إلى طاقة قابلة للاحتمال. ومن هنا، لا يكون الفرح نقيض الألم، بل صيغته القابلة للحياة.

تندرج "هاكونا ماتاتا" في هذا الإطار بوصفها تعبيرا مكثّفا عن هذا الاشتغال العاطفي: عبارة بسيطة وقصيرة وقادرة على حمل معنى يفوق بنيتها اللغوية. فهي لا تلغي الواقع، ولا تعد بتغييره، وإنما تتيح مسافة نفسية بين الإنسان وثقل لحظته. غير أن دخولها إلى السوق الرمزية العالمية غير موقعها ووظيفتها؛ إذ لم تعد جزءا من اقتصاد محلي لتدبير التوتّر، بل صارت سلعة عاطفية جاهزة، تُستهلك بوصفها وعدا دائما بالراحة، منفصلة عن شروط إنتاجها.

لا تختلف "هاكونا ماتاتا" في هذا المعنى، كثيرا عن الخطاب التحفيزي العالمي الذي يعد بالسعادة الفردية، دون أن يقترب من شروط إنتاج التعاسة. فما يُستهلك عالميًا باسمها ليس تجربة أفريقية بقدر ما هو حاجة كونية إلى عواطف منخفضة الكلفة: فرح بلا التزام، أمل بلا مشروع، وطمأنينة لا تستدعي مواجهة الأسباب البنيوية للقلق.

فحين يطلب من أفريقيا أن تصدر الفرح، يُصادَر منها الحق في الغضب؛ وحين يُحتفى بقدرتها على "التكيّف"، يُتجاهل حقّها في الاعتراض؛ وحين تُستهلك كلماتها بوصفها بلسمًا كونيا، تُفرَّغ من سياقها، ويُنزَع عنها بعدها الاحتجاجي الصامت

ولا يمكن فهم هذا الاقتصاد العاطفي بمعزل عن الإطار الأوسع الذي تنتظم فيه النيوليبرالية بوصفها عقلانيةً شاملة لإدارة الحياة. فهي لا تكتفي بإعادة تنظيم السوق والعمل والدولة، بل تمتدّ إلى إدارة المشاعر ذاتها: كيف نحزن؟ وكيف نفرح؟ وكيف نتحمّل القلق دون أن نحوله إلى سؤال سياسي أو اجتماعي؟ في هذا السياق، تغدو صناعة الترفيه -والسينما في مقدّمتها- أداةً مركزية لإنتاج مشاعر خفيفة، قابلة للاستهلاك السريع، ولا تستدعي مساءلة البنى التي تولد الألم أصلا.

لا يطلب من الفرد تغيير واقعه ضمن هذا المنطق، وإنما التكيّف معه عاطفيا. تُقدَّم له وصفات جاهزة للطمأنينة والرضى، بوصفها بدائل رمزية عن العدالة والاستقرار والمعنى. وهنا تلتقي النيوليبرالية مع الاقتصاد العاطفي: الأولى تُفرغ الفضاء العام من إمكانات الفعل الجماعي، والثاني يملأ هذا الفراغ بعواطف مُدارة، تُخفّف التوتّر دون أن تمسّ أسبابه البنيوية.

ليست المشكلة، إذن، في الاحتفاء بالفرح أو البحث عن الطمأنينة، بل في تحويلهما إلى واجب أخلاقي، وإلى معيار للنجاح الفردي. حين يُطلب من الإنسان أن يكون سعيدًا مهما كانت الشروط، يصبح الحزن فشلًا شخصيًا، ويغدو الغضب خللًا نفسيًا، لا ردّ فعل مشروع على اختلال العالم.

من هنا، ربما لا ينبغي أن ينصبّ السؤال على "هاكونا ماتاتا" بوصفها تعبيرا ثقافيا، بل على ما يُسمّى أصلًا "المشكلات الأفريقية". فمن يحدّد طبيعتها؟ ومن يملك سلطة توصيفها؟ ولماذا تُختزل، في المخيال العالمي، في الفقر والهشاشة، لا في تاريخ طويل من العنف البنيوي، والاستغلال الاقتصادي، واختلال النظام العالمي؟

لم تعد السلع وحدها هي ما يُصدَّر ويُستورد، بل المشاعر أيضا: الطمأنينة، التفاؤل، الأمل، والفرح الخفيف الذي لا يطالب بشيء

ولعلّ السؤال الأجدر، إذن، ليس فقط عن الإحاءات والإشارات التي نستشفها من انعدام المشكلة، هاكونا ماتاتا فقط؟ وإنما لماذا يُراد لها أن تقول ذلك دائما؟ ولماذا يعاد إنتاج هذا القول بوصفه الجواب الثقافي الوحيد الممكن على واقع مُثقل بالأزمات؟ فحين يُنتظر من أفريقيا أن تبتسم في وجه اختلالات لم تصنعها وحدها، يتحوّل الفرح من تعبير إنسانيّ مشروع إلى وظيفة رمزية تُستدعى كلّما طُرحت أسئلة غير مرغوب فيها.

إنّ استهلاك الفرح الأفريقي- لغةً وأغنيةً وصورة- لا يجري في فراغ، بل داخل منظومة عالمية تُفضل الحلول العاطفية السريعة على المواجهات السياسية المكلفة. فبدل تسمية المشكلات بأسمائها: اختلالات أو استمرار أنماط التبعية، هشاشة السيادة الاقتصادية، وتراكم العنف البنيوي، يُقترح علينا اختزال كلّ ذلك في مزاج جماعي يدار بالشعارات. هكذا لا تُلغى المشكلة، بل يُعاد تعريفها: لم تعد بنيوية أو تاريخية، بل نفسية، قابلة للعلاج بابتسامة أو أغنية.

وفي هذا التحويل تكمن المفارقة الأخطر. فحين يطلب من أفريقيا أن تصدر الفرح، يُصادَر منها الحق في الغضب؛ وحين يُحتفى بقدرتها على "التكيّف"، يُتجاهل حقّها في الاعتراض؛ وحين تُستهلك كلماتها بوصفها بلسمًا كونيا، تُفرَّغ من سياقها، ويُنزَع عنها بعدها الاحتجاجي الصامت. لا يعود الفرح هنا تعبيرا عن حياة، بل شرطا لقبول الحياة كما هي.

لذلك، لا يكمن التحدّي في استعادة المعنى الأصلي لعبارة مثل "هاكونا ماتاتا"، بل في كسر الإطار الذي يُراد لها أن تعمل داخله. إطار يجعل من أفريقيا مختبرا للصبر، ومخزنا للطمأنينة، ومورّدا دائما لمعاني التخفيف، فيما تبقى أسباب الألم في مأمن من المساءلة. عند هذه النقطة تحديدا، يصبح السؤال الثقافي سؤالا سياسيا بامتياز: ليس ماذا تقول أفريقيا للعالم، بل ماذا يريد العالم أن يسمعه منها، وماذا لا يريد أن يسمعه أبدا.