الأحد 18 يناير 2026
ما أن عقدت إثيوبيا اتفاق بريتوريا للسلام، مع "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، حتى افترقت عنها إريتريا، وتحولا من القتال في خندق واحد، جنباً إلى جنب ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، إلى حافة الهاوية مباشرةً، فكلاهما انقلب من النقيض إلى النقيض، لدرجة أن كلاً منهما بدأ في دعم معارضي الطرف الآخر.
فها هي إثيوبيا تستضيف المعارضة الإريترية، وبخاصة تلك التيارات السياسية الراديكإلىة، وتسمح لهم بتنظيم فعالياتهم علناً، وبإطلاق الدعوات لإسقاط النظام الإريتري، وفيهم من يدعو إلى حمل السلاح، وفيهم من يدعو إلى الانفصال عن أسمرة. بينما تمد إريتريا جسورَ التعاون والدعم، فيما بينها وبين متمردين مناهضين للحكومة الإثيوبية الاتحادية، وبخاصة أولئك الذين يحملون السلاح ضدها.
في مثل هذه الأجواء المشحونة، يثور التساؤل عن مآلات هذا التصعيد المستمر، وعن احتمالات مضي طرفيه قدماً، وصولاً إلى إشعال حرب شعواء، لو اندلعت من المؤكد أنها لن تقف عند حدود طرفيها، إنما ستمتد لتشعل القرن الأفريقي بأكمله، وذلك بسبب تشابك وتداخل وتقاطع المصالح، فيما بين دول الإقليم وبين فاعلين آخرين إقليميين ودوليين مؤثرين، لا شك في أنهم سيتدخلون عندئذ لحماية مصالحهم.
في تقارب وتعاون بين البلدين، أرسلت إريتريا قواتها إلى إقليم "تيجراي" أواخر عام 2020، لتحارب جنباً إلى جنب مع القوات الإثيوبية الاتحادية، دعماً لها في حربها التي استمرت لعامين، على "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، ومع ذلك كادت قوات "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" أن تنتصر، وكانت في مرحلة ما قاب قوسين أو أدنى من دخول أديس أبابا، غير أن التسليح الذي تلقاه "آبي أحمد"، من دول أخرى تعاونت معه، غَيَّرَ موازين القوى.
من هنا أُجْبِرَت "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" في نهاية المطاف، على القبول باتفاق بريتوريا للسلام، والذي عُقِد في غياب أسمرة، وهو ما استفز أسياس أفورقي، خصوصا وأن الاتفاق ينص على مغادرة قوات أسمرة، لكامل أراضي إقليم "تيجراي"، بينما لم يتم ترسيم الحدود ووضع العلامات الفاصلة بين البلدين، تنفيذاً لاتفاق الجزائر، الذي تضمن أسس وطريقة تنفيذ قرار لجنة التحكيم الدولية، وذلك من خلال اتفاق ثنائي، تحت إشراف لجان تابعة للأمم المتحدة.
يحاول آبي أحمد، صرف النظر عن الحروب التي يشنها، وعن الجرائم التي ترتكبها قواته الاتحادية في هذه الحروب، وعن المظالم الحقيقية التي تسببت في معاناة هذه القوميات، وذلك في استخدام متْقَن لاستراتيجية الإلهاء، حتى يتفرغ لتنفيذ مشروعه السياسي
في تطور لافت ومفاجئ أعلن آبي أحمد، عن طموح وحق إثيوبيا لامتلاك منفذ بحري، وهو ما أثار جيرانه الثلاثة الصومال وجيبوتى وإريتريا، وحدا بإريتريا والصومال إلى عقد تحالف سياسي وعسكري مع مصر، في رسالة واضحة موجهة إلى أديس أبابا، بأن طموحها غير مقبول ومساعيها مرفوضة، وأن أي تحرك بهذا الاتجاه سيقابل بما يناسبه، ولو وصل الأمر لاستخدام القوة العسكرية.
هكذا توترت العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا، وتحولا من حليفين إلى خصمين متصارعين، وتصاعدت حدة الخلاف بينهما، لدرجة أن كلاهما بدأ في دعم معارضي خصمه، فضلا عن حشد قوات عسكرية في بعض المناطق. فضلا عن دعوة إريتريا للتعبئة العامة، وكل ذلك ينبئ عن أنهما يصران، على المضي قدما في التصعيد حتي النهاية، ولو انتهى الأمر بالدخول في صراع مسلح.
في هذه المرحلة من التصعيد الإريتري، تواصلت أسمرة مع مليشيات التمرد على حكومة آبي أحمد، وقدمت لهم دعماً كبيراً في قتالهم معها، فقد تحدثت بعض التقارير، عن تقديم إريتريا دعماً عسكرياً، لميليشيات "فانو" الأمهرية، التي دخلت في صراع مسلح، مع الحكومة الإثيوبية الاتحادية، وتحدثت تقارير أخرى، عن تواصل أسمرة مع متمردي "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، الرافضين لاتفاق بريتوريا للسلام، بل وتواصلها مع قادة من "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، فصيل "دبرصيون جبر ميكائيل". فيم استشرفت تقارير أخرى، إمكانية لجوء أسمرة، إلى دعم "جيش تحرير أورومو"، وبعض الجماعات المتمردة في منطقة بني شنجول-جوموز، في صراعاتهم المستمرة مع حكومة أديس أبابا
من ناحية أخرى نشرت إريتريا حشوداً عسكرية، علي الحدود بينها وبين إثيوبيا في بعض المواقع، وأعلنت التعبئة العسكرية العامة على مستوى البلاد. لا شك في أن الوصول إلى مثل هذه المراحل من التصعيد، يضع مرتاديها على حافة الهاوية، وهو ما يدعو للتساؤل عن الدوافع، التي أوصلت أسمرة إلى هذه الدرجة.
الاحتقان السياسي يلازم الجبهة الداخلية في إريتريا، والتفاعل لا ينقطع - وإن كان سِرِّياً - بشأن إحداث التغيير السياسي، وكسر القبضة الأمنية الشديدة للنظام، والمطالب الديمقراطية تتزايد يوما بعد يوم، وفي مواجهة ذلك يمارس أفورق، نفس استراتيجية الإلهاء المستمر، عبر افتعال قضايا وأزمات داخلية وخارجية
على الجانب الآخر بلغ التصعيد الإثيوبي مبلغاً خطيراً، حيث استضافت إثيوبيا علناً مجموعات إريترية، معارضة للنظام الإريتري، فقد افتتح "مؤتمر عفر الوطني الإريتري"، مكتباً له في مدينة "سيميرا" عاصمة إقليم "عفر"، المتاخمة للحدود الإثيوبية-الإريترية، في أقرب نقاطها من ميناء عصب الإريتري، وتطالب مجموعة "مؤتمر عفر الوطني الإريتري"، بحصول الـ "عفر" الإريتريين على الحكم الذاتي، إعمالا لحقهم في تقرير مصيرهم، والاستقلال عن أسمرة في إدارة شؤونهم في إقليمهم، للتخلص من التهميش والاضطهاد والتطهير العرقي، الذي تمارسه ضدهم الحكومة الإريترية الحالية.
كما افتتحت مجموعة "اللواء نحميدو"، والمعروفة باسم "الثورة الزرقاء"، مكتباً لها في منطقة "هيا هوليت" في أديس أبابا، وهي مجموعة أنشأها نشطاء إريتريين في المهجر، وتدعو إلى اقتلاع النظام الإريتري الحاكم من جذوره، وبعد أن ذاع صيتها وانتشرت دعوتها، تبنت نهجاً راديكالياً ودعت إلى النضال المسلح، من أجل إسقاط نظام أفورقي، وكانت قد بدأت أنشطتها بمناهضة الفعاليات، التي يقيمها النظام الإريتري في الخارج، وكثيراً ما وقع بينها وبين أنصار النظام اشتباكات عنيفة، اعتقلت على إثرها سلطات الدول، التي وقعت فيها هذه الاشتباكات، عدداً كبيراً من نشطاء الطرفين.
يبدو أن إثيوبيا لم تكتف باستضافة أولئك وهؤلاء، بل سعت إلى التنسيق فيما بينهم، وعملت على توحيد جهودهم، حيث سمحت بعقد اجتماع تنسيقي، بين مجموعة "اللواء نحميدو" قبل أن تفتتح مكتبها، ومجموعة "مؤتمر عفر الوطني الإريتري" في أديس أبابا في 27 يناير/ كانون الثاني 2025، فيم صرح قادة من مجموعة "اللواء نحميدو"، أنهم عازمون على افتتاح مكاتب جديدةً لهم، في إقليم "عفر" وفي مناطق أخرى.
يتمحور مشروع آبي أحمد السياسي، حول فكرة التخلي عن الفيدرالية الاثنية، واستعادة إثيوبيا المركزية، تحت شعار "اجعل إثيوبيا عظيمة مرة أخرى"، باعتبار أن الفيدرالية القائمة على الخطوط الاثنية، تعد سبباً رئيسياً لحالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد، وأن الدستور الفيدرالي هو سبب تراجع مشروع بناء الأمة الإثيوبية الموحدة، غير أن إخفاق آبي أحمد، في إقناع النخب السياسية الإقليمية بهذا المشروع، وإخفاقه أيضا في فرضه عليهم، سواءً باستخدام القوة، أو باستخدام الأدوات المؤسسية، جعله يحاول تهدئة الرأي العام وكسب التأييد، عبر تصدير الأزمة للخارج، من خلال افتعال الأزمات، مع دول الجوار المباشر ودول إقليمية أخرى. كما حدث تباعاً مع مصر ثم الصومال وفي الأخير إريتريا، من أجل إشاعة شعور دائم بالخطر، يجمع الإثيوبيين حوله، ويصرفهم عن مشكلاتهم الداخلية الأخرى.
يتسم الصراع الدائر بين إثيوبيا وإريتريا، بالتعقيد والتركيب، وتقاطع وتلاقي المصالح، بين الطرفين وكياناتهما السياسية الداخلية، وبين كثير من القوى الإقليمية والدولية المؤثرة
عطفاً على ما تقدم وتفريعاً عليه يحاول آبي أحمد، صرف نظر قوى الداخل والمجتمع الدولي في آن واحد، عن الحروب التي يشنها، على القوميات الإقليمية المعارضة لمشروعه السياسي، وعن الجرائم التي ترتكبها قواته الاتحادية في هذه الحروب، وعن المظالم الحقيقية التي تسببت في معاناة هذه القوميات، وذلك في استخدام متْقَن لاستراتيجية الإلهاء، حتى يتفرغ لتنفيذ مشروعه السياسي.
أما عن إريتريا فالاحتقان السياسي يلازم الجبهة الداخلية، والتفاعل لا ينقطع - وإن كان سِرِّياً - بشأن إحداث التغيير السياسي، وكسر القبضة الأمنية الشديدة للنظام، والمطالب الديمقراطية تتزايد يوما بعد يوم، وفي مواجهة ذلك يمارس أفورقي، نفس استراتيجية الإلهاء المستمر، عبر افتعال قضايا وأزمات داخلية وخارجية، من أجل تأبيد حكمه، والتهرب من الاستحقاقات الديمقراطية، ومن أبرز هذه القضايا والأزمات، التصعيد الدبلوماسي والعسكري مع إثيوبيا، على خلفية قضايا الحدود والمنفذ البحري، بالإضافة إلى استضافة ودعم المعارضة الإريترية.
عطفا على هذه الحالة وتفريعا عليها، يسعى أفورقي إلى كسر العزلة التي فرضها عليه المجتمع الدولي، من خلال مد جسور التعاون، مع الدول ذات الاهتمامات المشتركة، وهو ما نجح فيه نسبياً، من خلال التحالف السياسي والعسكري، الذي دخل فيه مع مصر والصومال، والتقارب الذي جمعه مع النظام السعودي، والذي انخرطت فيه السعودية بشكل رئيسي، لمواجهة المد الإماراتي المتنامي في المنطقة.
من أهم دوافع التصعيد لدى الطرفين على حد سواء، محاولة إظهار التمسك بالمطالب حتى النهاية (سياسة حافة الهاوية)، من أجل الاستعداد لمرحلة التفاوض المستهدفة مستقبلا، وعملاً على تحقيق أكبر قدر من المكاسب فيها، فكلاهما يعلم تماما مواطن قوة وضعف خصمه، ويعلم تماما نهجه في التعاطي مع الغير في الصراعات والأزمات.
يتسم الصراع الدائر بين إثيوبيا وإريتريا، بالتعقيد والتركيب، وتقاطع وتلاقي المصالح، بين الطرفين وكياناتهما السياسية الداخلية، وبين كثير من القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وفي مقدمتها الصين والإمارات، ومصر والسعودية، والولايات المتحدة.
فثمة من يؤازر إثيوبيا، ويقدم لها دعماً سياسياً ولوجستياً وعسكرياً، مثل الصين والإمارات؛ فالصين من أكبر دائني إثيوبيا، وهي أكبر شريك تجاري لها، وأكبر مستثمر أجنبي فيها، أضف إلى ذلك ما قدمته لها من دعم سياسي وعسكري، في حربها على "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، حيث عرقلت مرتين إصدار مجلس الأمن لقرار، يدعو إلى وقف إطلاق النار في إقليم "تيجراي"، وأمدت أديس أبابا بنوعين من أنظمة راجمات الصواريخ المتعددة الثقيلة، عيار 300 ملليمتر من طراز "كالت إيه 200" و"نورينكو إيه آر 2". بينما قدمت لها الإمارات دعماً لوجستياً وعسكرياً كبيراً في حرب الـ "تيجراي"، وهو الجميل الذي حفظته إثيوبيا وترده حالياً للإمارات، في رعايتها لميليشيا "الدعم السريع"، في حربها ضد الجيش السوداني.
ثمة من يؤازر إريتريا، ويجمعه معها علاقات دبلوماسية جيدة، واتفاقيات تعاون متعددة، مثل مصر والسعودية؛ فمصر دخلت في تحالف ثلاثي يجمعها مع إريتريا والصومال، يركز على التعاون السياسي والعسكري والدفاع المشترك، والتنسيق الأمني في مواجهة التهديدات الإرهابية، والتحديات الناجمة عن التوترات الإقليمية، من أجل تعزيز الاستقرار في المنطقة. بينما تحسنت كثيراً العلاقات السعودية-الإريترية، وبخاصة بعد أن أصبحت إريتريا ضمن الأعضاء المؤسسين، لـ "مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، الذي استضافت الرياض اجتماعه التأسيسي ومقره الإداري، وبعد أن تخلت عن استضافة، القاعدة العسكرية الإماراتية في مدينة عصب.
تبقى الولايات المتحدة من أهم الفواعل الدولية، التي يمكنها توجيه ديناميات المشهد السياسي والأمني، في منطقة القرن الأفريقي، ومن ثم فإن موقفها من طرفي الصراع الإثيوبي-الإريتري، بغض النظر عن علاقاتها المتغيرة معهما، يرتكز على تحقيق المصالح والأهداف الأمريكية في المنطقة، ولما كانت واشنطن غير راغبة - على الأقل في الوقت الحالي - في إثارة ما يقوض الاستقرار في المنطقة، فلا شك أنها ستتخذ كل ما يحول دون تحول الصراع، إلى صراع مسلح بين الطرفين.
في ضوء ما تفرضه السياقات الداخلية، على طرفي الصراع الإثيوبي-الإريتري من حذر شديد، بسبب هشاشة جبهتيهما الداخلية، وفي ضوء الأحداث والتغييرات، التي يشهدها النظام العالمي، بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، وعلى إيران وأذرعها في الشرق الأوسط، يمكننا القول بأن احتمالات اندلاع الحرب بين إثيوبيا وإريتريا - على الرغم من وقوف كل منهما على حافة الهاوية - تظل احتمالات ضعيفة، غاية ما هنالك أن يستمر التصعيد الحذر بين الطرفين، فترة قد تطول أو تقصر، بحسب تغير السياقات الحاكمة.