السبت 6 ديسمبر 2025
بينما كان المواطنون في غينيا بيساو نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أجريت في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، فاجئهم الجيش بانقلاب عسكري ضد الرئيس المنتهية ولايته عمر سيسوكو إمبالو، قبل الانتهاء من فرز الأصوات والإعلان عن النتائج. بذلك يلتحق هذا البلد الصغير مساحة وسكانا بقائمة البلدان التي شهد انقلابات في أفريقيا.
تاريخيا، لازمت الاضطرابات البلد منذ الاستقلال عن البرتغال عام 1973، فقد شهد نحو أربعة انقلابات ونحو عشرين محاولة انقلابية، فلا رئيس ممن تداولوا على السلطة في البلد استطاع إنهاء ولايته الرئاسية بسلام. فحتى الرئيس إمبالو الذي عزله الجيش تعرض لمحاولتين للإطاحة به، أخرهما في ديسمبر/كانون الأول 2023.
تصنف غينيا بيساو في خانة الدول الأكثر فقرا في العالم، إذ يعيش نحو 40% من سكان هذا البلد في فقر مدقع. كما تشكل مركزاً لعصابات تهريب المخدرات بين أميركا اللاتينية وأوروبا، التي تستغل تاريخ الاضطرابات السياسية والانقلابات في البلاد.
صباح يوم الأربعاء أعلن قادة الجيش في غينيا بيساو، عزلهم الرئيس عمر سيسوكو إمبالو وبسط سيطرتهم الكاملة على البلاد، وإيقاف سير العملية الانتخابية وإغلاق الحدود، وكشف البيان المقتضب الذي تلاه الانقلابيون في مقر قيادة الجيش بالعاصمة بيساو أن العملية تأتي قبل يوم من موعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات.
لم يقتصر قادة الانقلاب على الرئيس، بل امتد الاعتقال الى مرشح المعارضة الرئيسي فرناندو دياس، الذي سمحت له المحكمة العليا بالترشح، بعدما منعت زعيمها الأشهر دومينغوس سيموس بيريرا رئيس "الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر"، الحزب التاريخي الذي قاد غينيا بيساو إلى الاستقلال من الترشح، لكن ذلك لم يحل دون اعتقاله؛ ما يجعل رموز المعارضة بدورها رهن الاعتقال أثناء الانقلاب.
سرعة أداء قيادة الانقلاب انعكست على عودة مظاهر الحياة الطبيعية في العاصمة، فسرعان ما دبت الحركة واستؤنفت الأنشطة التجارية في البلاد، بعدما رفع حظر التجوال، ما يوحي أن المواطنين انخرطوا في عمليا في المرحلة الانتقالية
نجح الانقلابيون في إدارة العملية بسرعة، فيوم الخميس؛ 24 ساعة بعد الانقلاب، تم تعيين الجنرال هورتا نتام قائد القوات البريّة والمقرب من الرئيس المخلوع عمر سيسوكو إمبالو، رئيسا انتقاليا بعد أداء اليمين الدستورية في مقرّ قيادة الجيش. وخاطب المواطنين وسط عشرات العسكريين المدجّجين بالسلاح قائلا: "تجتاز غينيا بيساو أوقاتا عصيبة من تاريخها. الإجراءات التي فُرضت طارئة ومهمة، وتتطلّب مشاركة الجميع".
وكان الجنرال دينيس نكانها، قائد القوة العسكرية الملحقة بالرئاسة، قد سبق هذا التعيين بخطاب عشية الانقلاب من مقر قيادة الأركان، يبرر فيه دواعي تحرك الجيش "ما دفعنا إلى القيام بذلك (الانقلاب) هو ضمان الأمن على المستوى الوطني وأيضا استعادة النظام"، مشيرا إلى اكتشاف "الاستخبارات العامة خطة لزعزعة استقرار البلاد بمشاركة تجار مخدرات محليين".
أعقب ذلك تعيين أخر أمس الجمعة، تمثل في إصدار الجنرال هورتا نتام، رئيس القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام وتأمين انتقال سياسي، مرسوما يسمي إيليديو فييرا تيه آخر وزير للمالية السابق رئيساً للوزراء، وذلك في حفل تنصيب خفيف، أشاد فيه الجنرال بفييرا تيه، معربا عن أمله في "مواصلة العمل معه في السفينة نفسها"، قبل أن يضيف بأن "الشعب ينتظر منا ومنكم الكثير من الالتزام".
سرعة أداء قيادة الانقلاب انعكست على عودة مظاهر الحياة الطبيعية في العاصمة، فسرعان ما دبت الحركة واستؤنفت الأنشطة التجارية في البلاد، بعدما رفع حظر التجوال، ما يوحي أن المواطنين انخرطوا في عمليا في المرحلة الانتقالية التي حددها الجيش في أجل عام واحد، قبل العودة إلى الحياة الدستورية.
لم يضف ذلك شرعية على ما حدث، فقد توالت الإدانات الرافضة لعملية الانقلاب إقليميا ودوليا، إذ لم يتأخر الاتحاد الأفريقي في إدانة ما حدث في بيساو بقراره ـ يوم الجمعة ـ تعليق عضوية غينيا بيساو في هيئاته، بعد الإطاحة بالرئيس عمر سيسوكو إمبالو واستيلاء عناصر الجيش على السلطة. من جانبه اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس ما جرى "انتهاكا للمبادئ الديمقراطية". سارعت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إكواس) بدورها إلى تعليق عضوية البلاد في كل هيئات صنع القرار.
يشكك متابعون وخبراء في شؤون غرب أفريقيا في رواية صحة الانقلاب، وفي المشهد أكثر من معطى يعزز الشك ويثير الريبة حول ما حدث. إذ لا يعقل أن يقوم الرئيس بعد اعتقاله من قبل ضباط الجيش بإجراء اتصالات مع عدد من رؤساء الدول
لكن سرعة التنفيذ ساهمت في تلافي غينيا بيساو سيناريوهات التدخل العسكري لمنظمة الإيكواس، على غرار ما حدث في سيراليون (1998) لإعادة الرئيس أحمد تيجان كباح إلى السلطة، وفي ليبيريا مرتين (1990 و2003)، حيث بدا الوضع هناك بعد الانقلاب وكأن هناك استعداد مسبق للقبول بهذه الخطوة. وتفسير ذلك بحسب مراقبين هو وجود رفض داخل أجهزة الدولة ومراكز ثقلها لهذا الرئيس. في المقابل تمت شكوك تعتبر الأمر "مسرحية" من النظام بإخراج سيء لقطع الطريق أمام حزب "الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر" ذي الشرعية التاريخية للوصول إلى السلطة.
رافقت عملية الانقلاب جملة من المؤشرات التي ولدت أسئلة وشكوكا حيال ما جرى، من سرعة الأداء والإنجاز ما يعني التحضير المبكر والتخطيط الجيد والمسبق للأمر، واختيار التوقيت بدقة، فأي تفسير لتنفيذ الانقلاب يوما واحدا قبل الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ألن تكون هناك علاقة بين الأمرين؟
هذا ما تؤكده المعارضة التي تعتبر أن النظام قام بتلك الخطوة بعدما أدرك أنه فقد شرعيته في صناديق الاقتراع، فتعليق العملية الانتخابية بدواعي "مخطط لزعزعة الاستقرار" و"التلاعب بنتائج التصويت"، أراجيف لتورية الخسارة، خصوصا وأن مراقبي الاتحاد الأفريقي يتحدثون عن منافسة شديدة، وفارق أصوات لا يتجاوز 11 ألف صوت لصالح مرشح المعارضة فرناندو دياس.
يشكك متابعون وخبراء في شؤون غرب أفريقيا في رواية صحة الانقلاب، وفي المشهد أكثر من معطى يعزز الشك ويثير الريبة حول ما حدث. إذ لا يعقل أن يقوم الرئيس بعد اعتقاله من قبل ضباط الجيش بإجراء اتصالات مع عدد من رؤساء الدول (نيجيريا وتشاد والسنغال والكونغو الديمقراطية)، بل المفاجئة أن الرئيس المخلوع، وهو قيد الاعتقال يجري مقابلة مع قناة فرانس 24 يخبرهم فيها أنه عزل من منصبه!!
تمت شكوك تعتبر الأمر "مسرحية" من النظام بإخراج سيء لقطع الطريق أمام حزب "الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر" ذي الشرعية التاريخية للوصول إلى السلطة
لكل ما سبق ترفض المعارضة وصف ما جرى بالانقلاب، فعلى فرض صحة ما يروج من أخبار مصدرها تقارير استخباراتية تروم زعزعة الاستقرار، ما دخل المعارضة؟ ولماذا يعتقل رموزها إن كان المتورطون في الحكم؟ وما الداعي إلى التدخل لوقف المسار الانتخابي؟ ألا يكفي تدخل القضاء لعزل من تبث في حق شيء مع بقاء سير عمل المؤسسات؟ وتتمسك في المقابل بأن ما وقع "انقلاب مدبر" لمنعهم من تولي السلطة.
يقف المدقق الحذق في انقلاب غينيا بيساو أنها أمام نسخة حديثة من الانقلابات بطعم خاص، تتفادى العنف وسفك الدماء، كما جرى في مدغشقر، أو في الغابون التي تبقى أقرب إلى ما يقع في غينيا بيساو التي جاءت في مسار انتخابي.